عدم وضوح الصياغة التشريعية تكون سبباً في عدم دستورية القانون أحيانا

سالم روضان الموسوي
2020 / 1 / 24

تعليق على قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 108 وموحدتها 124/اتحادية/2019

أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرار الحكم العدد /اتحادية/2019 في 20/1/2020 الذي قضت فيه بعدم دستورية الفقرة (1) من المادة (97) من قانون إدارة البلديات رقم 165 لسنة 1964 المعدل التي جاء فيها الآتي (تسجل باسم البلدية بدون عوض كافة الشوارع الواقعة داخل حدودها والمتروك استعمالها للنفع العام الموجودة عند نفاذ هذا القانون أو التي تحدث بعد ذلك وفق القوانين المرعية او التي يدخل ضمن حدودها عند تغييرها وعلى دوائر الطابو تصحيح تسجيل هذه الشوارع باسم البلدية مباشرة ان كانت مسجلة باسم غيرها بلا رسم) وكان من أسباب الحكم بعدم الدستورية عمومية النص الوارد في الفقرة المطعون فيها، لأنها بصياغتها التشريعية لم تشخص صنف وجنس العقارات وملكية العقارات التي تذهب جميعها أو جزء منها إلى الشوارع وتسجل بدون عوض باسم البلديات ما دامت واقعة في حدودها البلدية، وان هذه العمومية في صياغة النص أدت إلى جعل نص الفقرة (1) من المادة (97) من قانون إدارة البلديات يتعارض وأحكام المادة (23) من الدستور التي منعت مصادرة الملكية الخاصة لإغراض النفع العام إلا بعوض عادل وعلى وفق النص الآتي (أولاً: الملكية الخاصة مصونةٌ، ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها، في حدود القانون. ثانياً : لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويضٍ عادل، وينظم ذلك بقانون) وفي هذا الحكم اعتبرت المحكمة الاتحادية العليا إن الصياغة التشريعية تكون سبباً من أسباب الطعن بعدم دستورية النص حيث أن الغموض في النص القانوني يؤدي إلى إرباك في تطبيقه وأشارت المحكمة الاتحادية العليا في قرارها أعلاه بان المحاكم العراقية ترددت في دلالة النص ما بين شموله للعقارات المملوكة ملكية خاصة وبين اقتصار حكمه على العقارات المملوكة العقارات العائدة للدولة وهذا الحال في غموض النص كان له حضور في قرارات المحاكم والمجالس الدستورية ويشير احد الكتاب[1] إلى إن الفقه الدستوري أطلق عليه مبدأ (النص التشريعي غير المفهوم والنص التشريعي غير القابل للفهم) ومبدأ وضوح النص التشريعي مبدأ جديد نسبياً في اجتهاد القضاء الدستوري، سواء في فرنسا أو في لبنان حيث أشار المجلس الدستوري الفرنسي إلى ضرورة وضوح النص التشريعي، لأول مرة، في قرار له بتاريخ 27/7/1982 ، إلا أن القرار الأساس بهذا الشأن، على وفق إجماع الفقهاء الفرنسيين، هو القرار الذي أصدره هذا المجلس بتاريخ 16/12/1999 لأنه اعتبر فيه أن وجوب أن يكون النص التشريعي قابلا" للفقه والفهم وواضحا هو هدف ذو قيمة دستورية، ويتساءل ذات الكاتب عن النص التشريعي الواضح؟ لان من الصعب إعطاء تعريف دقيق للقانون الواضح. فالوضوح كلمة مجردة ترتبط بعوامل ذاتية ليس من السهل الإحاطة بها، وككل المفاهيم المجردة يمكن الوقوف على كنهها من ضدها. وعليه، يمكن القول أن الوضوح هو نقيض الغموض، والعكس صحيح، لكن ما هو معيار كل من الوضوح والغموض، وكيف يمكن تحديد أي منهما، وبالنسبة لمن؟ فالناس ليسوا على درجة واحدة من العلم والثقافة والمعرفة والاختصاص والخبرة ، وما هو واضح لرجل القانون قد يبدو غير واضح لغير المتخصص في القانون، واعتبر عدد من الفقهاء الفرنسيين أن عدم وضوح النص لا يعني أن النص غير مفهوم، بل المقصود أن النص هو غير قابل للفهم بمعنى إن النص غير المفهوم هو الذي يتوقف عدم فهمه على الشخص الذي يقرأه، أي أن العلة تكون في الشخص الذي يطبقه او يفسره، ويرى آخرون ان وضوح القانون يقاس بالنسبة للأشخاص الموجه إليهم، في حال كان القانون يعني فئة من الناس بعينها، بينما النص غير القابل للفهم هو النص الذي لم يفقه معناه الجميع وهو القانون الذي بلغ حداً من عدم الدقة والغموض بحيث يتيح المجال للتعسف في تطبيقه لان النصوص القانونية يجب أن تكون بصورة كافية تزيل الغموض عنها حتى لا يصبح القانون عرضة لتفسيرات متضاربة، مما يفسح المجال للتعسف في تطبيقه أو مخالفة المبادئ الدستورية ومنها حقوق الإنسان وحقه في الملكية الخاصة، كما يستشهد الدكتور وليد عبلا بقرار المحكمة الفدرالية السويسرية، وهي أعلى سلطة قضائية في سويسرا، حيث قضت في قرار لها يعود إلى عام 2004 بأن القانون يجب أن يكون واضحاً بصورة كافية ليكون المتقاضون على بينة من حقوقهم وواجباتهم، وعدم وضوح النص وقابليته على الفهم من الأفراد أو على الأقل من المختصين فيه يقع تحت بند المخالفة لان القانون افترض علم الجميع بالقانون تحت قاعدة (الجهل في القانون لا يعد عذراً) وهذا ما ورد في المادة (37/1) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل التي جاء فيها الآتي ( ليس لأحد أن يحتج بجهله بأحكام هذا القانون أو أي قانون عقابي آخر ما لم يكن قد تعذر علمه بالقانون الذي يعاقب على الجريمة بسبب قوة قاهرة) ومن التطبيقات الواردة في قضاء المجلس الدستوري اللبناني في قراره العدد 679 لسنة 2004 حيث جاء فيه الحكم بعدم دستورية عبارة (ريثما يتم استكماله)، التي تعني أن المجلس غير مكتمل في هيئته القائمة )يومذاك(، غير واضحة وغير قابلة للفهم لأنها (تتضمن لواقعة أو وضع قانوني غير مفهوم ويصعب ربطه بكف يد المجلس عن النظر في المراجعات الواردة إليه)، ولا يتبين منها ما إذا كان في التأجيل تعليق لاختصاص المجلس أم تعطيل لعمله، لذلك فان غموض النص وتأثير ذلك الغموض على تطبيقات المحاكم عند التصدي إليه يؤدي إلى فقدان النص لقيمته الدستورية وينحرف بالتشريع عن غاية الدستور وغاية المشرع أحيانا ويدخل ضمن باب الانحراف التشريعي وبما أن النص المطعون فيه قد آل من حيث النتيجة إلى مصادرة الأملاك الخاصة دون تعويض عادل لأنه لم يوضح ما المقصود بالعقارات التي تخضع لأحكامه فان هذا أصبح يتقاطع ومبدأ الملكية العامة مصونة ولا يجوز مصادرتها إلا بتعويض عادل والوارد في المادة (23) من الدستور وهذا ما استندت إليه المحكمة الاتحادية العليا في قرارها محل التعليق وإنها أخذت بمبدأ النص غير القابل للفهم يكون سببا للحكم بعدم دستوريه ويتفق مع ما سار عليه القضاء في أكثر من بلد ومنها سويسرا وفرنسا ولبنان. لكن قد يرى البعض إن ما قام به المشرع باعتباره سلطة تشريعية وهو الذي يشرع القوانين حصرا وان له الصلاحية في ذلك على وفق مفهوم الخيار التشريعي الذي كان للمحكمة الاتحادية العليا أكثر من قرار أقرت فيه للمشرع سلطة التشريع وفق خياراته التشريعية، إلا أن هذا القول يجانب الصواب، لان الخيار التشريعي للمشرع هو صورة من صور السلطة التقديرية التي يتمتع بها ، إلا انه يمتاز بكونه يمثل خيارات متاحة لحلول وبدائل عدة تطرح أمام المشرع لكنه مقيد بعدة قيود دستورية منها منع المشرع من سن أي قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وهذا يعد قيد دائم لأنه غير محدد بزمن ويبقى قائم طالما النص الدستوري قائم، فإذا حاول المشرع إن يشرع قانون خلاف ما ورد في ذلك النص فانه سيكون عرضه للطعن بعدم دستوريته وتعطيل أحكامه من المحكمة الاتحادية العليا ، وفي هذا القرار محل التعليق نجد إن ميل المحكمة الاتحادية العليا كانت الأقرب إلى الأخذ بمبدأ رقابة الملاءمة وكان واضحاً في القرار أعلاه والتي تعتمد على فكرة الخطأ في التقدير من قبل المشرع عند ممارسته لسلطته التقديرية في اختيار البدائل لإيجاد الحلول التشريعية ويذكر إن هذه الفكرة لها محل في الفقه الدستوري وفي تطبيقات القضاء الدستوري في القضاء المقارن وتعتبر من العيوب الموضوعية للانحراف التشريعي وتمثل هذه الرقابة تطور في الرقابة الدستورية على ركن السبب في التشريع ويكون الغلط البين في التقدير يؤدي إلى بطلان التشريع ولو لم يتعلق الأمر بانحراف السلطة التشريعية أو وجود المخالفة الدستورية في الشكل والموضوع إذ يكفي لان يقع المشرع في الغلط البين في التقدير ليقرر القضاء الدستوري عدم الدستورية في النص المطعون فيه[2]، ونأمل أن يراعي المشرع العراقي موضوع الصياغة التشريعية الاهتمام الكافي لان من أهم مهام السلطة التشريعية هي تشريع القوانين، لذلك لابد من أن تكون على معرفة ودراية في فن الصياغة التشريعية الذي أصبح علم قائم بذاته ، ويرى الدكتور أكرم الوتري الذي قضى ردحاً من الزمن يعمل مدونا قانونيا في ديوان التدوين القانوني والذي حل محله مجلس الدولة الحالي فيقول (نستطيع تشبيه تقنين القوانين بالهندسة المعمارية والمقنن بمهندس القانون ومعماره)[3] ويظهر اثر الصياغة التشريعية جلياً وواضحا عند إصدار الأحكام القضائية ويؤدي عدم الوضوح في مفردات النص القانوني إلى صدور اجتهاد قضائي متباين ومتعدد ويخلق مراكز قانونية مختلفة تخالف مبدأ المساواة بين الأفراد. كما أن اثر الصياغة التشريعية كبير في حفظ الحقوق وصيانتها لأنها من الممكن أن تكون وسيلة لفقدانها أن قننت بصياغة مرتبكة لا تراعى فيها أصول علم الصياغة التشريعية ، ولاحظنا الآثار المتعددة للتشريع وارى إنها تدور وجودا وعدما مع الحاجة الإنسانية ولأنها متشعبة وعديدة فان هذه الآثار غير محددة أو معدودة مما يحتم على المختصين بمراعاة الصياغة التشريعية مراعاة الأصول الفنية ولتعزيز متانة وجزالة وقوة التشريع اقترح أن يتولى مجلس النواب تأسيس مركز أو هيئة أو أي تشكيل آخر يتولى مهمة الصياغة التشريعية بعد إقرار فكرة أو مقترح القانون من مجلس النواب ويكون أعضاء هذا التشكيل عدد من أهل الاختصاص في علم الصياغة التشريعية و علم الاجتماع واللغة العربية لا بمعنى مصحح لغوي وإنما له معرفة بأسلوب البلاغة وفقه اللغة وعلم الألسن مثلما يكون في التشكيل أعضاء من أهل المعرفة بالعلوم السياسية والاقتصادية ولهذا التشكيل أن يستعين بأشخاص من خارجه بالتعاقد معهم مثلما معمول به في البلدان المتقدمة في هذا المضمار ويتولى هذا التشكيل مهمة إعداد المسوحات التشريعية ودراسة الجدوى الاجتماعية والاقتصادية للقوانين وتقديم الدراسات والمشورة إلى أعضاء مجلس النواب في المواضيع التي تكون محل للنقاش.

القاضي

سالم روضان الموسوي


الهوامش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الدكتور وليد عبلا ـ أستاذ في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية سابقًا ـ تعليق على قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم 5/2017

منشور في الكتاب السنوي للمجلس الدستوري اللبناني لسنة 2017 المجلد 11 ـ ص65

[2] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد إدريس ـ رقابة الملاءمة في القضاء الدستوري دراسة مقارنة ـ منشورات مكتبة النهضة العربية في القاهرة الطبعة الثانية عام 2016 ـ ص489

[3] الدكتور أكرم الوتري (صياغة القوانين) بحث المنشور في مجلة القضاء العدد الثالث عام 1971 التي تصدر عن نقابة المحامين في العراق ص35