الموت كل يوم

منير المجيد
2020 / 1 / 26

سبعون سنة من الحياة كانت معجزة قبل مائة سنة، بيد أنّها في السنوات المعاصرة صارت عادة. أنتِ تبعتِ العادة، لكنها لم تكن كافية، على الأقل في منظوري أنا.
كونكِ من مواليد ١٩٤٩ جعلكِ شاهدةً على عصرٍ حافلٍ بأعاجيب التاريخ. بدءاً بإنتهاء حرب عالمية ثانية أفضت إلى رسم خرائط جديدة، وحتّى إنشاء دولة غريبة كانت سبباً رئيسياً في تغيير دنيانا دون أن نعي ذلك حينذاك.
كنّا في غمرة القامشلي، في حلوها ومرّها.
في الخمسينات كنّا نتخاصم بشأن قرب لمبة الكاز من كرّاساتنا، لأن وظائف المدرسة كانت ضرورة لتجنّب عقوبة المُعلّم. لمبة يتيمة لكل أفراد العائلة؟ لم أفهم حتى الآن، لماذا لم يُفكّر أحد بشراء اخرى، فسعرها لم يكن يتجاوز سعر دجاجة! شقيقتنا الكبيرة كانت تضطر إلى إيقاف عملها على ماكينة الخياطة لتُتيح لنا فراغاً للدراسة، بينما مدفأة المازوت تستقبل قطرات المازوت الناعسة لنشر الدفئ، ومساعدة قطّتي على ارتفاع وتيرة شخيرها المخرخر.
أتذكّر أن الخلاف تجاوز حدوده أحياناً، وانتهى بالدفش وعرض القوّة البدنية للوصول إلى أكبر مساحة ضوئية، ونحن منكبّان على الأرض مُقلّبين في دفاترنا وكتبنا، لكنّنا كنّا نتوّصل دوماً إلى حلّ خلافاتنا، على الأغلب بتدخّل أمّنا وشقيقتنا.
هل هناك من داعٍ لتذكيركِ أنني تفوّقت عليك عضلياً بعد سنوات، في الفترة الأولى من مراهقتي؟ هكذا تتطوّر أمور الطبيعة، فالذكر يتفوّق عضلياً على الأنثى. إستطعت التغلّب عليكِ، لكنكِ لجأتِ دوماً إلى سلاح الأنثى التقليدي: إستعمال الأظافر للخرمشة. أعترف أنني تألّمت كثيراً في تلك الأيام.
حياتكِ التي أمتدّت كل هذه السنوات شهدت عصراً عجيباً وتاريخياً. فبعيداً عن لمبة الكاز، فقدنا في مطلع الخمسينات نحو نصف العائلة، ثمّ توّحدت سوريا ومصر في تمثيلية ساذجة. تغيّر بعدها المفهوم السياسي في سوريا. قام الأمريكان بغزو القمر وفييتنام. جاء فريق البيتلز والرولينغ ستون. قام جيمي هنريكس بحقن نفسه بالهيرويين ليموت على المسرح بطلاً مع قيثارته. زاوجَ محمد عبد الوهاب آلة الغيتار مع بقية الآلات الموسيقية لأول مرّة في الغناء العربي، وأخصُّ أم كلثوم هنا. انهزمت سوريا مع مصر والأردن مقابل إسرائيل. تراهقتُ، ثمّ ذهبتُ إلى دمشق للإلتحاق بالجامعة، سبق ذلك وظيفتك كمُعلمّة، ثمّ ولادة طفلين قبل أن تنتقلي إلى دمشق، إثر نشوب حربٍ جديدة بين إسرائيل وبيننا. شغلتني قصص الحب أكثر من أداء واجبات الدراسة والكتابة، بينما شغلتكِ أمورٌ أكثر نبلاً: إنجاب المزيد من الأطفال والإهتمام بعائلتك ووظيفتك.
مضت السبعينات بلمحة، وسلكتُ بدوري تقليديات الحياة بإنشاء أسرة، لكن الثمانيات أبعدتني عن البلاد فاغتربتُ، بينما كنتِ تترسّخين في دمشق وتجيدين لهجتها، التي لم أوفّق بها.
حافظنا على صلتنا كأختٍ وأخٍ، سواء بالكتابة أو التهاتف، في زمن صارت فيه المسافات على بعد مكالمة هاتفية، أو حتى بزيارة، حينما جمعتُ نفسي بشجاعة، نعم، لأقوم بزيارة دمشق في التسعينات. كان ذلك قبل أن ترحل والدتنا بسنة. حينها تمنّيت أن أكون الأول في قائمة أموات من ما تبقى من عائلتنا، لأنني لم أشأ أن أخوض كل ذاك الحزن والألم الذي داهمني لسنوات عديدة. فقدان أحد أفراد الأسرة مؤلم، ولم أكن أعرف حجمه إلّا بعد التجربة.
في زيارتي تلك تعرّفت إلى جملة من الأمور، ليس عنكِ وعائلتكِ فحسب، بل عن سوريا. لم أستطع فهم الموضة الجديدة: الحجاب. قبل أن أغادر إلى المهجر كانت الموضة عدم إرتداء الحجاب، حينما عدتُ كانت الموضة معكوسة. أنتِ كنت تتبعينها أيضاً.
كاد أن يُغمى عليّ حينما قُرع جرس الباب فسارعتِ مذعورة إلى وضع حجابك قبل أن تفتحي الباب للصبي الذي أحضر البقالة. ماذا جرى بحق السماوات؟ شعرت أنني لا أعرفكِ حينها.
لم تنته المفاجئات، بل ذهبتِ لأداء مناسك الحج! ليس لأنني ضد ممارسة الأديان، بل لطالما كنتُ متحفّظاً بشأن دعم صندوق أمراء الحجاز مالياً.
ثم التقينا مرّتين بعدها، في دمشق قبل المقتلة السورية وقبل ثلاث سنوات في عُمان هذه المرّة. كنتِ تضجّين بالبهجة، وتفانيتِ بانكبابك على تحضير معظم وجبات مطبخنا الواسع. هكذا نحن، نُقدّم الكثير من الطعام للذين نحبّهم.

قبل نحو سنتين جاءني الخبر.
سرطان في الدماغ! يا له من تشخيص مُرعب يُقطّع الأوصال. كنتِ شجاعة بقدر كبير. أعترف بذلك. ثقتكِ بالشفاء أذهلتني حتى آمنتُ بها.
صحيح أن عملية إستئصال الورم نجحت، لكن هذا المرض خبيث، والتسمية ليست جزافاً، لأنه عاد مُسلّحاً بثقل مثل «رامبو». بدأ بالتأثير على نطقكِ للكلمات التي كانت تتلاشى ونحن نتهاتف، ثم بدأ بالسيطرة على أطرافكِ، يديكِ وساقيكِ، حتى أنّكِ صرت أشبه بآلة تفقد قوّة بطاريتها في الأشهر الكثيرة الأخيرة.
الأشهر الأخيرة كانت مُرعبة وبائسة للجميع، ولكِ على وجه الخصوص. كانت خلايا السرطان تنهش فيكِ وتفترسكِ مُسبّبة آلاماً يصعب وصفها. صرتِ سجبنةً داخل جسدكِ.

لم يشفع لك حجابكِ وصلاتكِ وصيامكِ ولا طوافكِ حول الكعبة.
كنتُ أفضّل أن يرحمك الله كي لا تتعذبي، الآن، بعدما غادرتِ لن تستفيدي من رحماته. بصراحة، حجم غضبي يُعادل حجم حزني.
الموت مقيت يا «هيفاء»، لكنه خلاص لكِ. هكذا فكّرتُ حينما هاتفتني شقيقتنا الكبرى صباح اليوم. هي أيضاً كانت تتمنّى أن تنتهي عذاباتكِ. صحيح أننا نتحضّر للموت في اللحظة التي نولد فيها، لكن اللحظة مُولمة جداً، وآهة برائحة الراحة في الحالات التي تشبهُ حالكِ.
ليس كل مأساة هي الموت وليس الموت كل مأساة.
الموت يضع حدّاً لكلمات الوداع، وكلمات الوداع اخترت منها البعيدة.
فكّرتُ مراراً بالقدوم إلى دمشق لأراكِ للمرّة الأخيرة، وفي كلّ مرّة ألغيتُ الفكرة، لأنني لم أشأ رؤيتكِ وأنتِ تغرقين في آلامكِ. هل أخطأتُ؟ لست مُتأكّداً، لكّنكِ ستموتين بقيّة حياتي يا هيفاء.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا