لماذا كفر محمد عبده بالسياسة؟

رابح لونيسي
2020 / 1 / 26

لما كفر محمد عبده بالسياسة؟



لعل الكثير لايعلم أن المصلح الديني المصري الكبير محمد عبده كان سياسيا كبيرا، فهو من القادة البارزين في ثورة أحمد عرابي في مصر عام 1881 ضد النظام الخديوي الذي يقصي المصريين، ويحتقرهم بحكم أنهم فلاحين لايصلحون إلا لخدمة الأسياد الأجانب سواء كانوا المماليك أو أسرة محمد علي العثمانية ذات الأصول الألبانية التي حكمت مصر حتى عام 1952 بعد ثورة الضباط الأحرار بقيادة عبدالناصر على الملك فاروق، فأعتبر عبدالناصر أول مصري يحكم البلد منذ قرون.
شارك محمد عبده بقوة في ثورة عرابي، وصاغ ذلك الدستور ذات طابع الديمقراطي آنذاك المبني على نظام برلماني يمثل فيه الشعب المصري الذي يجب أن يكون صاحب السيادة طبقا لمبدأ جون جاك روسو "سيادة الأمة عبر إنتخاب ممثليها"، وهو ما يدل على مدى تغلغل الأفكار الديمقراطية منذ زمن بعيد في المنطقة، وعلى رأسها مصر التي كان علماء الدين في تلك الفترة كمحمد عبده لايرونها نظاما غربيا، بل حاولوا إيجاد موقع لها داخل الإسلام، خاصة جمال الدين الأفغاني صديق عبده الذي كان شديد الإيمان بالديمقراطية وبالإشتراكية أيضا، ولعل الكثير لايعلم أن كلمة "الإشتراكية" أطلقها اول مرة الأفغاني بعد ما لاحظ إنتشار الأفكار الإجتماعية في أوروبا عندما نفي إلى باريس، فقال أن هذه الأفكار موجودة في الإسلام مستندا على حديث لرسول الله (ص) "الناس شركاء في الماء والنار والكلأ"، فأخذ من هذا الحديث كلمة الإشتراكية التي أخذت فيما بعد كتعريب لكلمة سوسياليزم socialisme ، لكن الترجمة الحقيقة لكلمة سوسياليزم هي العدالة الإجتماعية، وليس الإشتراكية، فلا أفهم لما لازال الكثير يعتقد أن الإشتراكية غريبة عن مجتمعاتنا، وأنها غربية المصدر بالرغم من أنه مصطلح نابع من حديث نبوي شهير لرسول الله (ص)؟.
ولايسعنا عند إشارتنا عن الدستور الديمقراطي إلا الحديث عن ما وقع في إيران في 1906 بعد ثورة عارمة شارك فيها الكثير من رجال الدين، وهم الذين كانوا وراء صياغة دستور1906 الذي لايختلف كثيرا عن الدساتير الأوروبية المتبنية للنظام البرلماني آنذاك، فقد طالبت ثورة 1978 في إيران بالعودة إلى هذا الدستور قبل مايستولي الخميني وأتباعه المتشددين على زمام الأمور في البلاد، ويطبقون فكرة "ولاية الفقيه" التي نظر لها الخميني في سلسلة محاضرات ألقاها في1963، وجمعت فيما بعد في كتاب "الحكومة الإسلامية".
قد كانت ثورة عرابي نقطة تحول كبيرة في حياة محمد عبده، فبعد ما تعرض له الثوار من نفي وقمع لايطاق حيث نفي قادتها، ومنهم زعيمها أحمد عرابي، وكذلك الشاعر الكبير محمد سامي البارودي، ووقع نفس الأمر لمحمد عبده وصديقة الأفغاني، فأصيب عبده بصدمة كبيرة لما لاحظه من تخلي الكثير من المصريين عنهم بعد ما أنساقوا مع الثورة في قمتها، ليتخلوا عنهم فيما بعد تحت تأثيرات عدة عوامل ليس هنا مجال تناولها، ولعلها تعود إلى أن شعوب المنطقة تسير مع الأقوى، وتخضع له، فقال محمد عبده كلمته الشهيرة أين يستعيذ، ويلعن فيها السياسة والسياسيين وكل كلمة تحمل حرف السين، فودع السياسة نهائيا مقتنعا أن شعوب المنطقة، ومنها الشعب المصري تحتاج إلى تغيير أعمق، وبأن التغيير السياسي غير كاف لإخراجها من تخلفها، بل يمكن في نظره أن يؤدي إلى أسوأ مما كان، والدليل وقوع مصر تحت الإنتداب البريطاني التي عرفت كيف تستغل تلك الثورة لصالحها بعد ما أستعان الخديوي بها لمواجهة الثوار، وكأن قاعدة الثورات تؤدي إلى عكس ما تصبو إليه، ويستدل أصحاب هذا الطرح ما وقع لثورات الربيع العربي التي تحولت من ربيع إلى خريف دموي بسبب العصبيات بكل أشكالها القبيلية والجهوية والدينية والطائفية واللسانية التي لازالت متغلغلة بقوة في شعوب المنطقة، لتتحول إلى الصخرة التي تصطدم عندها كل محاولات التحول الديمقراطي إن لم تتحول إلى حروب أهلية كلما ضعفت الدولة كما وقع في سوريا واليمن وليبيا وغيرها.
يرى البعض أن الطريق إلى الديمقراطية لازال طويلا عند شعوب المنطقة بسبب هذه العصبيات، كما يرى مثلا عالم الإجتماعي البحريني محمد جابر الأنصاري الذي كرس الكثير من أعماله لهذا الموضوع، ونجد نفس الأمر لدى عالم الإجتماع اللبناني فريدريك معتوق الذي دعا إلى الإعتناء ب"صدام العصبيات وليس صدام الحضارات" في مجتمعات المنطقة.
نشير انه قد سبق لنا تناولنا هذا الموضوع منذ سنتين أين قلنا أن عند كل ثورة أو فوضى يظهر ما أسميتهم ب"سياسويي ومثقفي العصبيات"، فيحولون تلك الثورات إلى خراب ودمار، وطرحنا ضرورة القيام بثورة صناعية تغير قوى الإنتاج بصفتها بنية تحتية التي بدورها ستغير البنية الفوقية المتمثلة في الذهنيات والثقافة وشكل الدولة وغيرها إضافة إلى ثورة ثقافية وعلمية، فهذا هو الكفيل للتخلص من العصبيات المعرقلة للتحولات الديمقراطية، فبدل المطالبة بنظام ديمقراطي يستحسن المرور بالمطالبة بثورة صناعية بتحويل الإقتصاد الريعي والكمبورادوري(أي إستيراد- إستيراد) إلى إقتصاد منتج ومصنع، وكذلك ضرورة ثورة علمية وثقافية تنويرية (عد إلى مقالتنا " شروط الثورة الديمقراطية بين ماركس وبن خلدون" في الحوار المتمدن عدد5888 بتاريخ30/05/2018 ).
لم يتطرق محمد عبده لهذا الموضوع، بل رأى أن الطريق الأصوب للتغيير يمر عبر التعليم والقضاء على الجهل، وهي الفكرة التي أخذها عنه عبد الحميد بن باديس في الجزائر، لكن تعرض محمد عبده إلى نقد شديد من المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي وافقه في أن الخطب السياسية ورجالات السياسة لايختلفون عن رجال الطرقية، فهم ينشرون الدروشة، ويوزعون آمال كاذبة وأوهام على الشعب، ولم يطرحوا قط حلول صحيحة، فما يهمهم هو كثرة الأتباع والمطبلين والمصفقين لهم، لكن بن نبي يطلق عليها "البولتيك" أي السياسة السياسوية المتسمة بالخداع والكذب، ويميزها عن السياسة التي يراها عمل نبيل، وقد آخذ بن نبي جمعية العلماء على إنخراطها في العمل السياسي بدل إهتمامها بالإصلاح، لكن يرى بن نبي أن المشكلة أعمق من التعليم، بل هي مشكلة حضارية، وهي كيف نحول إنسان المنطقة خاصة، والعالم الإسلامي عامة من إنسان غير فعال أو ما يسميه ب"إنسان ما بعد الموحدين" أي عصر إنحطاط الحضارة الإسلامية إلى إنسان فعال مثل الإنسان الأوروبي، وهذا موضوع آخر لاتسع له هذه المقالة.