لا يملك مجلس النواب سلطة الرقابة على حكومة تصريف الأعمال

سالم روضان الموسوي
2020 / 2 / 2

إن حكومة تصريف الأعمال هي الحكومة التي تعتبر مستقيلة في حال حل مجلس النواب حيث اعتبر الدستور العراقي النافذ بان مجلس الوزراء مستقيلاً في حال حل مجلس النواب وعلى وفق ما جاء في المادة (64/ثانياً) التي جاء فيها الآتي (يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، إلى انتخاباتٍ عامة في البلاد خلال مدةٍ أقصاها ستون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مُستقيلاً، ويواصل تصريف الأمور اليومية) وكذلك عند سحب الثقة على وفق ما جاء في المادة (61/ثامناً/د) من الدستور التي جاء فيها الآتي (في حالة التصويت بسحب الثقة من مجلس الوزراء بأكمله، يستمر رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مناصبهم لتصريف الأمور اليومية، لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً، إلى حين تأليف مجلس الوزراء الجديد وفقاً لأحكام المادة (䀌) من هذا الدستور( وخلال هذه الفترة تتولى الحكومة المقالة او المستقيلة تصريف الأمور اليومية ، ومفهوم تصريف الأمور اليومية هو ذاته مفهوم تصريف الأعمال وهو من تطبيقات مبدأ دستوري هام جداً يقضي بضرورة استمرار الإدارة والمرافق العامة في الدولة والذي يعد مبدأ مؤسس وأساسي لنظرية تصريف الإعمال حيث لا يكون فراغ في السلطة ويقول "ادمون رباط" وهو كاتب سوري في القانون الدستوري (انه من الضرورات المستحكمة في حياة الدولة وتطبيقا لمبدأ استمرار الإدارة أن تبقى الحكومة المستقيلة عاملة وذلك بتكليف من رئيس الجمهورية ,وبموجب كتاب يوجهه إليها اثر قبوله استقالتها بتصريف الأعمال العادية) ويعرف فقه القانون العام "حكومة تصريف الأعمال" بأنها تلك الحكومة المتحولة من حكومة طبيعية بكامل الصلاحيات إلى حكومة محدودة بصلاحياتها وفي القضاء الاداري الفرنسي قد أشار إلى هذا المفهوم بان تصريف الأعمال يعني حصر صلاحيات الحكومة المستقيلة في الحد الادنى المطلوب لتسيير المرافق العامة والقيام بالأعمال الجارية ويقصد بها وكما عرفها الفقيه الفرنسي "دلفوفيه" بأنها الأعمال الروتينية واليومية التي تحضّرها الدوائر الإدارية في الوزارات ولا يمارس عليها الوزراء سوى إشراف محدود لذلك لا تعتبر من تصريف الأعمال تلك الأمور التي ترتب أعباء على الدولة أو التدخل في إجراء تعديلات جوهرية على المصالح العامة في أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية فهذه لا تدخل في نطاق تصريف الأعمال باستثناء اتخاذ التدابير الضرورية لدرء الخطر عن البلاد ، وهذه الفترة الانتقالية بين الحكم التنفيذي للسلطة الإجرائية وحدود تأمين استمرارية العمل الحكومي في حدوده الإدارية، فانه ممارسة دستورية طبيعية ناجمة بديهياً عن واقع سياسي جديد يتمثل إما باستقالة الحكومة أو باعتبارها بحكم المستقيلة بتوفر إحدى شروط الاستقالة والمنصوص عنها في الدستور، وحيث إن الحكومة مسؤولة أمام البرلمان لان مجلس النواب من مهامه الرقابة على أداء السلطة التنفيذية وعلى وفق ما جاء في المادة (61/ثانياً) من الدستور عبر الآليات الدستورية (الاستجواب والسؤال البرلماني وسحب الثقة) لكن هذه الرقابة وهذا الدور يكاد يكون معدوم عندما تعتبر الحكومة مستقيلة سواء بإرادتها او عن طريق سحب الثقة عنها او نتيجة لحل البرلمان، لان من أهم نتائج الرقابة البرلمانية على أداء الحكومة هو لتقويمها وان أبت ذلك يكون جزائها المساءلة ومن ثم سحب الثقة عنها واعتبارها مستقيلة وهذا أعظم ما يستطيع مجلس النواب فعله تجاه الحكومة، لذلك فان الحكومة المستقيلة لا يمكن إقالتها مرة أخرى، فيكون مجلس النواب في موقف الضعيف تجاه الأعمال التي تتخذها حتى وان تعدت مفهوم تصريف الأعمال اليومية، ومع ذلك لا يمكن ان تبقى الحكومة تعمل دون رادع أو رقيب، وإنما تنتقل الرقابة من البرلمان إلى القضاء سواء عن طريق القضاء الإداري المتعلق بالطعون في قراراتها التي تتخذها بصفتها الإدارية أو القضاء الدستوري امام المحكمة الاتحادية العليا المتعلق بالطعون بأعمالها وقراراتها التي تتخذها بحكم صلاحياتها الدستورية المتعلقة بالتشريع الفرعي أو غيره ، وخلال فترة الإقالة أو الاستقالة نكون أمام مرحلة انتقالية تبقى لحين تشكيل حكومة جديدة لذلك فان الحكومة المستقيلة أياً كان سبب اعتبارها مستقيلة فإنها تسمى حكومة تصريف الأعمال وان كان ذلك من جراء أزمة دستورية طارئة أو عابرة ,إلا انه يكون أحيانا نتيجة لتجدد طبيعي في نظام الحكم والإدارة مثال على ذلك الفترة التي تلي الانتخابات النيابية ولحين تشكيل الحكومة الجديدة، وخلاصة القول ان مجلس النواب عند قبول استقالة رئيس الوزراء وجعل الحكومة حكومة تصريف الأعمال فانه قد خسر دوره الرقابي على أعمال الحكومة التي تمثل السلطة التنفيذية بحكم مسؤوليتها الدستورية أمام البرلمان وهذا من الأمور التي توجب على رئيس الجمهورية ومجلس النواب بالإسراع في تكليف رئيس جديد للوزراء بتشكيل الحكومة ومنحها الثقة حتى يتسنى لمجلس النواب الذي يفترض فيه ممثل الشعب بممارسة دوره الرقابي والعمل على التكافؤ بين السلطات وعدم رجحان كفة سلطة على أخرى، فضلا عن تصريحات بعض النواب بانهم سيحاسبون الوزراء الذين قاموا بتعيين مدراء عامين أو وكلاء وزراء دون الرجوع الى البرلمان وان فعلهم غير دستوري فان قولهم هذا لا يؤثر ولا يمكن لهم التأثير على الوزراء لان ليس لهم اي سلطة رقابية كونهم مقالين او بحكم المستقيلين وعلى وفق ما تقدم ذكره.
القاضي