سقط الشيوعيون ولم تسقط الشيوعية

فؤاد النمري
2020 / 1 / 26

ليس أحب إلى نفسي من أن أوجع قلب الشيوعيين الساقطين، ويبدو أنني أحقق نجاحاً في هذا السياق وليس أدل على ذلك من التصويت على مقالاتي في "الحوار المتمدن" حيث تنهال الأصفار دون حساب وقد بلغ على إحداها 26 صفراً . ليس لدى هؤلاء الساقطين غير الأصفار وهو الدلالة القاطعة على سقوطهم طالما أنه لم يعد لديهم أية أفكار تسند أصفارهم إذ يغيبون عن التعليق غياباً مطلقاً .
أنا لست سادياً لأستمتع بآلام الشيوعيين الساقطين، بل العكس هو الصحيح فليس من وسيلة أخرى غير الوجع يجعل هؤلاء الساقطين يدركون سقوطهم وأسباب سقوطهم .

في العام 63 فقط تيسر لي في سجن الجفر الصحراوي مطالعة تقرير خروشتشوف للمؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي في العام 61 . وحالما انتهيت من قراءة التقرير سـألني الرفاق من حولي عن أي جديد في التقرير، وكانوا يؤمنون بخروشتشوف منقذاً للإتحاد السوفياتي المتعثر بسبب ستالين الدكتاتور البيروقراطي كما أقنعتهم قيادة الحزب بذلك، فكان جوابي هو .. نعم هناك جديد في التقرير وهو أن الإتحاد السوفياتي سينهار في العام 1990 . طبعاً الرفاق لم يستقبلوا قولي ذاك بجدية فحتى أعداء الشيوعية لم يخطر ببالهم انهيار الإتحاد السوفياتي . ثم بعد أسابيع قليلة كان هناك مناسبة الإحتفال بذكرى ثورة أكتوبر، وفوجئت بخطاب الحزب يقول "الكلب ماوتسي تونغ" فنهضت في الحال وانسحبت من الإحتفال . وفي اليوم التالي كتبت مذكرة لقيادة الحزب أطالبها بعدم الإنجراف في الخلاف السوفياتي الصيني لأن ذلك ليس في مصلحة الحركة الشيوعية بغض النظر عن صحة موقف أي من الطرفين، رغم قناعتي بانحراف خروشتشوف، وزدت ان ادعاء الديموقراطية التي ظللت انحراف خروشتشوف تتيح لي أن أناقش انحرافه مع الحزب ومع الرفاق في السجن . تأخر رد الحزب على مذكرتي وفسرت ذلك بأن الرفاق في السجن مرروا رسالتي إلى القيادة في الخارج . وأتاني أخيراً رد الحزب في كتاب مغلف يطالبني بعدم البحث في الموضوع لما لذلك من أثر سيء على مواجهة الرفاق في السجن للأعداء . رأيت الطلب مقنعا خاصة وان الحكومة كانت قد استجلبت نازيا كان قد حارب في ستالينجراد، كما ادّعى، وجاء إلى الأردن لينتقم من الشيوعيين، وقد سقط على يد هذا النازي عشرات الشيوعيين استنكروا الشيوعية علانية، منهم بعض الشيوعيين من الصف الثاني في الحزب . إذاك حافظت على السكوت على تحريف خروشتشوف رغم أن القيادة في السجن حاولت عزلي حتى بت سجيناً داخل السجن .
بعد أسابيع من الإفراج عن الشيوعيين في ابريل نيسان 65 طلبني الأمين العام المساعد لمقابلته في عمان . وفهمت في المقابلة بعد أن أشاد الأمين المساعد بصمودي في السجن أنه يريدني عضواً متقدماً في الحزب شرط أن أتخلى عن معارضتي لقيادة الحزب الشيوعي السوفياتي أو على الأقل بحث موضوع الخلاف مع القيادة فقط دون القواعد، لكن ردي كان احتفاظي بحقي الديموقراطي بمناقشة الموضوع ولو داخل خلية قاعدية . كان لقاء عاصفاً وانقطعت مذاك علاقتي مع الحزب، وجراء ذلك عانيت وعائلتي من الجوع والحرمان الشديدين إذ كان أن حاربني الحزب أشد مما حاربتني الدولة . توقفت الدولة عن محاربتي بعد أن علمت بخلافي مع الحزب من طرف ثالث وفلول الحزب الشيوعي الأردني ازدادت شراسة في محاربتي، رغم أنني في العام 74 رفضت عرضاً مغرياً من المخابرات وهو أن أنشر كتاباً عن مذكراتي كما هي في الواقع بما في ذلك إدانتي للدولة والمخابرات وتقوم المخابرات بطباعته وباخراج أنيق وتوزيعه مقابل توظيفي بوظيفة عالية وضمان عائدات مجزية للكتاب .

مع كل ذلك فإيجاع قلب الشيوعيين الساقطين ليس متعتي وأنا الشيوعي البولشفي الذي جهد غاية الجهد كي يتتلمذ في مدرسة ستالين . أنا أعمد لإيجاع قلب الشيوعيين الساقطين ليس للإنتقام، كما قد يُظن، بل من أجل أن يبحثوا عن وسائل الإستشفاء، أن يدركوا أسباب الوجع، أن يدركوا سقوطهم وأسباب سقوطهم سيما وانهم باتوا عقبة كأداء على طريق الشيوعية .

قد نعذر سقوطهم لأنهم لم بعلموا أن ستالين مات مسموما حيث الطبيب كان قد وقع على شهادة الوفاة الكاذبة تحت التهديد بالقتل كما اعترف مؤخراً بالرغم من أن خادمة المنزل وابن ستالين ومولوتوف كانوا في حينه قد اتهموا رفاقه الذين تناولوا العشاء معه في منزل ستالين في 28 فبرايرشباط 53، بيريا ومالنكوف وخروشتشوف وبولغانين باغتياله .
لكن كيف يمكن إنتحال العذر لهؤلاء الساقطين عن سكوتهم على اجتماع أعضاء المكتب السياسي السبعة، الذين كان ستالين قد طالب بالإستغناء عن خدماتهم، في صبيحة وفاة ستالين ليقرروا إلغاء عضوية 12 عضوا كان المؤتمر العام للحزب قد انتخبهم أعضاء في المكتب السياسي ليقودوا الحزب بدل الأعضاء السبعة الكهول . كان ذلك القرار مخالفاً للنظام وللقانون والشيوعيون الساقطون يعلمون أن إلغاء عضوية المكتب السياسي لا تتم إلا بقرار يحكم بتجريم العضو بعد محاكمة علنية !؟
وكيف يمكن أن يُعذرالشيوعيون الساقطون وقد وافقوا على قرار اللجنة المركزية في اجتماعها في سبتمبر ايلول 53 بإلغاء الخطة الخمسية التي كان مؤتمر الحزب العام التاسع عشر في أكتوبر 52 قد أقرها . تم إلغاؤها من أجل انصراف الإقتصاد السوفياتي للتسلح كما أعلن قرار الإلغاء الذي كنت قد استمعت إليه على راديو موسكو ؛ ومن المعلوم أن اللجنة المركزية ينتخبها مؤتمر الحزب العام لتنفيذ الخطة بالتفاصيل، وليس لإلغائها، وليس هناك أية سلطة سوفياتية تمتلك الحق لإلغاء أية قرارات يقررها المؤتمر العام للحزب ؛ تلك الخطة التي كانت ستنقل الإتحاد السوفياتي ليكون في العام 55 الدولة الأولى في العالم من حيث مجمل الإنتاج الوطني . ذلك القرار مثّل الإنقلاب التام على النظام الإشتراكي وأسس لانهيار الاتحاد السوفيتي ولسياسة سباق التسلح فكان البادئ بسباق التسلح هو الإتحاد السوفياتي وليس الولايات المتحدة، علما ان تسلح السوفييت لم يكن لتحصين الأمن كما أفصح قرار الإلغاء بل لمقاومة الإشتراكية !؟
وكيف يمكن أن نعذر الشيوعيين الساقطين على تبنيهم خطاب خروشتشوف السري الذي يهاجم ستالين دون علم قيادة الحزب، ورفضها له ؛ رفضته قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي دون أن تعلن ذلك – وكان ذلك خطأً قاتلاً – وتبناه الشيوعيون الساقطون فكان لا يرد اسم ستالين في جريدة الحزب قبلئذٍ إلا بصفة العظيم - وكنت قد قدمت نقدا لتلازم هذا التوصيف في منظمتي الحزبية عام 1954 - أما في أعداد جريدة الحزب بعد خطاب خروشتشوف الذي أنكره خروشتشوف نفسه في العام 59 فلم يرد اسم ستالين إلا موصوفاً بالبيروقراطي وطقوس عبادة الذات !؟
وكيف يمكن ان نغض النظر عن سقوط الشيوعيين بعد أن سكتوا على الإنقلاب العسكري الذي قام به وزيرالدفاع المارشال جوكوف ضد الحزب في نهاية يونيو حزيران 57 وانتهى إلى طرد المكتب السياسي بسبب سحبه الثقة من خروشتشوف رجل الجيش وإستبداله بأعضاء موالين للجيش وهو ما جعل الحزب ألعوبة بيد الجيش !؟ ومن المعلوم أن المكتب السياسي هو أعلى سلطة في البلاد وعضويته غير قابلة للمساءلة قبل أن تنتهي بانعقاد المؤتمر العام التالي للحزب .
وسقط الشيوعيون أيضاً عندما قبلوا استنكار خروشتشوف لمبدأ لينين حول الوحدة العضوية بين الثورة الإشتراكية وثورة التحرر الوطني، وكان لينين قد أرسى هذا المبداً بأن اشترط على الأحزاب الشيوعية في المستعمرات والبلدان التابعة قبولها كاملة العضوية في الأممية الشيوعية "الكومنتيرن" شرط مشاركتها الفعلية بثورة التحرر الوطني حتى وإن كانت الثورة بقيادة البورجوازية . إنكار خروشتشوف لهذا المبدأ من أسس اللينينية وتبرير ذلك باتهامه بعض قادة الثورة الوطنية بالمغامرين الذين يجلبون المتاعب للإتحاد السوفياتي - وكان يقصد القائد الوطني الكبير جمال عبد الناصر دون أن يسميه . المخابرات الأميركية اغتنمت تلك الفرصة غير المتوقعة وقامت بالعديد من الإنقلابات العسكرية الرجعية في البلدان المستقلة حديثاً في الستينيات راح ضحيتها مئات الألوف من الشيوعيين – 500 الفاً في اندونيسيا و 10 آلاف في العراق ومئات الآلاف من الوطنيين التقدميين في غرب أفريقيا وامريكا اللاتينية . في نفس المؤتمر الحادي الحادي العشرين سخر خروشتشوف بوقاحة صارخة من محرك التطور الاجتماعي ألا وهو الصراع الطبقي وهزيء بغباء يقول . . "هل علينا أن نتصارع لمسرة الأعداء !!؟" سكوت الشيوعيين على مثل هذه المساخة دفع بهم إلى هاوية السقوط فالصراع الطبقي هو محرك التاريخ الوحيد والذي وحده سينقل المجتمع الإشراكي إلى الشيوعية .
وأخيراً خسر الشيوعيون آخر حجة لادعاء الشيوعية حين وافقوا المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي بقيادة خروشتشوف في العام 61 على قرار إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها بما سماه "دولة الشعب كله" بمعنى أن الدولة في الاتحاد السوفياتي قد غدت دولة جميع الطبقات ولا يعود "محو الطبقات" مطروحاً ومحو الطبقات هو التعريف اللينيني الشامل للإشتراكية العلمية، أي أن دولة الشعب كله ليست دولة اشتراكية . لم يترك خروشتشوف استنباط هذا المعنى، التخلي عن الإشتراكية، لأدعياء الشيوعية بل هو نفسه أفصح عن ذلك فأعلن في نفس المؤتمر الإستقلال المالي لمؤسسات الإنتاج وهو ما يعني إلغاء التخطيط المركزي للإقتصاد الإشتراكي، والترابح في دورة الإنتاج الوطني .

بعد كل تلك الأحداث القاصمة ما بين عامي 53 و 62 التي لم تبقِ من سمات اشتراكية ماركس ولينين سمة واحدة غدا إدعاء الحزب الشيوعي السوفياتي بالشيوعية إدعاء كاذبا يستهدف تضليل البروليتاريا السوفياتية ثم بروليتاريا العالم التي كانت تعتبر الثورة الإشتراكية السوفياتية ثورتها . ولتحقيق ذات الهدف ظلت عموم الأخزب الشيوعية في العالم حتى اليوم تدعي الشيوعية نفاقاً . وبلغت خيانتها حد إنكار وقائع الإنقلاب على الإشتراكية في الإتحاد السوفياتي في الخمسينيات . كان مجمل الإنتاج القومي للإتحاد السوفياتي في نهاية الخمسينيات يتجاوز مجمل الإنتاج في دول غرب أوروبا مجتمعة، كما أكد ذلك تقرير خروشتشوف لمؤتمر الحزب في العام 61 وسرعان ما انتهى في عهد الرئيس أندروبوف في العام 83 لأن يدفع أجور العمال من زجاجات الفودكا الرخيصة ؛ وأما اليوم فقوى العمل الموظفة في الإنتاج في دولة هامشية في غرب أوروبا كالبرتعال تزيد عن قوى العمل الموظفة في روسيا الاتحادية بالرغم من أن سكان روسيا هم عشرة أضعاف سكان البرتغال . ما زالت عامة الأحزاب الشيوعية القائمة حتى اليوم مستمرة في انتهاج نهج الخيانة بدليل أنها تصرعلى ألا تتذكر الأحداث القاصمة في الاتحاد السوفياتي في الخمسينيات . منذ ثلاثين عاماً واظبت على التذكير بتلك الانحرافات الخطيرة وعبثا ذكرت . طرد أعضاء المكتب السياسي بانقلاب عسكري في يونيو 57 لأتهم سحبواالثقة من خروشتشوف رجل الجيش لا يُذكر على الإطلاق !! وإلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا وهي الدمغة الوحيدة للنظام الإشتراكي كما أكد ماركس في "نقد برنامج غوتا" وأعاد لينين التأكيد في نقده لخطة "النيب" يتم تجاهلة وكأنه من مسوغات الإشتراكية فما كل ذلك سوى التمرغ بوحول الخيانة النتنة .
تسأل هؤلاء الخونة عن أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي فيجيبون بكلمة واحدة هي "ستالين" ؛ هم يقولون ذلك ليس لدراسة قاموا بها أو تاريخ قرأوه، ويحرنون حرون الحمير لئلا يقوموا بمثل هذه الدراسة الحدية في ادعاء الشيوعية، حيث دعوى الستالينية هي الحجة الوحيدة التي تغطي خيانتهم . ومن أجل ذلك أيضاً يتجاهلون الحرب العظمى التي رسمت الخارطة الجيوسياية القائمة حتى اليوم في العالم كما قررتها نتائج الحرب التي هي من صناعة ستالين وقد قاد الشعوب السوفياتية لتبذل جهوداً حربية أدهشت العالم بكل أقاصيه بجبروتها ومنه الملوك والرؤساء في الغرب الرأسمالي الذين عبروا عن امتنانهم لستالين الذي صان امنهم وسلامتهم في مواجهتهم للغول النازي الذي تهددهم بالفناء . الملك جورج السادس وروفلت وتشيرتشل وديجول عبروا عن امتنانهم لستالين والشيوعيون الساقطون حرّموا ذكره وادانوه وإن ذكروه مرغمين فالبسوء يذكرونه .
يا لهؤلاء الشيوعيين الساقطين في مستنقع الخيانة النتن !!!!