سيمون دوبوفوار - السارترية الكبيرة - في قوة الأشياء : كيف يبدو سارتر بمذكراتها (1)

هاله ابوليل
2020 / 2 / 3

سيمون دوبوفوار " السارترية الكبيرة " في قوة الأشياء : كيف يبدو سارتر بمذكراتها (1)

سيمون دوبوفوار , هي قاصة وكاتبة و روائية فرنسية مشهورة لها عدة مؤلفات ومذكرات والكثير من المقالات التي كانت تكتبها في مجلة "الازمنة الحديثة " , وقد نالت شهرتها الاستثنائية , بسبب معايشتها بالقرب من الفيلسوف الوجودي الشهير سارتر . كانوا يسمونها " نوتردام دو سارتر" , عطفا على قصة الحب الشهيرة التي جسدها فيكتور هيجو في روايته "احدب نوتردام " فهي شريكة سارتر و رفيقة دربه , كانت تتحدث عن طبيعة شراكتها مع سارتر : "أن بعض انظار الرجال لها , كانت تجرحها , فقد كانت تقدم تواطأ ماجنا للمرأة الوجودية ". وذلك بسبب رفضهم لفكرة القيد الذي تقدمه ورقة الزوجية إزاء مطالب الحرية , فقد كانا يرفضان كلاهما فكرة توثيق زواجهم عبر ورقة ,لأن الالتزام لديهم اقوى من تلك الورقة. فقد كان بينهما نوع من التفاهمات القائمة على الأمانة والحرية منذ أكثر من ثلاثين عاما تتحدث سيمون عن الغراميات العارضة والتي هي نوع من تلك التفاهمات بينهما وتتساءل ان هناك ثمة سؤال تجنباه بطيش ": كيف يقتنع الطرف الثالث بتسويتنا فيما كان يريد اكثر من ذلك " ص:174.
وربما لكي تعرف عن سمعة " الوجودية " كفلسفة عدمية في مثل ذلك الزمان عليك أن تقرأ كل ما قيل عن الوجودية
و ما قاله المعاصرون عن سارتر نفسه , فقد نعته "غارودي" بأنه حفار قبور الأدب .
أما " كانابا" فقد قال :" أن الوجودية ليست فلسفة انسانية ,وتم وصفهم بالفاشست واعداء البشر .
لقد كانت الوجودية , توصف بأنها فلسفة عدمية , بؤسية ,ماجنة, بائسة , وقد كان سارتر نفسه هو فيلسوف العدم واليأس ,كما كان يصفه خصومه . وربما هذا الحوار البسيط من شيخ ملتحي سويسري كانت قد ذهبت سيمون وسارتر الى هناك لإلقاء محاضرات عن الوجودية تقول :" إنه فتح النار علينا ,شيخ قصير ذو شارب ابيض فقال انه لم يقرأ شيئا عن الوجودية وهو لا يعرفها إلاّ بالسماع! ولكن يبدو إنها نظرية تسمح بكل شيء ,أليس هذا خطرا؟ ص: 128.
فأين يكمن خطر الوجودية ! ولماذا شنت عليها تلك الحروب ؟ وما دور السياسة في تعميق تلك الفجوة !
تعلق سيمون دوبوفوار على ذلك باختلاف طبيعة الشعوب , فالمحادثات عن الوجودية والعدم في فرنسا مثلا سرعان ما تأخذ طابعا سياسيا ,أما في سويسرا , فهي تأخذ منعطفا لاهوتيا " ص:131. حيث كان تهمهم هناك اسئلة عن طبيعة الملائكة أكثر مما كانت تجرهم الى حروب نقاشية لسياسات بلدهم على عكس فرنسا .
ففي ذلك الزمان , تمت محاربة الوجودية و فلاسفتها , فخصوم سارتر كانوا يطلقون عليه ,شاعر الوحل مما جعله في مرمى اطلاق النار فاصبح عدوا للجموع ومكروها لفترة قبل ان يتحد العالم في "العالم الواحد" ليحوله الى مؤلف عالمي فقد اصبحت آثاره تصدر في 12 اثني عشرة لغة لدرجة انه كان يكره تلك الشهرة التي جلبت له العداء والكراهية . ولكن قبل الشهرة كانت صحف ذلك الزمان مثل صحيفة "كابيه داكسيون " مثلا كانوا يعتقدون بأن الشيوعي ,هو البطل الدائم لعصرهم . ص:68. ردا على مقال وجودي كتبه الوجودي " ميرلو – بونتي "في صحيفة آكسيون عن الوجه العصري للبطل وكان يقصد به - كما يبدو- بمعارضيه هو البطل الوجودي .
وكانت تقول له " ايلسا تريوليه :" انك فيلسوف ,فأنت اذن ضد الشيوعية " .كانوا بالمجمل , يعتقدون ان كان يسد الطريق على كل فلسفة للتاريخ .
والحقيقة ان سارتر لم يعادي الشيوعية , بل كان ميالا لها بدرجة إنه لو فرض عليه أن يصوت لهم بالانتخابات التي لم يكن يحبها .فأنه لن يتردد . فقد كانت لهم نفس اهداف الشيوعيين نفسها . فسارتر تعرض للظلم من الشيوعيين وطبقة البورجوازيين التي افسدت معنى الوجودية بجمهورها - التي كان سارتر ينزع نفسه من طبقتها , فكان طبيعيا أن يعادوه . كان سارتر يحدثهم بلغتهم و يستغلها . ليقول لهم ما لم يكونوا يريدون سماعه, كانوا يأتون و يعودون اليه لأنه كان يطرح الأسئلة التي كانوا يطرحونها هم على انفسهم : وكانوا يفرّون لأن اجوبته كانت تصدمهم . ص:62
اما عن عداء الشيوعية , فقد كان فقد كتب بعد ذلك بسنوات :" إن الشيوعيين على حق , وأنا لست على خطأ , أن الأمل ضروري دائما بالنسبة لأشخاص مسحوقين ,متعبين ,فأن فرص الياس أمامهم متوفرة أكثر مما ينبغي , ولكن يجب كذلك أن نحافظ على أمكانية مشروع لا أوهام فيه " :162. فقد كان يرفض رفضا قاطعا ما يسمى بالأمل مسبقا.
ولم يؤمن سارتر بعد ان اصبح كاتبا عالميا يتم استضافته في دول العالم بأن انتشار كتبه يدل على قيمتها , وكان التكرار يضجره وكان يحتقر الجمود و السلبية كما وصفته شريكته السارترية الكبيرة.
وفي صحف اخرى تم الهجوم على ما يسمى بالأدب الأسود الذي كان يمثله كافكا , لدرجة إنه في مجلة " اكسيون " فتحت تحقيقا بعنوان " هل يجب إحراق كافكا ؟
في المذكرات وصف دقيق للحياة الفرنسية زمن الحرب , وكيف ان فرنسا البائسة كانت فقيرة جدا ,لدرجة انها عندما زارت اسبانيا بالقطار عرفت كم هم بؤساء .تقول :" اذا رأوني اعبر الشارع ,قالوا :" انها امرأة فقيرة ...فهي لا تلبس جوربين ,اجل كنا فقراء ,لا جوارب ولا برتقال ولم تكن عملتنا تسوى شيئا ". هذه بعض من مذكرات سيمون دوبوفوار , اثناء زيارتها بالقطار الى مدريد حتى ان المرافق الوحيد في القطار ذلك العجوز الإسباني وصف لها ما سيقوله الإسبان عنها عند رؤيتها لا ترتدي جوارب . تصف كيف رأت المرأة تبيع الموز والبرتقال و الشكولا.
وتتساءل لماذا لا نراها في بلادنا ص:38. ثم تراجعت بعد أن رأت البؤس هناك ايضا ,فالحرب العالمية لم تجعل شعبا اوروبيا مهما كان , يرفل بالصحة والثراء .
هذه السيرة الذاتية لسيمون تظهر كيف أن الحرب العالمية 1945 اقتصت من كل اوروبا وخاصة فرنسا البائسة , كانت تتحدث بحسرة الحرمان عن الشيكولا ته بالزبدة والحلوى والزبيب والخمر والقهوة الحقيقية ا لتي لم تكن متوفرة في فرنسا. .
وصفت المذكرات كيف كانت ترتاد مع سارتر مقاهي ومطاعم ؛ مثل مقهى الفلور و بون رويال و الغولف جوان ومقهى مونتانا وغيرها و ذكرت الصحف التي كانت موجودة مثل صحف الاومانيتة و البوبيلير و كافالكاد وغيرها وكثير من الحياة الباريسية و كتّاب ذلك العصر , وخاصة من كانوا يعملون معها في مجلة "التان مودرن " . كامو و سارتر وجينيه و بوست و صداقتهم مع كوستلر وعن الحروب بين الأحزاب الشيوعية والاشتراكية و الديغوليّة التي كان يعتبرها كوستلر افضل حل لفرنسا , في حين انه كان قد صرح لجريدة امريكية , انه لوكان فرنسيا لآثر ان ينفي نفسه الى باتاغونيا وهي ( مقاطعة في الارجنتين )على أن يعيش تحت ظل ديكتاتورية ديغولية .!!! ان هذا النزاع السياسي القائم والتشابكات الدائمة , كانت تولد تناقضات مضحكة ,تلتقط دائما للكتّاب والروائيين .
وصفت المذكرات علاقاتهم بكامو صاحب رواية "الغريب" وكيف انه كان مغرورا وكان يعتقد أن شهرته تسمح له بتغيير العالم ثم ما لبث أن إنكفأ على ذاته بعد أن عرف انه لن يغيّر العالم لمجرد إنه كاتب , و هناك بعض القصص التي حدثت في دار" غاليمار " للنشر والمشهورة بذلك الزمان وحتى وقتنا هذا ( حيث كانت تقيم كل ثلاثاء اجتماع القراء , وتضحك سيمون من بولان الذي كان يهاجم بذكاء احد الكتب ويختم هجومه قائلا : بالطبع ,يجب نشره " ص:163 .
وكيف انه كان هناك سخط شديد على الروايات التي كانت تقدم دروس أو عظات في ذلك الزمان بسبب ما خلفته الحروب من ندبات , ليس أقلها الكفر والإلحاد . وكانت معظم المسرحيات والروايات تتحدث عن التعذيب والمقاومة .
وعرفنا من سرد الأحداث , كيف أن سيمون استفادت من علاقتها بسارتر وشهرته أيما استفادة , فقد اتاحت لها الكثير من الفرص والسفريات وبالتالي الكثير من الذكريات والاحداث المثيرة والمعارف الكثيرة والقصص الطريفة ,وعرفنا عن طريق مذكراتها ,الكثير عن عادات الشعوب التي زارتها وعن اسلوب الحياة في زمن الحرب العالمية وعن الشعوب التي زارتها ,فالسويسريون مثلا رجالهم يرتدون قبعات مزدانة بالزهور ,لماذا !!!
ونساءهم سمينات , وآلاتهم " الاوكوريون " وأغانيهم كانت تغنى في جوقات ص :132.
ومعروف أن آلة الاكورديون مرتبطة بالتسول والغجر , وبالطبع , لم يكن هذا هو السبب في عدم اعجابها بالسويسريين .
ونتيجة مذكراتها عرفنا ما خلفته الحرب من حركات شذوذ , فقد تعرفت على شاب روائي اسمه "بوريس فيان" كان ينفخ في البوق , وكان احد مؤسسي "حركة الزازو " , فما هي هذه الحركة الجريئة !
الزازو , حركة اطلقت على الشباب عام1942 الشباب - الذي يتميز بالشذوذ في باريس ص:90 .
المذكرات وصفت كيف ان زيارة سارتر الى امريكا , جعلته يعرف ان الناس في امريكا ,خير من النظام و كيف كان معجبا بروزفلت .!!
وعرفنا كيف كانت ملابس الأمريكان التي عبارة عن بناطيل ضيّقة من القماش وقمصان ذات مربعات , ولم نعرف بالمناسبة ماذا كان يلبس الفرنسيين في ذلك الزمان , ففيما بعد اصبحت فرنسا تشتهر بالفن والأدب والكتب و بالخياطة الرفيعة متمثلة بدور الأزياء والأناقة .
عرفنا كيف انتشرت موسيقى الجاز في ذلك الزمان , وكان في الأغلب تقام حفلاته في القاع أو تحت الأرض , وكيف أن موسيقى الجاز, كانت هي حلقة الربط بين الامريكيين والباريسيون .
وتتحدث المذكرات عن الكتّاب الامريكيين الذين تجنّدوا لحساب الدولة الامريكية وقاموا بالدعاية لها لدرجة ان "شتاينبك " صاحب مقال " "اقذفوا القنابل " وقد عمل شتاينبك كمراسل حرب لصحيفة نيويورك هيرالد تريبيون خلال الحرب العالمية الثانية
مع دوس باسوس وفوكنر وغيرهم . وكلاهما فوكنر وشتاينبك حصلا على نوبل للآداب , فيما بعد .ربما بسبب ذلك التجنيد .
و عرفنا فيما عرفنا ,أن الغادو ؛ هي الأغاني الشعبية البرتغالية والتي ظهرت في القرن 19 ,وهي تمتاز بالنحيب المؤلم.
وفي زيارتها لإسبانيا كانت تتساءل :" ما الذي كان ينتظره الامريكيون ليطردوا فرانكو !
أما مذكراتها في تونس والجزائر, فقد كانت سيئة وكلها تتحدث عن اغتصاب العرب للزائرات الاوروبيات العاريات اللواتي يتشمسن في الصحراء ,ولكنها كانت موضوعية وهي تبرر ذلك الفعل القبيح بأن الرجال هناك لا يرون ذلك في بلادهم التي تتغطى بها النسوة بالحجاب ,فهل هذا مبرر ! وكيف أن هذه الكتابات جلبت لنا صفة الهمجية .
وكثير من الأفلام والمسرحيات التي عرضت في ذلك الزمان ؛ مثل فيلم" تمت اللعبة " وفيلم "رومة مدينة مفتوحة" و " الذباب "ومسرحية " كاليغولا "لكامو و" السيد" لكورناي و "امير همبورغ" لكلايس ,وكان يقوم بتمثيلهم على المسرح ممثل فرنسي شهير في ذلك الزمان اسمه جيرار فيليب.
وكانت مسارح لندن تقدم مسرحيات مثل "البغي الفاضلة " " وموتى بلا قبو ر" . وفي يناير 1947 قدمت على مسرح "الرنيسانس " تمثيلية "اربع نساء لمولوجي .
وتتحدث سيمون عن رفضها مشاركة نساء الصالونات لطقوسهن حتى لو كن اكثر تحررا لذا فهي لم تملك قط ثوب سهرة ,وذلك بعد وصف طويل ودقيق عن الطبقية و الغرور والتعالي وعن نساء الصالونات , تقول :" لقد كنت انفر ,لا من ارتداء ثوب جنسي ( فكثيرا ماكنت ارتدي تلك الأثواب التي توصف بأنها نسائية جدا ) وإنما من ارتداء ثوب طبقتهن .
تقول أن "جينيه" كان يأخذ عليّها بساطة ملابسها , "وقد قالت لي سيمون بيريو ذات يوم : انك لا ترتدين ملابس أنيقة . و تتابع ردا على ذلك
:" في البرتغال لذ لي أن اشتري مجموعة من الملابس , وكنت أجد الأشياء الجميلة جميلة , ولكن عبادة الأناقة , تتطلب نظاما من القيم لم يكن نظامي . ثم أن المال كان يمكن استعماله في اشياء كثيرة ,وهو أهم من أن يبذّر في الثياب الأنيقة :168.
ومن اغانيهم في ذلك الزمان ما كتبه سارتر :" إن لي عاداتي في جهنم " ....
ومن مطالع قصائدهم ايضا (مجهول اسم كاتبها)
لو كنت املك فرنكين فقط .............
هكذا كانت مقدمات الاشعار والتي راق لي إكمالها

وهي من بنات افكاري وصبيان احفادي
وأقول فيها قولي هذا
"لو كنت املك فرنكين
لأشتريت لك
يا حبيبتي
كرواسانة لذيذة
وكوبا من القهوة المثلجة أو الدافئة
كما تحبين
ووردة بيضاء ايضا
فيما لو لم يطلب البائع
اكثر من فرنكين
يتبع
مذكرات سيمون دوبوفوار (2)

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير