بريطانيا (مع وحدة العرب) ضد الوحدة الأوروبية

طلعت رضوان
2020 / 2 / 1

بريطانيا مع (وحدة العرب) ضد الوحدة الأوروبية
من مفارقات السياسة أنّ بريطانيا التى كانت وراء إنشاء جامعة الدول العربية، بزعم (توحيد العرب) عام1941، إذا بشعبها (فى الألفية الثالثة) ينحازللخروج من الاتحاد الأوروبى،
وأعتقد أنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، يــُـرسل عدة رسائل منها:
الرسالة الأولى: أنّ هذا الخروج كان نتيجة تفاعل داخل الشعب البريطانى، بين مؤيدين للبقاء داخل الاتحاد..وبين مُـتمسكين بالتفرد..وعدم الذوبان فى قوميات أجنبية. أى أنّ الشعب البريطانى ليس (كتلة واحدة) لأنه تربى على ثقافة التعددية.
الرسالة الثانية: وضع منظومة التكتلات، أو اندماج أكثرمن دولة فى كيان واحد، موضع الاختبار..وأنّ هذا الاختبارسيفتح الباب لطرح الأسئلة المسكوت عنها، فى الثقافة المصرية (والعربية) السائدة: هل الاندماج والتكتل الاقليمى، أنتج تطورًا إيجابيـًـا، فيما يتعلـــق بمصلحة (شعوب المنطقة) أوفيما يتعلــّـق بحل النزاعات بين الأنظمة..وهى النزاعات التى تتصاعد إلى ذرى دراماتيكية، حتى تصل إلى مرحلة الصراع المُـسلح..وهوالصراع الذى يؤدى إلى (بحورالدماء) بين الشعوب التى تــُـطلق عليها الثقافة السائدة التعبيرالمجانى والمُـستهلك (شعوب شقيقة) وإذا كان سؤال تناول السلبيات له أهميته، فإنه سيساعد على طرح سؤال (حصيلة الإيجابيات) التى عادتْ على شعوب المنطقة، أوعلى مصداقية التعاون بين الأنظمة، المُـشاركة فى تكتل الاتحاد العربى، وبالتالى- كما أتمنى وكما أتوقع- سيتم وضع نتائج السلبيات والإيجابيات، فى (ميزان) بحثى محايد للنظرإلى الكفة المُـرجــّــحة: هل مع السلبيات؟ أم مع الإيجابيات؟ وهذه النتيجة ستفرض- وفق قانون الحتمية- ضرورة دراسة الموقف فى ضوء تلك النتيجة: هل من الأفضل الاستمرارفى الوحدة الاندماجية (بالرغم من السلبيات)؟ أم أنّ الاستقلال الوطنى والقومى هوالذى يــُـحقق التقدم..ومع ملاحظة أنّ هذا الاستقلال، لايعنى القطيعة، وإنما سيكون فى ((ظل التعاون الاقتصادى والثقافى والدبلوماسى)) كما قال عميد الثقافة المصرية (طه حسين) سنة1938 فى رده على مشروع المفكرالسورى ساطع الحصرى، لتحقيق الوحدة العربية، والاندماج داخل (تكتل اقليمى واحد) وهونفس المشروع الذى تبناه وزيرخارجية بريطانيا أنتونى إيدن، أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما ألقى خطابه الشهيريوم 29مايو1941وحثّ فيه الدول العربية على التكتل، لمقاومة التحديات التى يواجهونها فى العصرالحديث..وبالتالى أقنع الأنطمة العربية بفكرة إنشاء (جامعة الدول العربية) التى كتب عنها الأستاذ محمد حسنين هيكل ((الجامعة العربية ليستْ جامعة..وقراراتها ليستْ قرارات)) (هيكل فى كتابه- المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل- ص256)
ولعلّ ما قاله الحاج أمين الحسينى (مفتى فلسطين) أنْ يكون درسًا لمن لديه عقل نقدى إذْ قال ((إنّ سياسة مصركانت مؤيدة وموافقة كل الموافقة لرغبة المسئولين الفلسطينيين فى ألاّتدخل الجيوش العربية إلى فلسطين. بل يقوم الفلسطينيون أنفسهم بالدفاع عن بلادهم وأنْ تــُـقدّم لهم المساعدة بالسلاح والذخائروالأموال وكل الوسائل الممكنة)) (هيكل- العروش والجيوش- دارالشروق عام98ص441)
وكشف الأستاذ نبيل فرج عن وثيقة مهمة (ربما) لايعلم بأمرها كثيرون..وهى عبارة عن رسالة كتبها طه حسين إلى الكاتب اللبنانى (خليل ثابت) سنة1930ذكرفيها أنّ جماعة من الشباب السوريين والعراقيين سألوه عن موقفه من الوحدة العربية، فأجاب أنه شعربالسعادة لأنه من أنصار((الوحدة العربية الثقافية والاقتصادية)) ولكنه تحفــّـظ على الوحدة السياسية إلاّعن ((طريق التحالف كما يجرى بين الأمم المستقلة المتحضرة)) ثم سأله الشباب عن الفرعونية فقال إنّ تاريخ مصرالخالدة لايتجزأ..وأنّ ((عصرالفراعنة لايمكن إلغاؤه..وليس بين المصريين من يوافقون على هذا الإلغاء..إلخ)) (ملحق الأهرام- 23نوفمبر2018)
وذكرالمؤرخ الفلسطينى عبد القادرياسين أنّ مثقفين عرب موالين لأمريكا أنشأوا (المكتب العربى) على رأسهم (موسى العلمى) الذى كان محورنشاطه الدعوة للتعاون مع الإنجليزوالأمريكان وأوصى مكاتبه- كتابة- بعدم نشرالأنباء التى تـُسىء للإنجليزوالأمريكان وتجنب كل ما يؤدى إلى تشجيع أعمال الجهاد. المفاجأة التى لاتـُـدهش العقل الحر، أنّ موقف هذا الشخص تعزّزبعد أنْ اختارته الجامعة العربية مندوبًا لفلسطين فى الجامعة (كفاح الشعب الفلسطينى ص 204، 205) فلماذا اختارت الجامعة العربية هذا العميل الأمريكى والمعادى لكفاح الشعب الفلسطينى ليكون مندوب فلسطين بها؟
وذكرطارق البشرى أنّ بريطانيا استهدفتْ بناء كيان تــُـسيطرعليه وحدها، يقوم على أساس دعم الحكومات الاستبدادية فى المنطقة..وجمـْـعها من خلال الجامعة العربية (الحركة السياسية فى مصر45/52 دارالشروق ط2عام 83ص283) وذكرالمؤرّخ عبدالرحمن الرافعى ((كان إنشاء جامعة الدول العربية بإيعازمن بريطانيا)) (مصربين ثورة1919، و1952- مطابع الشروق- عام1977- ص53)
الرسالة الثالثة: أنّ البريطانيين الذين صوّتوا لصلح الخروج من الاتحاد الأوروبى، كانوا يعلمون أنهم سيخسرون بعض المزايا، مثل (دخول دول الاتحاد بدون تأشيرة دخول) وغيرها من المزايا..وهذا يدل على وجود درجة من الوعى، جعلتهم ينحازون لقرار الخروج من الاتحاد الأوروبى..وربما لديهم من الأسباب غيرالمعروفة لدى معظم الباحثين.
الرسالة الرابعة: أنّ الاتحاد الأوروبى..والتعاون الذى تـمّ بين الدول المُـنتمية إليه، فى شتى المجالات الثقافية والاقتصادية إلخ، لم يشهد (ظاهرة الشعارات) الجوفاء مثل (شعار الدول الشقيقة) أو(شعارالتاريخ الأوروبى المشترك) إلى آخرتلك الشعارات السائدة لدى الأنظمة العربية..والثقافة العربية، بل ومعظم الشعوب العربية، التى صـدّقتْ أكذوبة العروبة، التى أنجبتْ (الوحدة العربية) وتوأمتها (القومية العربية) كما أنّ الأروبيين لم يظهرمن بينهم شاعر فرنسى ، أو شاعر ألمانى أو شاعر إيطالى.. إلخ تصل به اللوثة العاطفية الساذجة ، أو البلاهة التى تدفعه لأنْ يكتب: الأرض بتتكلم أوروبى.. كما فعل شاعر ماركسى عروبى شهير جدًا وكتب : الأرض بتتكلم عربى.. وأخذته الحماسة العروبية، لدرجة أنه لم يتوقف أمام أبسط الحقائق العلمية..وهى أنّ الأرض (من الجماد) وأنّ الجماد لايتكلم.
كما أنْ الأوروبيين كان من حــُـسن حظهم أنهم لم يبتلوا بشخص مثل وزير الخارجية البريطانى (إيدن) ليــُـقنعهم بإنشاء (جامعة الدول الأوروبية) كما حدث مع ملوك ورؤساء الدول العربية، الذين وافقوا على إنشاء الكيان الكرتونى المسمى (جامعة الدول العربية)
ومن آفات العروبيين (من المصريين ومن العرب) تمسكهم بالأوهام، فى رفض تام لمعطيات الواقع وتجاربه الأليمة، فلم يتعلــّـموا من درس الوحدة المصرية/ السورية الفاشلة، ودكتاتورية النظام الناصرى الذى أصرّعلى تطبيق التجربة المصرية على الشعب السورى، سواء فى (التأميم) مما أغضب البورجوازية السورية، أومنظومة الحزب الواحد، مما أغضب الليبراليين السوريين. والأخطاء كثيرة ذكرها كل من أرّخوا لهذه (الوحدة) بما فيهم ضباط يوليو52فى مذكراتهم، خاصة مذكرات عبداللطيف البغدادى..وخلاصة تلك التجربة أنّ النظام الناصرى وضع بذورالفشل منذ البداية، وبالتالى كان موقف السوريين الذين قادوا عملية (الانفصال) عن مصر مُـتسقــًـا مع (المقـدّمات)
وبالرغم من الأمثلة العديدة التى تؤكد أنّ (الوحدة العربية) وهمٌ صـدّقه العروبيون، مثل وجود أكثرمن17نزاع حدودى بين الدول العربية، ورغم تقسيم الوطن الواحد إلى أكثرمن دويلة (العراق نموذجـًـا) ورغم الحرب العربية/ العربية فى اليمن، وهى الحرب التى حوّلتْ (اليمن السعيد) إلى خرائب وأرجعتْ شعبه إلى العصورالوسطى..إلخ رغم كل ذلك اجتمع العروبيون فى مبنى صحيفة الأهرام، للرد على (الحملة على الهـُـويتيْن العربية والإسلامية، وأنّ تلك الحملة تتضمن العداء للإسلام والعروبة) وهذه الندوة حضرها الأميرالحسن بن طلال ولى العهد السابق للأردن ورئيس منتدى الفكرالعربى، وشاركه فيها الكبارمن صحفىْ الأهرام. واهتمّـتْ الصحيفة بهذه الندوة فنشرتها على صفحتتْن كاملتيْن (21/10/2016) وكأنّ الكلام الذى قيل هوالذى سيمنع تدميرالجزء المُـتبقى من اليمن، أوسيـُـعيد العراق إلى ماقبل الغزوالعراقى لاحتلال الكويت، أوإلى ماقبل احتلال أمريكا للعراق. أوستــُـعيد سوريا إلى ماقبل يناير2011، أوستُـعيد ليبيا إلى ماقبل سقوط القذافى..إلخ.
الكارثة أنّ وهم العروبة لايزال مسيطرًا على أدمغة الكثيرمن المتعلمين المحسوبين على الثقافة السائدة، بما فيهم (الماركسيين) ولوأنهم قرأوا ماكتبه الماركسيون قبل يوليو52لعرفوا أنه قبل هذا التاريخ لم ينخدع أحد بالوهم العروبى، فعندما اعتدتْ الدول الاستعمارية على سوريا ولبنان، كتب صادق سعد مقالا قال فيه ((استقبلتْ الشعوب العربية بيان مجلس جامعة الدول العربية، وتلك الموائد وحفلات الشاى، كل هذا لم يـُـسفرإلاّعن نتيجة أحيطتْ بسياج غامض من السرية، تضمّـنتْ الاعتراف بالاعتداء الفرنسى، كما أنّ الجامعة العربية لم تــُـفكــّـرعلى الاطلاق فى مطلب الديمقراطية..وفى غياب كل هذا أسأل: أليس هذا مايريده الاستعمار؟)) (مجلة الفجرالجديد- أول يوليو1945)
وفى مقال آخرجاء فيه ((إنّ الجامعة العربية تغاضتْ عن مطالب الشعوب العربية، وأغفلتْ تغلغل الرأسمال الأجنبى، ولم تبال بأنّ الاستعمارخنق الطبقات الشعبية. فلماذا هذه الجامعة وهى جامعة (دول) وليست جامعة (شعوب)؟ إنها تمثل الحكام فقط)) (الفجرالجديد- 16سبتمبر45) وكتب أحمد رشدى صالح (رئيس التحرير) مقالا كله هجوم على الجامعة العربية بعنوان (الجامعة العربية لاتخدم مصالح الشعوب العربية) (أول أكتوبر45)
وبشأن رد الجامعة العربية على بيان (بيفن) وزيرالخارجية البريطانى، الذى وقــّـع مع إسماعيل صدقى (رئيس وزارء مصر) معاهدة سنة1936 كتب رشدى صالح إنّ رد الجامعة كان ضعيفــًـا. وكيف يكون استنجاد بريطانيا الاستعمارية بأمريكا الاستعمارية لحل المشكلة الفلسطينية؟ فهل- يا أعضاء مجلس الجامعة العربية- ننتظرالعدل والانصاف من بريطانيا الاستعمارية؟)) (عدد16ديسمبر45) كما أنّ مجلة التلغراف اللبنانية انتقدتْ عزام باشا (أمين عام الجامعة) أشد النقد وقالت إنه يتحدث باسم (كل) الدول العربية. لقد طالبنا الجامعة أنْ تحترم سيادتنا. وهذا يدعونا أنْ نــُـطالب حكومتنا أنْ تــُـبيـّـن لنا إلى أى مدى تــُـعبـّـرتصريحات عزام عن مقاصدنا)) (عدد23يناير46)
ونقلتْ الفجرالجديد مقالاعن مجلة الاتحاد الفلسطينى وفيه ((كنا على حق حين حذرنا شعبنا من الجامعة العربية. خاصة أنّ الدول العربية مازالتْ تــُـهادن الاستعمار. إنّ موقف الجامعة العربية مُهادن ومُـتعاون مع الاستعمارالبريطانى. وأنها لم تــُـطالب بالغاء الانتداب البريطانى عن فلسطين..وهاهى اليوم تــُـصرّح بلسان الأمين العام بتصريح لايـُـعزّزالنفوذ البريطانى فحسب، بل يـُـعادى القوى التى وقفتْ معنا فى نضالنا، حيث قال عزام ((إننى عندما صرّحتُ أنّ الجامعة العربية ستطلب جلاء القوات الأجنبية عن البلاد العربية، لم أقصد أننا سنقف من فرنسا موقفــًـا عدائيـًـا. إنّ أبناء الأقطارالعربية سيُحاربون الاستعمارالفرنسى، بنفس العزم الذى يُحاربون به الاستعمارالسوفيتى)) وكان تعقيب كاتب المقال ((نـُـريد من الجامعة العربية أنْ ترد على أسئلتنا: لماذا تسكت الجامعة (العربية) عن المطالبة بجلاء القوات الفرنسية عن سوريا ولبنان؟ وجلاء القوات البريطانية عن العراق وفلسطين وشرق الأردن ومصر؟ ولماذا تسكت الجامعة (العربية) عن الاستعمارالبريطانى أصل البلاء؟ ولانفهم معنى اقحام الدول الكبرى التى تقاوم الاستعمارمثل الاتحاد السوفيتى، الذى اعترف بحق سوريا ولبنان وسيادتهما التامة على أراضيهم؟)) (عدد30يناير46) وفى نفس العدد هاجمتْ صحيفة التلغراف اللبنانية عزام بسبب تصريحه الذى قال فيه ((إنّ العرب سيقدمون المعونة اللازمة لكل أمة تناضل من أجل استقلالها ولوكانت هذه الأمة ألمانيا))
وفى مقال آخرعن (دورالجامعة العربية فى ممالئة الاستعمارالبريطانى والفرنسى) ذكرالكاتب إنّ الجامعة تـدّعى الدفاع عن العروبة، تسيرفى طريق العنصرية البغيضة. فمتى يكون لدينا جامعة للشعوب وليس للأنظمة؟)) (عدد12فبراير46) وفى مقال كتبه (سعد لبيب) هاجم فيه أمين عام الجامعة العربية لأنه طلب من مصرأنْ تتعاون مع بريطانيا لإقرارالسلام فى المنطقة، ليوهم العرب بأنّ الإنجليزأصدقاء (عدد6مارس46) وكذلك مقال عن الوحدة العربية ((ودور بريطانيا فى إنشاء الجامعة العربية، لتكون أداة الاستعمار)) (عدد22مايو46) ونشرتْ الفجرالجديد نص اتفاقية (معاهدة الصداقة بين الأميرعبدالله أميرشرق الأردن وبريطانيا لإنهاء الانتداب البريطانى، وفيها شروط منها ((يـُـسمح لبريطانيا بمقتضى المعاهدة بإنشاء القواعد الجوية..وأنْ تلتزم حكومة شرق الأردن بتقديم كافة التسهيلات اللازمة لصيانة هذه القواعد..وحماية القوات الجوية البريطانية أثناء التدريب)) وهاجم الملك عبدالله فى كتابه (ذكرياتى) المصريين الذين انتقدوا معاهدة الصداقة البريطانية الأردنية..كما هاجم ابن سعود لأنه سمح للأجانب بإنشاء ((صناعات تدفع الناس إلى نسيان القدرة الإلهية)) (عدد19يونيو46)
لايخلوعدد من مجلة الفجرالجديد من الهجوم على أمين عام الجامعة العربية، وعلى الأعضاء المتعاونين مع الاستعمار. فكان هذا موقف اليسارالمصرى قبل يوليو52، فلماذا تغيـّـرالموقف بعد هذا التاريخ؟ وأليستْ الانكسارات العربية الحديثة تــُـمثــّـل التراكم الكيفى لما حدث فى الأربعينيات؟ فلماذا أقام العروبيون لأنفسهم مؤسسة كهنوتية للدفاع عن الوهم العروبى؟ وهل بعد درس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، سيتمسكون بأفكارهم (الوحدوية) التى كانت كارثية على شعوب المنطقة؟
***

***