شيخ القصيد الفنان عبد الكريم الفيلالي.. ديوان شعري جديد

عبد الله النملي
2020 / 1 / 24

بمبادرة من رابطة كاتبات المغرب، و بدعم من وزارة الثقافة وتحقيق وتوثيق الأستاذ مصطفى الفيلالي، صدر حديثا ديوان شعري للفنان الراحل عبد الكريم الفيلالي في طبعته الأولى سنة 2019، تحت عنوان " شيخ القصيد الفنان عبد الكريم الفيلالي نظما.. أداء.. فرجة ". ويقع الديوان في 296 صفحة من القطع المتوسط، يتصدرها غلاف جميل عبارة عن صورة للفنان الراحل. ويضم الديوان بين دفتيه 46 قصيدة شعرية زجلية نظمها الشاعر في فترات زمينة متباينة، تتوزع على أربع تيمات رئيسية : وطنيات وقصص صوفية و وعظيات، وقصائد عاطفية، وسلوكيات ومواقف ساخرة، ومجتمع وحقوق. وفي كلمة لرابطة كاتبات المغرب، قالت الأستاذة نادية متفق رئيسة فرع الرابطة بآسفي أنه بتضافر جهود الجميع " استطاع ديوان شيخ القصيد الفنان الآسفي ابن حاضرة المحيط أن يرى النور وأن يظفر بأن تمت إجازته للطبع، فكان بذلك أول قطرات الغيث التي نتجت عن الملتقى الوطني الأول للحكاية بآسفي الذي حمل شعار " الحكاية ذاكرة وطن " في دورته الأولى، حيث سعينا جاهدين إلى إخراج هذا العمل استجابة لنقل منجزه لعموم القراء، ومن ناحية أخرى تجسيدا لاسمه نظما، أداء، وفرجة. وبهذا العمل ندشن أفقا ينقلنا من الشفهي إلى التدوين، ينم عن انفتاح رابطة كاتبات المغرب على الإسهامات التي لم يكتب لها أن تنال حظها من التواجد ضمن الخزائن والرفوف، فوحدها الأشياء المكتوبة تقاوم النسيان ".
وفي تقديم الديوان والحديث عن مسار وحياة عبد الكريم الفيلالي، قال الأستاذ مصطفى الفيلالي ابن الفنان الراحل، أن الشاعر الشعبي والفنان عبد الكريم الفيلالي يعتبر " من رواد الأغنية الشعبية، وأحد المداحين و الحكواتيين والشعراء الشعبيين الكبار، وأبرز شاعر جوال وأحد دعامات صناع الفرجة الأوائل بالمغرب"، مضيفا أن أعمال الحاج عبد الكريم الفيلالي تعتبر " وثيقة تاريخية للمجتمع المغربي اجتماعيا وثقافيا وسياسيا لمرحلة معينة دامت زهاء سبعين سنة. لقد كان الرجل صاحب قلم معاند وصوتا رافضا لكل أصناف الفساد فكان لسان حال شعب شاركه همومه وانشغالاته. فرغم نذرة الترويج إعلاميا فالنصوص التي نظمها أو توارثها والأسطوانات و الأشرطة التي سجلها وتداولها الناس وعشقوها ودخلت بيوتهم عن طيب خاطر، أدت وظائف ثقافية واجتماعية ورسخت في العقل الجمعي للمتلقي مكارم الأخلاق ونبل الرسالة المحمدية ".
الفنان الراحل، قيد حياته، لم يكن اسما عاديا كغيره من الأسماء المحفوظة في سجلات الحالة المدنية المغربية. هذا الرجل يخفي داخله حالة خاصة جدا و ناذرة، و له قدرة فائقة على نظم القوافي والأشعار. ظل طيلة حياته أسيرا للظل لا يرنو إلى الضوء، ولم تَسْعَ روحه يوما إلى مباهج الشهرة وفتنتها. عاش أسير فنه مثله مثل نباتات الظل التي تخلق عالمها وحدها وعلى مهل، بعيدا عن نور الشمس، وبعيدا عن غوايات الضوء ونشوته. هو فنان الظل، أحب فنه، وتلظى بإغوائه، وتعامل معه كصيغة حياة يومية، لم ير خارجه حياة. أبدع فنه دون رغبة في الخلود، ودون رغبة في البقاء. يعرف عبد الكريم كثيرا عن الناس، في الوقت الذي لا تعرف الناس عنه الكثير.
الحاج عبد الكريم الفيلالي من مواليد زاوية امزيلات بقبيلة الشياظمة الجنوبية، كان جده المنحدر من تافيلالت عالما بالديوان الخاص للسلطان مولاي عبد الرحمن وبعده السلطان مولاي محمد الرابع من سنة 1822 حتى سنة 1859، أما أبوه فكان يشتغل بالقضاء والعدلية وإمام مسجد و فقيه. وفي سنة 1963 سيدخل الفنان عبد الكريم غمار الأسطوانة والشريط، فتهافتت عليه شركات التسجيل، حيث عاش حياته متنقلا بحلقاته الشعيية بين مدن وقرى و أحراش البلاد شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، حيث عرف كواحد من الناظمين الكبار للقصائد، إضافة لاهتماماته البالغة بالملحون ودرايته الواسعة بفرجة الحلقة، حيث كان يؤدي غنائه مصحوبا بآلة وترية هي الكمبري. ومقطوعات هذا النوع عبارة عن "اقصايد"، وهي كلام يعتمد السجع في تركيبه، وتتحدد مواضيعه في ذكر سير الأنبياء و الأولياء، وبعض الظواهر الاجتماعية كالتدخين والسُّكْر، وموجات عالمية كظاهرة الهيبي، ولا يخلو الأمر من الوعظ والتذكير بالموت واليوم الآخر، والأحداث الوطنية والقومية. وقد تخصص عبد الكريم بقصائد المدائح النبوية والتوسلات والوصايا والحكم والمواعظ التي تستوحى مادتها الإبداعية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وبعض كتب التفسير وأقوال السلف الصالح. وكان دوره كفنان شعبي هو تربية المتلقي على حب الله ورسوله والتحلي بالخصال الحميدة، حيث عمّرت أمداحه وقصصه المُغَنّاة وقصائده الشعبية كل أسواق المغرب، حتى فاقت تسجيلاته 400 تسجيل، نالت إعجاب الناس ومنحته انتشارا غير مسبوق، كما توج كأحد كبار صناع الفرجة بالمغرب وسيد المداحين المغاربة الذين أسالوا لعاب شركات التسجيل الفنية التي وجدت فيه رقما رابحا في سوق المبيعات.
لازم عبد الكريم شيخه الأول الحسين المرابط البصير من سكورة سنة 1945 بالدار البيضاء، وهو مداح و حافظ، و جال معه بعض أطراف المغرب، وعليه حفظ الفيلالي الكثير من القصائد التي جال بها المغرب في بداياته. وبذات التاريخ عقد أول حلقة شعبية بمنطقة بوشنتوف بالدار البيضاء وقدمها بمفرده قاصا ومنشدا، ثم قادته الظروف لملازمة شيخه الثاني الحسين السوسي الذي كان متخصصا في السيرة. وفي سنة 1955 توقفت عجلات ترحال عبد الكريم الفيلالي لفترة محدودة بعد انضمامه إلى خلايا المقاومة المغربية بواد زم، حيث تكلف بتزويد المقاومة بالسلاح وشرائه، بعد أن كان يدسه في بطن آلة الكنبري، ويملأ حواشيه بالتبن ويطبق عليه رقعة من الجلد، لكن عيون العملاء أبلغوا عنه قادة الاستعمار، حيث جرى اعتقاله وتعذيبه وإحراق ما بحوزته من الكتب و الصور، واستمر مسلسل التكنيل به مدة 23 يوما، أحيل بعدها للمحاكمة سنة 1954 فحكم عليه بالحبس لمدة أربعة أشهر قضاها بسجن خنيفرة. وبعد الإفراج عليه صدر في حقه قرار بالنفي من المنطقة يوم 8 يونيو 1954 ليتوجه بعدها إلى آسفي.. وفي غمرة احتفال المغاربة بعودة الملك محمد الخامس من المنفى، التحق عبد الكريم بدار الإذاعة وسجل بقبوها أسطوانتين من حجم 33 لفة، ومنها رائيته الرائعة "ثورة محمد الخامس وشعبو" التي نظمها بنفسه وضمنها كل الأحداث التي عاشتها البلاد من نفي الملك حتى عودته. وعلى الرغم من انتساب عبد الكريم الفيلالي للمقاومة المغربية، بشهادة قادتهم المباشرين الذين يعتبرون الشيخ الفيلالي من طليعة المقاومين الذين قدموا أعمالا فداء للوطن، لم يتمكن الراحل من الحصول على حقه كمقاوم، وظل الملف رقم 45992 المدعم بشهادة القائد بوشنتوف من وادي زم وشهادة قائدين رئيسيين مباشرين يبارح مكانه حتى وفاته (1).
قبل رحيل الفنان الشعبي الحاج عبد الكريم الفيلالي بشهور قليلة، أعَدّت له القناة الأولى المغربية حَلَقة خاصة ضمن برنامج "صناع الفرجة"، تحت عنوان " شيخ القصيد، الحاج عبد الكريم الفيلالي"، استعرضت فيه سيرته الذاتية ومسيرته الفنية. وفي إطار البرنامج الإذاعي " غْنَا بلادي"، الذي يعده و يقدمه الدكتور رشيد أبوتاج، ويبث مباشرة على CASA FM ، والذي يعنى بمسار أعلام الغناء الشعبي، قدم الأستاذ الناجي ميراني شهادة في حق الراحل، ضمن حلقة تبحث في مسيرة الراحل الفنية، قال فيها ( من فيض عبدة وأحراشها ظهر رجل نقش اسمه على جبين الأغنية الشعبية المغربية (..). عبد الكريم النظام الذي كانت له قدرة فائقة على نظم القوافي و الأشعار (..)، تمكن بهذه الموهبة الربانية الخوض في جميع المواضيع الدينية و الاجتماعية (..)، كما تميز هذا الرجل أيضا بالتلحين و العزف و الغناء (..) و حَفّاظا للمُتون الغنائية بامتياز (..)، لم يكن عبد الكريم نظّاما تقليديا بقدر ما كان مبدعا وجريئا في طرح بعض القضايا التي تعبر عن هموم الناس (..)، ومن تم كان محط شبهة لدى السلطات المحلية. كان عبد الكريم هو المؤلف، المخرج، والممثل، وكانت حلقته هي جمهوره الكبير (..). كان يملأ الساحات الشعبية بشخصيته الصارمة بدون منازع (..)، كان يمتلك شخصية كارزمية تفرض نفسها (..)، استطاع أن ينوب عن ملايين الصامتين في لحظة من لحظات تاريخ عبدة، حيث تصدى لأسباب الرشوة، والفساد، واستنكر بأغانيه الطروبة كل أشكال الظلم والقهر. وله حكايات أخرى مع الحملات الانتخابية بمدينة آسفي، حيث كان يحول الحلقة إلى برلمان مصغر يطلق فيه العنان للسخرية السوداء من بعض وجهاء وأعيان المدينة المدعمين من طرف السلطة لاغتنام الكراسي الممنوحة سواء على صعيد الجماعة أو البرلمان).
وفي بحث للأستاذ ابراهيم الحجري تحت عنوان "فن الحلقة بالمغرب"، وضمن بورتريهات "الحلايقية"، قدم الكاتب المطرب الشعبي عبد الكريم الفيلالي باعتباره من (الأسماء المهمة التي أنجبتها منطقة عبدة وآسفي في مجال الحلقة، على تعدد أشكالها و أصنافها، فكان له الارتباط بالتربة و الطبيعة و اللهجة و المحكيات، وكان له وهَج حمل صخرة هذا الفن، مع مشاكله و إكراهاته، و كان له امتداد الصيت خارج تخوم البلدة ليحلق في كل النواحي المجاورة والساحات الشهيرة و الأوساط الشعبية (..)، أتحف الألوف بأسلوبه البسيط المؤثر، واستطاع أن يجعل من فضاء الحلقة المفتوح مدرسة تعلم الناس القيم وترسخ فيهم سمات الجمال وتفتح بصيرتهم على المتعة والفائدة (..). اشتهر الفيلالي بانتمائه لمدينة آسفي، غير أنه كان يخرج عن نطاق عبدة و أسواقها ليقدم فرجته في كل أنحاء المغرب، خاصة في أسواق البوادي الأسبوعية والمواسم السنوية (..)، كما كان يكتب نصوصه الخاصة التي تنوعت بين الديني و الأدبي لتترجم إلى ثقافة شعبية يفهمها الجميع. ومن بين نصوصه المعروفة: "المتزوج و الأعزب" و "العجوز و الشابة"، و "السكران و المنتشي"، و " العصفور و الأسد".
وأضاف الكاتب أن الفيلالي ( يختلف عن الحكواتي في كونه يصحب الحكي بالعزف وتلوين الصوت و إعادة النظر في الكلمات لتصبح مسجوعة متوافقة مع مادة العزف. إنه يصوغ الحكاية، التي يستمدها غالبا من بطون الكتب أو ممن يسمع عنه الحكي الشعبي، في نظم زجلي قابل للتلحين حتى يسهل عليه أداء الحكي موزونا مسحوبا في شكل (قصيدة زجلية) باللغة الدارجة طبعا. كما أنه يختار حكائية تنسجم مع خطابه الذي غالبا ما يميل إلى النقد الساحر من واقع الحال، وينصرف إلى تشخيص مأساة الإنسان في أبعاده المتعددة، مركزا على خطاب النكوص والموت والهزيمة والموعظة والعبرة و الحكمة (..). ومن قصائده الشهيرة: "القرع" و "بوفسيو و السبع" و "طيور الغابة" و " السيد علي" وغيرها. وهي تفيض بالعبر والحكم (..). وقبل أن يغادر هذا الميدان قدم بعض الخدمة لمواده، حيث حفظها وسجل بعضها في أشرطة سمعية، لكنها للأسف نفذت ولم يعد لها أثر في السوق. وهي مخزون يؤرخ للذاكرة، ويعبر عن روح العصر مثلما يعبر عن ثقافة صاحبه وطريقة تأثيره في جمهوره).
وبعد الإعلان عن خبر وفاة الفنان الشعبي عبد الكريم الفيلالي، عن عمر يناهز ستة وثمانين سنة، صبيحة يومه الجمعة 26 يناير 2017 بمدينة آسفي بعد صراع مع المرض ألزمه الفراش لشهور، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي لساحة عزاء على فقدان الراحل الكبير من قبل زملائه ومحبيه. وفي تعزية للدكتور رشيد أبوتاج على صفحته بالفايسبوك، قال فيها إن آسفي (فقدت برحيله ذاكرة شعبية شفاهية .. كانت أنظامه دروسا اجتماعية يتهافت عليها جمهور عبدة بوفاء قل نظيره. حقا لقد كانت حكاياته في معظمها جارحة، لكنها كانت صادقة إلى أبعد الحدود (..)، لم تهنأ معه سلطات آسفي بيوم أمان، فأذاقته بالمقابل أمر ألوان التعذيب، لكن طينة "بوفسيو" المعاندة لم تستسلم يوما لمشيئة "السبع" الظالم (..)، عاش الصرخة والمشاكسة في أقتم صورها ضد أعتى وجوه السلطة من البياع والمقدم إلى الوزير. عاش قرابة القرن من عمر لم يحسبه بالصمت و لا بالخذلان ولا بتحنيط الضمير. أغلبهم اشتهروا بالتمجيد إلا هو (..)، فقد شق الرجل طريقه ورسخ اسمه بفضح الفساد وصنع لنفسه شهرة فنية في وجه المفسدين، و وظف شهرته في خدمة وطن أرادوه شرا وأراده خيرا..). فسلام عليك حاضرا وغائبا، فقد كنت كبيرا في حياتك، ولابد أن تشمخ أكثر بعد الغياب.
هوامش:
(1) الحاج عبد الكريم الفيلالي، رائد صناع الفرجة وشيخ المداحين الشعبيين، الأستاذ رشيد أبوتاج، ص 30 إلى 34 بتصرف، مجلة لالة فاطمة، العدد 73 يونيو 2012.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي