جوهر الأشياء أدق وصفا

محمد أبوالفضل
2020 / 2 / 3

كان المكان خلابا ساحرا عبارة عن جسر معلق بين بنايتين غاية فى الروعة والجمال، يطل على مدينة أستثنائية بكل المقاييس، جزيرة تحيط بها المياه من جميع الجهات بل وتتخلل حواريها وأزقتها، حتى صارت وسيلة التنقل الوحيدة داخلها هي القوارب بمختلف أشكالها ومسمياتها.

بدا لي المنظر من الوهله الأولى وكأنه جسر لألتقاء العشاق وهيام الأرواح، أو لجلوس الشعراء والمبدعين؛ كي يكتبوا أشعارهم، وأنتاجهم الأبداعى فجمال تصميمه وموقعه يوحي بأنه كان مكانا يبعث على الألهام والفرح والسرور ، وخصوصا بادرنى المرشد السياحي مخبرا بإن هذا الجسر التاريخى مهم، قبل أن يكمل حديثه لأتبين فيما بعد أن ما كنت أظنه جسرا لالتقاء العشاق وألهام الشعراء والمبدعين، كان جسر التنهدات الذي شيد 1600م، وهو الجسر الذي يربط قصر البندقية الشهير وسجن محاكم التفتيش، عابرا نهر ريو دي بلازو.
هذا الجسر كان وسيلة لعبور السجناء من مبنى السجن إلى قاعات المحكمة، وكان المحكومون بالإعدام حين يعبرونه يطلبون من سجانيهم أن يسمحوا لهم إلقاء النظرة الأخيرة على مدينتهم الساحرة الخلابه، فلا يسمع منهم إلا أصوات تنهداتهم والآنين حين يسمحون لهم بذلك، قبل نقلهم إلى قاعة تنفيذ الحكم عليهم في مبنى المحكمة.

وقوفي منبهرا أمام هذا الجسر التاريخى أثار فى فكرتين: أولاهما تساؤل عن السبب فى عدم أستمتاعنا بحياتنا وبما نملك، وإهمالنا المفرط للجمال المحيط بنا أو الذي نعيشه؛ إذ كثيرا ما تعترينا الحسرة العارمة حين خسارة شيئا أو شخصا أو أومنصبا ووضعا أو حين نكاد نخسر حياتنا نهائيا أو حين نسافر بعيدا عن أوطاننا حاملين ذكرياتنا .

أعتدنا ألا نستشعر السعادة والهناء وروعة المحيطين بنا إلا بعد أن نفقدها ونفقدهم. أعتدنا ألا نفكر في الأفصاح والبوح بمشاعرنا إلا بعد أن يغدو ذلك أمرا مستحيلا فنندم ندما شديدا؛ على أننا لم نخلق فرصة حقيقة لذلك، ولم نفكر في روعة ما بين أيدينا آنذاك.
أما الأمر الآخر والأهم، فهو نظرتنا الخاطئة للأشياء التي نحكم عليها بضدد واقعها.
فما كنت أحسبه مكانا رومنسيا كان محطه من محطات الألم والحسرة فى التاريخ البشرى !

كذلك نفعل أحيانا، حين نطلق الأحكام على الأشخاص والأماكن والأشياء، فنسمهم ونصفهم بما ليس فيهم حسب أهوائنا ونراهم بالأعين التي نريد أن نراهم بها ؛ لأننا حكمنا على الظواهر قبل أن نعرف الجوهر . غادرت المكان والأسئلة تراودنى وتعتمر عقلي: ترى كم من التنهدات والحسرات أطلقها أولئك الذين عبروا الجسر في ذلك الوقت المرير؟

كم من الذكريات طافت بهم، بحلوها ومرها؟
كم من الشوق والحنين أخذهم إلى الأماكن التي عاشوا بين ربوعها، والأزقة والحوارى التي لهوا بين جدرانها ومشوا على أرضها؟

من تذكروا في تلك اللحظة؟ أأحباب تذكروا أم أعداء ؟
وما شعورهم وهم يساقون للقاء مصيرهم الأخير ؟
وكيف كان شعور من كان يمر أسفل الجسر وهو يسمع تنهدات وآنين من يمرون به؟

وهل كان السجانين يسمح للسجناء برؤية مدينتهم للمرة الأخيرة شفقة أم لمزيدا من التعذيب؟!
كل تلك الأسئلة التى راودتنى، ما ذكرت منها وما نسيت، وما تعمدت بالفعل عدم ذكره، جعلني أحمد الله حمد الشاكرين على كل نعمة علينا وستره وعفوه ومغفرته ورحمته ولطفه بنا، وأنتبه لقلبي ولمواطن الجمال التي أعيش وتحيط بي أكثر، وأعشق بلدى ومن هم حولي أكثر وأكثر