تشويه الحضارة المصرية : ختان الإناث نموذجًا

طلعت رضوان
2020 / 2 / 5

تلقى اللواء أحمد سعد مديرأمن أسيوط إخطارًا من مأمورمركزشرطة منفلوط، ببلاغ من والد طفلته (ندا) ضد الطبيب الذى أجرى لها عملية ختان، داخل مستوصف طبى، مما نتج عن وفاة الطفلة (جريدة المصرى اليوم2فبراير2020) وواقعة شبيهة حدثتْ ونــُـشرتْ فى نفس الجريدة يوم14يونيو2019.

ومنذ عدة سنوات أجرتْ الأستاذة صفاء عبد المنعم حوارًا مع الحاجة فاطمة من منطقة العالى بشلاتين (مجلة الفنون الشعبية- يوليو- ديسمبر2008) فورد على لسان الأخيرة أنّ طهارة (= ختان) البنات عادة فرعونية..وإذا كان هذا هو رأى الحاجة فاطمة التى لاعلاقة لها بلغة العلم، خاصة علم المصريات، فهل هذا أيضًا رأى الأستاذة المحاورة؟ وإذا لم يكن رأيها فلماذا لم تُعلق عليه؟ ألايعنى سكوتها التطابق مع هذا الرأى؟ وهل دورالصحفى أوالباحث هونقل الحواركما هو حتى لو خالف حقائق التاريخ؟ أو أنّ دوره- كما يفعل الباحثون الأوروبيون- هوفتح الأقواس لتوضيح وجهة النظرالمخالفة وبيان أسبابه؟
إنّ ما ذكرته الحاجة فاطمة يتطابق مع ما تُروّج له الثقافة السائدة من أخطاء علمية، وهى أخطاء تدل على غياب الوعى بعلم المصريات، وهى أخطاء يقع فيها كبارالمتعلمين، مثل د. أحمد شوقى الفنجرى الذى ذكرفى كتابه (مفاهيم خاطئة تؤخرالمسلمين) عن عادة ختان البنات فى مصر أنها عادة فرعونية..وعندما عرض د. حامد عمارهذا الكتاب لم يهتم بمناقشة رأى المؤلف، أى مدى صحته، وهل هو رأى مؤسس على دراسة الحضارة المصرية القديمة؟ أم أنه مجرد رأى شخصى وبعيد عن لغة العلم؟ وطالما أنّ سيادته لم يفعل، فإنّ انطباع القارىء (خاصة إذا كان من المحبين له) أنّ د. حامد عمارمتفق مع مؤلف الكتاب على هذا الزعم الذى ينسب لجدودنا المصريين القدماء هذه العادة اللا إنسانية.
كنتُ أظنّ أن موضوع ختان البنات تم حسمه لصالح الحضارة المصرية، عندما تـمّ فتح هذا الملف منذ عدة سنوات، حيث كتب فيه علماء متخصصون فى علم المصريات، وأثبتوا من خلال علم الآثار ومن خلال البرديات أنّ جدودنا المصريين القدماء لم يعرفوا عادة ختان البنات الوحشية، وأنّ عشرات الجداريات عليها رسوم لختان الذكور، ومن أمثلة ذلك الرسم الموجود فى مصطبة عنخ ماخور بسقارة ومقبرة (نى- حُتب- بتّاح) بالجيزة (أنظر- على سبيل المثال- كتاب الطفل المصرى القديم- تأليف روزاليندم وجاك ج . يانسن- ترجمة د. أحمد زهيرأمين- الهيئة المصرية العامة للكتاب- الألف كتاب الثانى- عام 97 ص 90) ورغم وجود هذه الجداريات التى تُصوّرختان الذكور، لم يعثرعلماء الآثارعلى جدارية واحدة لختان البنات..وإذا تحجـّـج أحد بأنّ عدم تصوير ختان البنات ربما كان سببه عدم خدش الحياء، فإنّ هذه الحجة مردود عليها بعشرات الجداريات التى تصوّرالبنات عاريات تمامًا. حتى أنّ بنات أخناتون ونفرتيتى تم تصويرهنّ دائمًا فى ثياب شفافة مثل أمهنّ. وفى بعض النقوش تم تصوير صغرى البنات عارية تمامًا..ونفس الأمر بالنسبة للجداريات التى صوّر فيها الفنان المصرى القديم العازفات على الآلات الموسيقية وهنّ عاريات (المصدرالسابق ص 32 ، 55) كما أنّ علم الآثار كشف عن جداريات وبرديات تبدو فيها المرأة عارية أثناء إجراء العمليات الجراحية..وأكثر من ذلك العثور على جداريات وبرديات تُصوّر المرأة أثناء عملية الولادة وهى جالسة على كرسى (إيزيس) للولادة..وكذلك وجود أكثر من تمثال للإلهة إيزيس وهى تُرضع طفلها حورس. فإذا كان هذا هو وضع المرأة فى الحضارة المصرية التى رفعتْ من شأنها ولم تنظر إليها على أنها مجرد جسد وموضوع للفراش..وإذا كانت الجداريات والبرديات صوّرت أشياء كثيرة وقليلة الأهمية مثل أنّ رجلا وامرأة يأكل كل منهما وزة مشوية إلخ فلماذا لم يتم تصويرختان البنات؟
وإذا كان البعض لايعترف بالخطأ ويرفض الأسلوب الحضارى المتمثل فى (مراجعة الذات) فإنّ الكاتبة الكبيرة الأستاذة حُسن شاه كانت مثالا حيًا على شجاعتها الأدبية، ومن خلال الفعل وليس القول، ذلك أنها كتبتْ أنّ عادة ختان البنات فرعونية (أخبار16/12/2005) فأرسل لها د. عبدالمنعم عبدالحليم سيد أستاذ التاريخ القديم والآثار- جامعة الاسكندرية- كلية الآداب- مقالا قصيرًا فنّد فيه هذا الإدعاء..ورجاها أنْ تنشره فى العدد التالى مباشرة..وبالفعل نشرتْ أ. حُسن شاه مقال د. عبدالمنعم كاملا فى صفحتها الأسبوعية، فكانت بذلك نموذجًا رائعًا للكاتب الملتزم بأخلاقيات مهنة الصحافة من جهة، ولاحترامها العميق لجهد العلماء المتخصصين من جهة أخرى..ونظرًا لأهمية مقال د. عبدالمنعم، وبمراعاة أنّ سيادته قدّم عددًا من الأدلة التى تُغنى عن أية استشهادات أخرى، سواء من علم الآثارأو من كتابات المؤرخين الأجانب الذين زاروا مصرفى عهودها القديمة، لذلك أرى أهمية تضمين مقالى هذا النص الكامل لمقاله: ((الأستاذة الفاضلة حُسن شاه: تحية طيبة وبعد. جاء فى مقالكم الرائع عن ختان الإناث المنشورفى صحيفة الأخبارالغراء عدد يوم الجمعة 16/12/2005) أنّ هذه العادة فرعونية..وهى معلومة خاطئة تمامًا بل وخطيرة، وسبب خطورتها أنها لم ترد فى مقالك على لسان صاحبة الشكوى فى وصف هذه العملية الوحشية، وإنما جاءت فى تعليقك على هذه الشكوى، مما سيؤدى إلى اقتناع القراء بصحتها، نظرًا لما أشتهرعن كتاباتك من مصداقية وتأثيركبيرفى القراء واقتناعهم بها، لذلك أرجوأنْ تتكرمى بنشرالأدلة الموضحة بعد التى تُــثبتْ خطأ هذه المعلومة، ويا حبّذا لو تم ذلك فى عدد يوم الجمعة 23/12 بإذن الله الذى فى الغالب سيقرؤه نفس القراء الذين قرأوا عدد الجمعة الماضى، الذى به هذه المعلومة الخاطئة. إنّ الأدلة على أنّ المصريين القدماء لم يُمارسوا عادة ختان الإناث على الإطلاق طوال العصرالفرعونى هى:
أولا من الآثار: فى مقابل تكرار مناظر ختان الذكور التى وردتْ فى الرسوم على الآثار المصرية القديمة (أوضح رسم لعملية ختان الذكور رسم فى مقبرة عنخ - ماحورفى سقارة) فلم يرد منظر واحد لختان الإناث.
ثانيًا: فى مقابل ورود وصـْـفاتْ طبية على البرديات المصرية القديمة لمداواة الجرح الناتج عن هذه العملية للذكور(مثال ذلك الوصفة رقم 734 فى البردية المسماة بردية إيبرس) فلم ترد إشارة واحدة تُـفيد ذلك بالنسبة للإناث.
ثالثًا: لم يثبتْ من فحص مومياوات الإناث المصرية العديدة ممارسة هذه العادة على أية واحدة منهنّ.
رابعًا: أنّ المؤرخ اليونانى هيرودوت الذى زار مصر فى القرن الخامس ق. م وكانت الحضارة الفرعونية مازالت فى أوج انتشارها، لم يذكرأى شىء عن ختان الإناث، بينما أشار إلى ختان الذكور فى ثلاثة مواضع من كتابه عن مصرفى الفقرات أرقام 36 ، 37 ، 104)
((هذا وقد ورد فى مقالك أنّ هذه العادة إفريقية..وهى معلومة صحيحة تمامًا. وتفسير ذلك أنّ جنوب مصر تعرّض فى عصر الإحتلال الرومانى الذى بدأ فى عام 30 ق.م أى بعد أنْ انتهى العصر الفرعونى بزمن طويل، تعرّض لغزوات دولة إفريقية دخلت فى صراع مع الرومان، وكانت عاصمتها بلدة (مروه) القريبة من مدينة شندى، وهى التى أتتْ لصعيد مصر أثناء هذه الغزوات- من بين ما أتتْ من عادات وتقاليد- بعادة ختان الإناث، والدليل على ذلك أنّ المؤرخ الرومانى إسترابون الذى عاش فى مصرأثناء الإحتلال الرومانى، ذكرأنّ هذه العادة دخلت مصرفى عصرالإحتلال الرومانى..والدليل إنها عادة إفريقية أنها مازالت تُمارس حتى اليوم فى مناطق حوض النيل..وهى بقية من تجارة الجوارى..وكانت عملية ختان الإناث تُـمارس فى هذه المناطق بطريقة أشد وحشية من ممارستها فى مصر، لأنّ الغرض منها هو الإغلاق التام ضمانًا لبكارة الجارية لرفع ثمنها..وعلى ذلك فإنّ ختان الإناث عادة إفريقية الأصل ولا توجد أى صلة بينها وبين مصر الفرعونية))
وتعقيبًا على رسالة د. عبدالمنعم كتبتْ الأستاذة حُسن شاه أسفلها مباشرة ((عزيزى الدكتورعبدالمنعم عبدالحليم سيد: أسعدتنى كثيرًا رسالتك التى صحّحتَ لى فيها معلومة خاطئة نشرتها فى العدد الماضى، وأكثرما أسعدنى أنّ جدودنا الفراعنة لم يعرفوا هذه العادة الوحشية الضارة التى كنتُ أعجب من أنْ يكونوا قد مارسوها ضد الإناث فى حضارتهم العظيمة، التى كان للمرأة فيها مكان عظيم..وأعتذرلك وللقراء الأعزاء عن هذا الخطأ الذى وقعتُ فيه بناءً على معلومة غيرسليمة قرأتها فى كتاب (حضارة ختان البنات) إذن هى عادة إفريقية وليست إسلامية أو فرعونية. وألف شكرعلى إهتمامك وعلى معلوماتك القيّمة الصادرة من أستاذ متخصص كبير)) (الأخبار23/12/ 2005 ص 13)
ومن جانبى أود أنْ أشير إلى عمق تقديرى واحترامى للكاتبة الكبيرة الراحلة (التى رحلتْ عن دنيانا فى يوليو2012) حُسن شاه على شجاعتها الأدبية، التى أصبحتْ عملة نادرة فى زمننا الذى طغى فيه قبح النفس البشرية على جمالها..وهو قبح يُكبّل عنصرالنبل الإنسانى..كما أتوجّه بصادق تقديرى للأستاذ الدكتورعبدالمنعم عبدالحليم سيد لدفاعه عن حضارة جدودنا المصريين، بهذا الأسلوب العلمى رفيع المستوى، والذى تعلمنا منه الفرق بين المنهج العلمى وبين الاجتهاد الشخصى البعيد عن لغة العلم، كما يفعل كبارالمتعلمين أمثال د. أحمد شوقى الفنجرى ود. حامد عمار، خاصة وأنّ هؤلاء المتعلمين الكبارلهم قرّاء يُصدّقون كل كلمة يقرأونها..وخاصة أنّ الكتابات التى ليس لها علاقة بلغة العلم تؤدى (وإنْ بحُسن نية) إلى تشويه حضارة جدودنا المصريين القدماء، وخاصة وأنّ هذا التشويه يتعمّده كل المؤمنين بالتراث العبرى. ويتعمّده بنوإسرائيل، وبصفة خاصة من الأصوليين اليهود المؤمنين بحرفية نصوص كتابهم الذى يُقدّسونه والمعادى للتاريخ المصرى القديم. فهل يتعظ المتعلــّــمون من هذا الدرس؟
****