تناقضات عالم أضحى غابة: حكاية الدب الذى صار أرنباً

محمد السعدنى
2020 / 2 / 2

ولأنه عالم بات فارغاً من كل معنى وقيمة، فقد استهلكت معظم الروايات القديمة، واجهضت الحكايات الجديدة، ولانزال فى انتظار ما لايجيء، يحدونا أمل فى حكايا تشف عن إحساس بالمسئولية والحكمة والعدالة، تزودنا بالقدرة على الاحتمال والفهم وتسكت أصوات البلاهة والعشوائية والغفلة.
وحكايتنا اليوم مشوقة بقدر ماهى ملهمة وقاسية، أحياها جمهور التواصل الاجتماعى على منصاته، وقد استخرجها من مكامنها ناقدة زاعقة فى وجه الحمق والفوضى والارتجال. تقول الحكاية: "ذات يوم غائم لم تطلع له شمس، أُعلن فى إحدى الغابات عن وظيفة "أرنب" شاغرة، تقدم لها دب عاطل فتم قبوله على الفور وصدر له قرار التعيين. بعد فترة لاحظ الدب أن في الغابة أرنب حقيقى لكنه معيّن بوظيفية دب، يحصل بمقتضاها على راتب ومخصصات الدب وهى كبيرة ومميزة، بينما هو فكل ما يحصل عليه مخصصات أرنب صغيرة لا تفى بحاجته ولا تناسب واقعه وماهيته وحقيقته. لذا تقدم بشكوى إلى مديره المباشر، وحُوِّلت الشكوى إلى الإدارة العامة التى شكلت لجنة من "النمور" قامت باستدعاء الدب والأرنب للنظر في القضية. طلبت اللجنة من الأرنب أن يقدم أوراقه ووثائقه الثبوتية. كل الوثائق تؤكد أن الأرنب دب. ثمّ طلبت اللجنة من الدب أن يقدم أوراقه ووثائقه الثبوتية فكانت كل الوثائق تؤكد أنّ الدب أرنب. وهنا جاء قرار اللجنة برفض الدعوى وعدم إحداث أي تغيير لأن الأرنب دب، والدب أرنب كما هو ثابت فى ظاهر الأوراق. ورغم غرابة القرار وقصور التحقيق وفساد الاستدلال وهزلية الوقائع والملابسات، لم يستأنف الدب قرار اللجنة ولم يعترض عليه. وعندما سؤل عن سبب استسلامه وموافقته على قرار اللجنة، أجاب: وكيف أعترض على قرار لجنة "النمور" التي تشكلت من مجموعة من "الحمير"، وكل أوراقهم تقول أنهم "نمور".
ويالها من قصة ساخرة تمثل مأساة عالمنا المعاصر، تُشرح الواقع بمشرط مدبب، وتغوص فى لحم الواقع تنكأ جراحه وتصب عليها الملح الأجاج. ورغم أن كثيرين ممن أحتفوا بها نسبوها إلى الأديب التشيكى الشهير "فرانس كافكا، 1833 - 1924" لإقترابها الشديد من كتاباته السريالية التى تفيض بالسوداوية والعبثية فى نقد الاغتراب الاجتماعى والقلق الانسانى والسخرية من واقع البشر فى عالم يفتقد العدالة واليقين، فقد نسبها آخرون للكاتب "فاتسلاف هافيل، 1936-2011" وهو كاتب مسرحى وأحد أبطال الثورة المخملية التى أسقطت الشيوعية فى تشيكوسلوفاكيا، وقد رأس دولة التشيك، وأدار منظمة حقوق الإنسان فى نيويورك بعدها.
وسواء كانت لهذا أو لذاك أو ربما كانت قصة من الفلكلور التشيكى بعنوان "قصة الدب" فإنها قامت بالاحتجاج على كل الأوضاع المأساوية والتصرفات العبثية للسلطة والمجتمع حين تختل القيم ويسود اللامعقول وتنضح الممارسات العامة بالتخبط والخبل والجنون. وهى تشير من طرف غير خاف بأن احتكام العدالة لغير المؤهلين لا تأتى إلا بانهيار وفساد، فلجنة النمور شغل مقاعدها الحمير، والدب شغل موقع الأرنب، إذ لم يكن متاحاً أمامه حل آخر للحصول على وظيفة، بينما الأرنب يعتلى مقعد الدب بأوراق ثبوتية مزورة، كما أوراق الدب نفسه واللجنة العدلية المشكلة للتحقيق. وفى هذا تشريح عنيف لمجتمع استسلم للغواية واحتكم للباطل واستمرأ التعامل مع واقع مختل. وهى قصة تعدت جغرافيا المكان التشيكى، وراحت تلخص مقولة شهيرة عما عداها من مجتمعات الفساد والفوضى، تقول: "كلنا مذنبون، كلنا ضحايا". وهكذا سنظل دوماً فى انتظار حكايا جديدة، فوحدها الدليل على تجدد الفكر الإنسانى، وقدرته على مواجهة التناقضات التى تصنعها كل حيوانات الغابة التى نعيشها اليوم بصبر شارف على النفاد.