إصلاح النظام الضريبي في مصر

احمد البهائي
2020 / 2 / 3

أعلن رئيس مصلحة الضرائب المصرية ، أن نسبة التهرب الضريبي في مصر لا تقل عن 40% ، ومن ناحية أخرى ،أظهر تقرير البنك الدولي لعام 2019 ، أن الوقت المستغرق في إعداد الإقرارات الضريبية ودفع الضرائب 370.00 (ساعات) ، حيث تقع مصر في المركز السادس عشر ، من حيث الترتيب العالمي لدول العالم البالغ عددهم 195 دولة في هذا التصنيف .

تلعب الضرائب أدوار مهمة، أبرزها توفير الإيرادات اللازمة لتغطية نفقات المرافق الأساسية للدولة، وتحقيق الاستقرار والعدالة الاجتماعية بين مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية. كما تعد الضرائب من أهم أدوات السياسة المالية التي تستخدمها الحكومة في سبيل تحقيـق الاسـتقرار الاقتصادي، ومعدلات مرتفعة من النمو ومكافحة الضغوط التضخمية، حيث تمتاز الضرائب بمرونتها، نظرا لإمكانية استخدامها فـي مختلـف الظروف الاقتصادية.

نظراً إلى أهمية الدور الذي تلعبه السياسة الضريبية في الحد من تفاقم الضغوط التضخمية، مـن خـلال تخفيض حجم الدخول النقدية الحقيقية المخصصة لأغراض الإنفاق على الاستهلاك، وخصوصا السلع غير الضرورية، سواء برفع معـدلات الضرائب القائمة، أو من خلال توسيع نطاق فرض الضرائب (توسيع القاعدة الضريبية)، بحيث تخـضع دخـول جديدة للاستقطاعات الضريبية، تشير الإحصاءات إلى الانخفاض الكبير فى مساهمة الضرائب في الاقتصاد القومي والضعف الشديد فى الطاقة الضريبة نتيجة انخفاض نسبة الحصيلة الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي. ولذا، على الحكومة، ممثلة بمصلحة الضرائب، تعديل بعض مواد القوانين الضريبية القائمة أو إلغاء بعضها، ومنها الضريبة على المهن الحرة، والمفروضة على جميع المهن غير التجارية، مثل المحاماة والطب، والهندسة بأنواعها، والصحافة وتأليف المصنفات العلمية والأدبية والمحاسبة والمراجعة والخبرة، بما في ذلك مهنة الخبير المثمن والترجمة والقراءة والتلاوات الدينية والرسم والنحت والغناء والعزف والتمثيل والإخراج وعروض الأزياء والتخليص الجمركي، والإعلام وغيرها.

تبين الإحصاءات أن الحصيلة من هذا النوع ضيئلة للغاية، ولا يتناسب بأي حال مع ما تقوم به هذه الفئات من نشاط داخل الاقتصاد القومي، الأمر الذي يشير إلى ارتفاع التهرب من هذه الضريبة، فإذا ما أضفنا إلى ذلك تراجع الحصيلة من أرباح الشركات وضآلة الحصيلة الجمركية مقارنةً بحجم الواردات، لاتضح لنا الخلل الكبير الذي يعانيه الهيكل الضريبي في مصر .

فرض ضرائب مرتفعة على السلع الاستهلاكية الضرورية تؤدي إلى إلحاق الضرر بشريحة كبيـرة فـي المجتمع، تمثل محدودي الدخل وأصحاب المعاشات، من خلال تخفيض مستويات دخولهم الحقيقيـة، وبالتـالي التـأثير فـي مـستويات استهلاكهم، فالضرائب مفروضة فقط في مصر على المواطن الفقير حيث تلجأ الحكومة إلى استعمال الضرائب بنوعيها المباشرة وغير المباشرة، على دخول الأفراد البسطاء التي عادة يفلت منها أصحاب الدخول العالية، وأرباح الشركات.

يتسم النظام الضريبي في مصر بجموده وعدم مرونته وعدم وضوح الأوعية الضريبية به، وهذا يعبّر عنه بما يسمّى "ضآلة الجهد الضريبي". ويمكن معرفة ذلك من خلال انخفاض نسبة حصيلة الضرائب إلى إجمالي الناتج القومي، والتي نجدها تتراوح ما بين %10 إلى 13% بالمقارنة بالدول المتقدمة، والتي تصل فيها إلى نحو 30%مـن إجمـالي الناتج القومي، فأحد أسباب جمود الجهاز المالي سيطرة أصحاب المصلحة الخاصـة، وتحكمهـم فـي توجيـة التشريعات الضريبية، بما لا يتعارض مع مصالحهم، فانخفاض حصيلة الضرائب اللازمة لتمويل عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تجبر الدولة إلى اللجـوء إلى الاقتراض من الجهاز المصرفي، والذي يمول عادة عن طريق الإصدار النقدي، أو الاعتماد علـى القـروض الخارجية، فالاعتماد على تلك المصادر التضخمية يؤدي إلى زيادة كمية النقود المتداولة في الاقتصاد، وبالتالي يؤدي إلى زيادة حدة الضغوط التضخمية.

تنص المادة 38 في الدستور المصري صراحة على أن تكون الضرائب على دخول الأفراد تصاعدية متعددة الشرائح، وفقاً لقدراتهم التكليفية. وتلتزم الدولة بالارتقاء بالنظام الضريبي، وتبنى النظم الحديثة التي تحقق الكفاءة واليسر والأحكام في تحصيل الضرائب. ويحدد القانون طرق تحصيل الضرائب والرسوم وأدواته، وأي متحصلات سيادية أخرى، وما يودع منها في الخزانة العامة للدولة. إذن: لماذا لم تطبق الضريبة التصاعدية حتى الآن؟ طالما أن اقتصاد مصر رأسمالي؟ حيث خرج علينا منتقدو الضرائب التصاعدية، قائلين إنها سوف تضر بالمستثمر ومناخ الاستثمار في مصر بشكل عام. ونتيجة لذلك سوف تقل فرص العمل، ويرتفع مستوى البطالة، متناسين عمدا أنها وسيلة فعالة لإعادة توزيع الدخل، وتستخدم لتمويل برامج الرعاية الاجتماعية، وتحقق العدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي، من خلال توجيه حصيلتها إلى الإنفاق العام عن طريق تقديم الدعم النقدي أو العيني لمحدودي الدخل والإعانات للعاطلين عن العمل والتأمينات الصحية والاجتماعية للمواطنين، وكذلك من خلال الانفاق على الخدمات العامة كالتعليم والصحة والإسكان الاقتصادي وغيرها.

ومن هنا، سيؤدي تطبيقها إلى تحقيق منافع كبرى، في مقدمتها بقاء رجال الأعمال والمستثمرين يعملون بارتياح وأمان، نتيجة شعور عامة المواطنين بأن هناك توزيع عادل، حيث أن الممولين الأكثر دخلا يدفعون ضرائب أعلى، في حين أنّ الأقل دخلا يدفعون ضرائب أقل مما يساعد على الحد من التفاوت في الدخل بين الأغنياء والفقراء.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية