مهادنة اللغة ومخاطبة المتلقي الضمني في «إغفاءة الحطَّاب الأعمى» لمؤمن سمير بقلم / حمزة قناوي*

مؤمن سمير
2020 / 2 / 2

من أمثلة الاستخدامات التي طَعَّمَ بها الشاعر الفصحى بالعامية: «كانت الطريق تبص للداخل»، «وخلف صندوقه العامر/ وبصاته»، «شِلْتَني – أذكر – على كتفيك كثيرا»، «أخش في الجدران لأتدارى من عينيك الواسعة لما تنقبض.»، والأمثلة كثيرة داخل الديوان، وقد تثير الجدل حول مفهوم الاسعمال السياقي لمفردات العامية في النص، لكن بما أن قصيدة النثر تعتمد بالأساس على كسر المفاهيم الموروثة في الشعرية العربية، فالملاحظة الأولية أننا سننظر لهذا التطعيم بالعامية باعتباره توجيهاً لتحديد نوعية المتلقي الذين يخاطبه الشاعر؛ فنبحث هنا عن «القارئ الضمني» أو «المتلقي المحتمل» بتعبير فولفانغ أيسر، فبما أنّ كلَ نصٍ يُحدد لذاته متلقيه الخاص، فإن تطعيمَ القَصيدةِ الفصيحة بالعامية، يعني أن شاعرنا يتوجَّهُ إلى قاعدةٍ عريضةٍ من جمهور المتلقين عن الشعر، من خلال اللغة الواضحة الكاشفة المطعَّمَة بالعامية، رغم أننا سنجد تدقيقاً ثقافياً في تقديم بعض الموضوعات المتعلقة أحياناً بتحليله لمفاهيم عليا كالعقيدة والواقع، لكنَّ استحِضارَ العامية هو في جانبه نوعٌ من توجيه القارئ وضبط مسيرته في النص بتعبير روبرت هولب.
يقول الشاعر في إحدى قصائده:
«صباح الخير يا أقدم ...
في هذه اللحظة بالذات.. أنا لست الثائر القديم إياه.. مجرد شبح يجرجر ظله قرب الجداول ويرتعش بالكاد حزين فعلا.. وخطوتي أجيبها من الزوابع، من بطن كلام الرمل.. تشيل الصقور وتذبحها قرب القيامة.. أقصد.. تتوق لأن تشم لمعة القبض واللزوجة.. فلا تقتنص إلا نفسها ... تكفيها نفسها..»
«إغفاءة الحطاب الأعمى» نصٌ تمت صياغتُهُ بدِقة ليُحقق متعةً قرائية، ودهشةً للمتلقي في الآن نفسه، لكنه يثيرُ العديدَ من الإشكاليات في مفهوم تحقق الشعرية، أبرزُها تطعيم الفصحى بالعامية، وتضفير الشعريّ بالسردّي.

*شاعر وأكاديمي مصري مقيم في الخارج.