باحث إسلامى يعترف بالغزو العربى

طلعت رضوان
2020 / 2 / 5

باحث سعودى يعترف بالغزوالعربى
فى مفاجأة لم تكن متوقعة، فى السنوات الماضية، قال الباحث السعودى الأكاديمى (على الهويرينى) على قناة روتانا خليجية، أنّ الفتوحات الإسلامية لم تكن سوى عملية غزوقام به العرب..وأنّ الإسلام بريىء منها..وأضاف: لماذا ذهب العرب إلى الأندلس؟ وهل أمرنا الإسلام بعبورالبحرلمحاربة النصارى؟ إنّ هذا ليس غزو الإسلام، إنه غزوالعرب.
000
أعتقد أنه بالرغم من أهمية كلام الباحث السعودى، وبالرغم من شجاعته فى تحدى الموروث الثقافى العربى/ الإسلامى، الذى يتحاشى استخدام تعبير(غزو) على ما فعله العرب الذين احتلوا الكثيرمن دول العالم..ولكن هذا الباحث السعودى حاول تجميل الإسلام (ربما لأنه خاف من ردود الفعل على كلامه) حيث نفى عن الإسلام صفة الغزو..واكتفى بلصقها بالعرب..وهوبذلك تجاهل أنّ التاريخ العربى/ الإسلامى به عشرات الكتب التراثية التى ذكرتْ (غزوات نبى الإسلام) وبعضها صدربعنوان صريح (غزوات الرسول) كما أنه تجاهل أنّ كل الغزوات العربية، كانت تتم بحجة نشرالإسلام..وهذا ما حدث فى معظم الدول التى تـمّ غزوها واحتلال أراضيها ونهب مواردها، سواء فى مصرأوفى العراق أوفى بلاد الشام والمغرب..إلخ. وكان الغزاة العرب يضعون الشعب المنكوب بالغزوالعربى، أمام ثلاثة اختيارات: إما الدخول فى الإسلام، أوالقتال، أوأداء الجزية..وذلك بالتطبيق لنص الآية رقم29 من سورة التوبة..كما أنّ الباحث السعودى أخطأ عندما استخدم كلمة (أندلس) بينما الاسم الحقيقى (إسبانيا) التى احتلتها قبائل عربية.
وفى كل الأحوال فإنّ العقل الحرلايملك إلاّ أنْ يوجه لهذا الباحث السعودى التحية، لجرأته على (نقد الثوابت) خاصة وأنّ السعودية هى الدولة التى تبنــّـتْ الدفاع عن هذه الثوابت، المنافية لوقائع التاريخ، والمعادية للبشرالذين شاء سوء حظهم أنْ يقعوا تحت نيرالاستعمارالعربى.
000
وكما أخطأ الباحث السعودى فى العصرالحديث، كذلك أخطأ بعض المؤرخين فى العصورالوسطى..وأعتتقد أنّ آفة أى مؤرخ قديم أوأى كاتب عصرى، هى الأيديولوجيا، سواء دينية أومذهبية أوعرقية، والجرائم الوحشية التى ارتكبها العرب ضد شعبنا بعد الغزوعام 641م اعترف بها مؤرخون دافعوا عن العرب والإسلام، أمثال الطبرى والبلاذرى والسيوطى إلخ، والمقريزى، الذى بالرغم من حديثه عن ثورات شعبنا ضد الإحتلال العربى، وبالرغم من أنه من مواليد القاهرة (تنتمى أسرته إلى بعلبك اللبنانية) فإنه وصف شعبنا بالجُبن..وأنّ مصرلم تسكنها الأسود، لذلك فإنّ طبيعة المصريين أقرب إلى الأرانب والحمير(المواعظ والاعتباربذكرالخطط والآثار- ص43) الذهنية العربية جعلته يتجاهل أنّ مصربها أسود عكس جزيرة العرب..وأنه عندما قبض الخليفة مروان بن محمد على رجال الكنيسة وسجنهم ((سلــّـم أغناطيوس القديس الشهيد إلى عشرة من الأسود)) (ساويرس بن المقفع- تاريخ البطاركة- ص198) ويتمادى المقريزى فيلصق بشعبنا صفات الكيد والخبث والمكر، هذا الموقف الأيديولوجى يتضح عندما كتب يُدين ثورات شعبنا، خاصة ثوارالبشمورالذين تحدوا سلطة الاحتلال العربى، فهم فى نظره (طباعهم أغلظ والبله عليهم أغلب وذلك أنهم يستعملون أغذية غليظة ويشربون من الماء الردىء) (المواعظ والاعتبار- ص44) وكان تعليق الراحلة الجليلة سناء المصرى ((المقريزى وخلفه العقل العربى يرى أنّ سر ثورات هؤلاء القوم يرجع إلى خشونة الطعام والمياه وكلها عوامل طبيعية انطبقتْ على أماكن أخرى ولم تؤد إلى تفجير الثورة)) (هوامش الفتح العربى لمصر- الشعاع للنشر- عام 2004ص188) ولأنّ سناء المصرى تجرّدتْ من أية أيديولوجيا كتبتْ ((هكذا كتب المؤرخون العرب تاريخ مصرمن وجهة نظرهم، ونعتوا فيه المصريين بأشد الصفات سوءًا، وفسروا سُمرة المصريين بأنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق واستولدوهنّ، كما ذكرالمقريزى، بينما العرب يرون أنفسهم أنهم ((أتم الناس عقولا وأحلامًا وأطلقهم ألسنة وأوقرهم أفهامًا)) كما ذكرالألوسى فى بلوغ الأرب فى معرفة أحوال العرب- ج1ص 144- نقلا عن سناء- ص190)
والنظرة العنصرية تحكمتْ فى العربى المحتل، ليس من خلال نهب ثروات شعبنا فقط ، وليس بكل أشكال التعذيب البدنى لمن كان يرفض أداء الجزية أو الخراج، وإنما ظهر فى كلامهم مثلما قال ابن عباس ((المـُـكر عشرة أجزاء، تسعة منها فى القبط ، وواحد فى سائر الناس)) أما معاوية بن أبى سفيان فذهب إلى ماهو أخطر إذْ قال ((أهل مصر ثلاثة أصناف : فثلث ناس ، وثلث يُشبه الناس ، وثلث لا ناس. فأما الثلث الذين هم الناس فالعرب. والثلث الذين يُـشبهون الناس فالموالى، والثلث الذين لا ناس المسالمة يعنى القبط)) (المقريزى- المواعظ والاعتبار- ص56) وهذه النظرة العنصرية تتفق مع الحديث النبوى (لا تكون العرب كفؤا لقريش والموالى لا يكونون كفؤا للعرب) (شمس الدين السرخسى– نقلاعن خليل عبدالكريم- الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية- ص16)
فإذا انتقلنا من المؤرخين القدامى إلى العصر الحديث، نجد كاتبًا مثل د. جمال حمدان يعتبر الفرس والرومان واليونان والمغول إلخ غزاة، إلاّ العرب فكتب : آلتْ كل جزر البحر من قيرس حتى صقلية إلخ للنفوذ العربى ((وهكذا لم تتحطم نظرية وحدة البحر المتوسط بمفهومها اللاتينى الاستعمارى فحسب ، بل تحوّل البحر جميعًا إلى بحيرة عربية شبه خالصة. ولو أنّ العرب سموه بحر العرب بدلا من بحر الروم لما تعسفوا الحقيقة التاريخية أو الجغرافية فى شىء. أما فى الجنوب فقد انطلقتْ الموجة العربية لتـتحلق حول المحيط الهندى بسواحله الإفريقية والهندية، حيث تغلغل النفوذ العربى (الحضارى) وبهذا تحوّل المحيط الهندى إلى بحيرة عربية لا يُشارك فيها مشارك))
أعتقد أنّ الأيديولوجيا شوّهتْ عقل هذا (المثقف الكبير) الذى قرأ آلاف الكتب فعاند الحقيقة وكتب ((الحقيقة أنّ الدولة العربية كانت امبراطورية تحريرية بكل معنى الكلمة. فهى التى حرّرتْ كل هذه المناطق من ربقة الاستعمار الرومانى أو الفارسى واضطهاده (الوثنى) وابتزازه المادى)) (استراتيجية الاستعمار والتحرر- دارالشروق- عام 83- ص25، 26) هنا يستخدم التعبير غير العلمى (وثنى) ويُغالط إذْ يتجاهل وقائع التاريخ التى أثبتتْ أنّ الغزاة العرب كان هدفهم الأول هو نهب ثروات الشعوب المغزوة، ولأنّ أ. خليل عبدالكريم تجرّد من الأيديولوجيا لذلك اختلف مع جمال حمدان وكتب ((فى صعيد مصر الذى دهستْ أراضيه قبائل كثيرة مع الغزو العربى الاستيطانى بقيادة عمربن العاص ذلك الذى فعل الأفاعيل هو وجنوده فى مصر، عكس مايزعمه حملة المباخر من المؤرخين المُحدثين)) وكتب عن خالد بن الوليد ((الذى فعل الأفاعيل فى حروب الردة وفى الغزو الاستيطانى لبلاد الجوار)) (فترة التكوين فى حياة الصادق الأمين- ميرت للنشر- ص47، 282) ويستمر جمال حمدان فى الدفاع عن رؤاه العروبية / الإسلامية فكتب عن (النواة النووية) فى جزيرة العرب ((التى أصبحتْ دار الإسلام ، دار العرب الكبرى فانتقل ذلك المركز إلى الشام الأموية ثم غادرها إلى العراق العباسى إلخ)) ثم يُردّد كلام الأصوليين منذ جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى عن الرابطة الدينية فكتب (أى جمال حمدان) ((واضح إذن أنّ أخوة الدين كان يقابلها أخوة الأقاليم ، وسواسية الناس كانت تترجم سياسيًا إلى سواسية الولايات والمقاطعات)) والأكثر تضليلا ((الحقيقة أنّ الدولة العربية الإسلامية كانت شركة مساهمة بين كل أعضائها وأطرافها. وأنها كانت أول كومونولث فى التاريخ وأنها لم تمر بالمرحلة الاستعمارية المُشينة التى مرّ بها كومونولث اليوم)) ويستمر فى التضليل فكتب (الحقيقة أنّ دولة العرب الإسلامية هى فصل – أول فصل – فى جغرافية التحرير، وأبعد شىء عن جغرافية الاستعمار) وتساءل : ((كيف تمكنتْ قوى الصحراء الطاردة الخاوية من الموارد الطبيعية والانتاج الاقتصادى ، أنْ تـُقهر وتخضع قوى البر والبحر- فارس شرقا وروما غربًا؟)) سؤال مهم بينما إجابته تتشابه مع أصحاب الرؤى الغيبية إذْ كتب ((علينا أنْ نُسلم بأنّ هناك حوافز وقوى ميتافيزيقية لا تستمد من الواقع المادى بل تتخطاه. لاشك أنّ جذوة الحماس الدينى المُتقدة هى التى ألهبتْ خيال (المؤمنين) حتى تحوّلتْ بهم إلى شعلة ملتهبة وتحوّلوا هم بها إلى مشعل مضىء)) بعد هذه الجملة كتب علينا أنْ نبحث عن أسباب مادية صلبة. وعندما قرأتُ ماكتبه (حمدان) لم أجد هذه (الأسباب المادية) وإنما كلام عن الهلال الخصيب فى العراق والشام أما مصر((رأس الجسر فى التوسع الإفريقى غربًا وجنوبًا)) أى تبرير للغزو الذى لا يُريد أنْ يعترف به، وإنما أكد على أنّ ((القوة العربية الصاعدة مع الإسلام وإنْ بدأتْ قوة صحراء ورعاة.. فإنها خرجتْ عن وصاية الصحراء لتضع قوى العالم الكبرى البرية والبحرية تحت وصايتها)) وبسبب العقلية العربية/ الإسلامية التى تملكته، لم ينتبه للتناقض الذى وقع فيه عندما كتب عن (الصراع بين الرعاة والزراع) وأنه ((صراع بين الرمل والطين)) ثم يُغالط نفسه عندما نصّ على أنّ الصراع بين الفلاحين والرعاة هو((صراع أشباه أكثر منه صراع أضداد)) فكيف غاب عنه التناقض بين الفلاحين المُستقرين الذين وفروا لأنفسهم الطعام والكساء والمأوى، وبالتالى لم يُفكروا فى غزو شعوب أخرى، وبين الرعاة الذين اعتمدوا على الغزو لنهب ثروات الشعوب؟ وهو نفسه الذى كتب ((تحت تأثير طرد البيئة الرعوية الفقيرة وماقد يعتريها من نوبات من الجفاف، مع إغراء المناطق الغنية الرخية، كانت جحافل الرعاة تخرج كالطوفان لتنتشر كالمروحة. ومع الانتخاب الطبيعى القاسى الذى تفرضه البيئة. وبفضل حركة الخيل الكاسحة، كانت هذه الموجات تزحف آلاف الأميال لتهوى عاتية كالمطرقة على مناطق الاستقرار المحيطة..ومن هذا جميعًا نفهم كيف أمكن (لتراب الرعاة) أنْ يُسيطر ويتغلب على (الارسابات البشرية) الكثيفة المُستقرة فى تضاعيف الغابة أو أودية الأنهار)) (من ص 13- 29)
أما د. سيدة إسماعيل كاشف فهى تلتقط جملة كتبها يوحنا النيقوسى قال فيها ((وساد المسلمون (الأدق العرب) مصر..وكان عمربن العاص يقوى كل يوم ويأخذ الضرائب التى حدّدوها..ولم يأخذ شيئــًـا من مال الكنائس ولم يرتكب شيئــًـا سلبًا أو نهبًا وحافظ عليها طوال الأيام)) وكان تعليق سناء المصرى ((هكذا نصل إلى الجملة التى اقتطعتها د. سيدة لتــُـدلل بها على سماحة الجيش العربى من خلال شهادة قبطى..ولكن كما نرى فإنّ إقرار السماحة الذى ذكره النيقوسى عن العرب مرّ عبر أهوال كثيرة ذاقها المصريون حتى خضعوا واستتبتْ الأمور للفاتحين (= الغزاة) الجدد..وفهم عمروبن العاص أنّ التغاضى عن مال الكنائس هو الحصول على كل الثروة، بل هو مفتاح الخضوع الكامل للشعب القبطى المحب لكنيسته) وتجاهلتْ د. سيدة أنّ النيقوسى كتب ((لما استولى عمربن العاص على الاسكندرية جعل نهر المدينة يابسًا وزاد الضرائب قدر إثنين وعشرين عصا من الذهب، حتى اختبأ الناس لكثرة البؤس وعدموا ما يؤدون)) وكان تعليق سناء أنّ ((قراءة النيقوسى قراءة صحيحة تقتضى النظر للجانبين: جانب استخدام العنف للقضاء على مقاومة أهل البلاد..وجانب التسامح مع رجال الكنيسة أصحاب السلطة الروحية المُهيمنة على الشعب، والنظر إلى الجوانب العديدة التى تملأ مخطوطته)) (مصدرسابق- ص 108، 109) كما أنّ د. سيدة تعترض على ما ذكره ساويرس بن المقفع الذى أشار إلى أنّ الهروب من الجزية كان أكبر عامل على انتشار الإسلام، رغم أنها فى الصفحة المُقابلة كتبتْ أنّ الحجاج بن يوسف الثقفى ((فرض الجزية والخراج على الأعاجم (أى كل من ليس عربى) الذين أسلموا)) (مصر الإسلامية وأهل الذمة- تاريخ المصريين- رقم 57- هيئة الكتاب المصرية- عام93ص 76، 77) أى أنّ المصريين ظلوا يدفعون الجزية رغم إسلامهم، والأكثر فداحة أنّ الأرض ظلتْ (كافرة) كما أنها تستشهد بما كتبه ابن عبدالحكم والمقريزى من أنّ الخليفة عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه وواليه على مصر عبد العزيزبن مروان ، أنْ يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة. فكلمه بن جحيرة فى ذلك وقال (أعيذك بالله يا أمير أنْ تكون أول من سنّ ذلك بمصر) وكتبتْ أيضًا أنّ حيان بن سريح متولى خراج مصر فى خلافة عمربن عبدالعزيز كتب إلى الخليفة يقول ((أما بعد فإنّ الإسلام قد أضرّ بالجزية)) (ص78) أى أنّ تحصيل الجزية أهم من نشر الإسلام.
كما أنّ د. سيدة كاشف اعترفتْ بالثورات العديدة ضد الاحتلال العربى فكتبتْ ((قامتْ أول ثورة للفلاحين المصريين ضد الضرائب فى الوجه البحرى سنة 107هـ / 725م فى خلافة هشام بن عبدالملك وفى ولاية عبيد الله بن الحبحاب على الخراج. وتتابعتْ ثورات المصريين فى الوجه البحرى والقبلى ضد أعباء الضرائب وزيادة الخراج..وبعدما أصبح الخراج يُـفرض على الأرض بغض النظر عن دين مالكها..وبعدما أصبح العرب يدفعون الخراج على الأراضى الزراعية بدلا من العُشر، أصبح العرب يثورون مع المصريين ضد الحكومة العربية بسبب الخراج..واشترك فعلا العرب مع المصريين فى الثورات بسبب الأعباء الضريبية منذ خلافة المهدى العباسى ومنذ سنة 167هـ/ 783م) وبلغة محايدة أضافتْ ((لم يكن الذين هربوا من أراضيهم الزراعية أو ثاروا من المصريين المسيحيين فقط..وإنما كانوا من المصريين مسلمين ومسيحيين ومن العرب.. كذلك يظهر من النصوص المختلفة أنّ كلمة قبط كانت تعنى المصريين مسلمين كانوا أو مسيحيين) (82، 83) وتعترف أنّ ولاة الخلافة العباسية ((كانوا فى كثير من الأحيان لا يدفعون كل ماتعهدوا بدفعه (لمركزالخلافة) وذلك بحجة الانفاق على الجند الذين كانت الحكومة المركزية تـُرسلهم إلى مصر لقمع الثورات) (مصر فى عصر الإخشيديين- تاريخ المصريين رقم 29عام 89ص103) وذكرتْ أنّ مصر وقعتْ فى ((كــُم عمربن العاص حين زار الاسكندرية فى الجاهلية)) (ص66) وأنّ محمد بن سليمان أمر((بحرق القطائع فأحرقتْ وأطلق سراح المسجونين ونهب جنده مدينة الفسطاط واستباحوا النساء وأتوا من الفظائع والمُنكرات ما تقشعر له الأبدان..وأنّ قائدهم نفسه كان مضرب المثل فى أخذ المصريين بالشدة والقسوة، وحسبنا ماكتبه بن تغرى بردى فى هذا الصدد، قال كان ((حكم محمد بن سليمان فى أهل مصر بضرب أعناقهم وبقطع أيديهم وأرجلهم جورًا..وتمزيق ظهورهم بالسياط وصلبهم على جذوع النخل..ولم يدع من آل طولون أحدًا ثم سيق جماعة إلى محمد بن سليمان ممن كان أمّنهم فذبحوا بين يديه)) (المصدر السابق ص17، 18) الدرس هنا صراع على السلطة بين غزاة وغزاة، وكلهم يرفعون راية وشهادة (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) أى أنهم موحدون مسلمون، ولكن يبقى الأساس الأول للغزو، أى نهب ثروات شعبنا وليس نشر الإسلام..وعندما ثار أحد الضباط من الجيش الطولونى (محمد بن على الخليج) أمر الخيفة (المُكتفى) بالقبض عليه ثم طيف به وبأصحابه على ظهور الجمال فى بغداد ثم قــُـتل شر قتلة..وكان تعقيب د. سيدة ((لا يُمكننا أنْ نــُـفسر نجاح ابن الخليج وتحديه للحكومة المركزية فى بغداد دون أنْ نأخذ بعين الاعتبار تحمس الشعب المصرى ضد تلك الحكومة، التى قضتْ على دولة لها فى مصر طابع قومى، وكانت الأموال المصرية تــُـنفق على يدها فى مصر..ولا تتسرب إلى بيت مال الخليفة وكبار الموظفين فى بغداد، فضلا عن أنّ تخريب القطائع ترك ألمًا وحسرة فى نفوس المصريين)) (ص23) وعن تقسيم البشر إلى سادة وعبيد نقلتْ ماذكره الهمذانى بن الفقيه فى (مختصر كتاب البلدان) من أنّ الفضل بن يحيى أحد الحاشية فى العصر العباسى قال ((الناس أربع طبقات: ملوك ووزراء وعلية القوم. أما الطبقة الرابعة فهم : زَبَد جُفاء وسَيْل غُثاء، لـُكع ولكاع، وربيطة اتضاع (238) إنها نفس الذهنية العربية كما ورد من أمثلة فى السطور السابقة. ونظرًا لحاجة جيوش الغزو إلى الجنود، اضطر بعض الولاة إلى تحرير العبيد (ليس حبًا فى الحرية وإنما من أجل الخدمة العسكرية) لذلك أعتق أحدهم مائة ألف مملوك فى حياته ((وكان كثير من العبيد المُعتقين يحملون السلاح وينخرطون فى سلك الجيش، وكان بعضهم يصل إلى مكانة عالية فيه. وقد يعده ذلك لتقلد بعض الوظائف الرئيسية فى الإدارة، وفضلا عن ذلك كان لبعض الغلمان والجوارى سلطان كبير على سادتهم) ولكن هل تخلص العبيد من وصمة العبودية؟ كتب المتنبى : فلا ترج الخير عند إمرى /مرّتْ يدُ النخاس فى رأسه. وأيضًا : العبد ليس لحر صالح بأخ/ لو أنه فى ثياب الحر مولود (243، 244) هذا هو المتنبى المفروض على أولادنا فى التعليم البائس والثقافة السائدة فى مصرالأشد بؤسًا، خاصة وأنّ المتنبى لا يُجمل نفسه عندما ينضح بعنصريته المقيتة عندما قال (لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه/ إنّ العبيد لأنجاس مناكيد) وإذا كان هدف المتنبى نقد الإخشيد فكان يجب عليه (لو أنه شاعر بحق وحقيق) أنْ ينتقد الحكم الظالم الواقع على الجماهير الشعبية (مصريين وعرب) ولكنه هاجمه بعد أنْ منع عنه المال. فمثلا من جرائم الإخشيد أنه أرسل قائدًا على رأس جماعة من الجند قبضوا على البطريرك وعلى الأسقف تاوفيلس وخـُـتمتْ الكنيسة ومُنع الناس من الصلاة فيها..وحُمّل ما فى خزائنها من الأموال والتحف إلى الإخشيد (242) ود. سيدة كاشف التى اقتطعتْ جملة من كتاب يوحنا النيقوسى لتــُـدلل على تسامح العرب، هى نفسها التى نقلتْ عن ابن عبدالحكم فى كتابه (فتوح مصر وأخبارها) أنّ عمروبن العاص قال (من كتمنى كنزًا عنده فقدرتُ عليه قتلته) وسمع عمروبن العاص أنّ أحد أهالى الصعيد اسمه بطرس عنده كنز فلما سأله أنكر ذلك، وعندما تبيّن لعمرو صحة ما سمع عنه أمر بقتله. فلما سمع بذلك الأقباط أخرجوا كنوزهم خوفـًا من القتل..وكان تعليق د. سيدة ((اهتمّتْ الخلافة عقب فتح مصر مباشرة باستغلالها وبجباية أموالها..وتشهد المكاتبات التى دارتْ بين الخليفة عمربن الخطاب وعمربن العاص عقب الفتح، على أنّ الخليفة كان يُريد جباية نفس القدر الذى كان يجبيه الروم من مصر.. لذا نجد أنّ المصريين سرعان ما عادوا إلى ما كانوا فيه تحت حكم الروم، فوقعوا تحت الأعباء المالية الكثيرة التى تطلبتها الخلافة..وكان هَمْ الوالى جمع ما يُمكن جمعه من المال لنفسه أولا، وللخلافة أو لصاحب الاقطاع ثانيًا..ويظهر أنّ العنصر المالى الذى كان يهتم به العرب هو الجزية..ولذا كانت الجزية سببًا فى إسلام كثير من الأقباط الذين أرادوا التخلص منها، وهذا معناه نقص فى دخل الدولة، وربما حدا هذا بالخلفاء إلى مضاعفة مقدار الجزية على من بقى من الأقباط على دينه، حتى أنّ الخليفة عمربن عبدالعزيز أرسل إلى حيان بن سريح عامله على خراج مصر أنْ يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم..وروى أكثر من مؤرخ أنّ عمروبن العاص جبى من مصر12مليون دينار، وجباها عبد الله بن سعد بن إبى سرح فى خلافة عثمان أكثر..وهذا ما أبهج عثمان بن عفان وعاتب عمرو بن العاص: يا أبا عبدالله درّتْ اللقحة بأكثر من درها الأول. فقال عمرو: أضررتم بولدها..وذكر المقريزى أنّ الذى جباه عمرو ثم عبدالله إنما هو من الجماجم (أى جزية الرؤوس دون ضريبة الخراج) (مصر فى عصر الولاة- من الفتح العربى إلى قيام الدولة الطولونية- تاريخ المصريين رقم 14- عام 88- من ص 127- 129)
إنّ تاريخ الغزو يمتلىء فى كتب كتبها مؤرخون مؤمنون بالعروبة والإسلام، ولكنهم التزموا الأمانة فى نقل وقائع الثورات وقمعها بوحشية..ونهب خيرات مصر الذى فاق ما فعله كل الغزاة السابقين..وأعتقد أنّ العقل الحر، القارىء لهذه الوقائع يؤمن بأنّ الغزو العربى كان هدفه نهب ثروات مصر(مثل أى محتل أجنبى) وليس نشر الإسلام كما يُردّد حملة المباخر، على حد قول أ. خليل عبدالكريم، ورغم تلك الوقائع المُشينة فى تاريخ الغزو العربى، يكتب د. جمال حمدان أنّ غزوات العرب على كل شعب احتلوه (وليس على مصر فقط) أنشأتْ ((امبراطورية تحريرية بكل معنى الكلمة)) فلماذا انحدر هذا الجغرافى الكبير إلى هذا المستوى ؟ سؤال أترك إجابته لتقدير كل قارىء.
***