نبؤتان .. ٥

محمد ليلو كريم
2020 / 1 / 23

حينما تشتد وطأة العلم على رقبة الدين تنبت أنياب جديدة للدين يقترب بها من العلم محاولًا نهشه وبأي وسيلة وذريعة حتى وأن تعارض الفعل مع الفضيلة ومصالح البشر ، فالدين لا يقبل التبعية للعلم ويجهد ويُجاهد لترسيخ أو تأكيد فكرة غلبته وأفضليته على العلم ، فإن تعذر المطلب جُرِّدَ السيف عن غمده وتحولت المبارزة الى هرطقات وتزييف ومماطلة ، والنبؤة ميدان المماطلة ، والمُماطلة في اللغة تعني : تأجيل ، إرجاء ، تأخير . وكم من موعد نبؤة تأجل أو أرجيء والناس في حيرة من طول التأخير ، بل هو تأخر ، لأن ( تأخير ) توحي أنها بفعل فاعل ، بينما لم يثبت والى الآن نسبة النبوءة الى عليم قادر ، مُفارق ، ونحن نبحث في هذا الشأن بتجرد ونظرة عقلية بحتة ، ولعل بعض مفردات اللغة توحي بطعن وتحيز ، ولكن اللغة تظل قاصرة عن توصيف الواقع ((  أن وجود شيء ما في الذهن فقط هو أدنى من وجوده في الواقع / القديس أنسلم )) فاللغة حركة التفكير وبها نُفكر ، وباللغة نصف الأشياء ، ونضع مصطلحات وأسماء لما تعذر أدراكه ماديًا أو بالإستدلال العلمي ، وبحروف اللغة نُنظم الحياة في أذهاننًا بما نفهمه منها وما لانفهمه ، فنُنتج كلمات وعبارات وحتى طلاسم نجهد فيها ونبذل ما بوسعنا للوقوف على حقيقة ، ومن توصّل للحقيقة ؟ .
يقع الدين في مأزق بسبب من يتصدون لدور وكلاء السماء ، فالدين يعمل بين البشر وبلغة البشر وجهودهم واجتهاداتهم ، أي أن الدين حركة بشرية ، أو لنقل انه فكرة بشرية ، وهل من دين شوهد مُطبقًا على يد غير بشرية ، والخلاصة أن الدين أمر يجري في دنيا البشر ولا شريك للبشر فيه في هذه الحياة ، وعليه ؛ فمأزق الدين هو مأزق أهل الدين ، أو هو مأزق المتصدين للدين او ما يُعرف برجال الدين أو علماء الدين ، فالله وملائكته ورسله وأنبياء لم نرى منهم حضورًا عيانيًا ، والأمر كله موكول برجال الدين .
يرجع مأزق الدين الى أمرين ، القصور العلمي ، والعناد الفهمي ، والقصور العلمي هو ما يمكن اثباته من قول ديني ولكن الأدوات العلمية غير متوفرة فيأتي أناس من خارج الدين ويثبتوه ، والعناد الفهمي هو عدم جدوى محاولة اثبات القول الديني وعقمه ولكن رجال الدين يصرون على ما فهموه منه ويتمسكون بهذا الفهم مع ثقل الحرج وهذا ما أبتلي به السلفيون والأخباريون بدلالة قولهم ( فهم السلف للنص حجة ) أو ( انجبار الخبر بالعمل ) أو ( مشهور الإمامية ) .
لا مناص من الإعتراف بحقيقة أننا كائنات حسية ، فالإنسان يملك حواس خمسة ، وبها يتواصل مع كل ما يحيط به ، ولو تتبعنا التأريخ الى ألف سنة ماضية ومن ثم طرحنا السؤال التالي على الحواس : خلال هذه الفترة من القرون الماضية ، من كان الأكثر حضورًا في إنقاذ وتطوير البشر ، العلم أم المنقذ المُقدَس ؟ .
لم يغب العلم عن الحياة الحسية للبشر ، بل رافق حواسهم وتجلى لهم تطورًا ، بينما غاب المنقذ ولم يتعامل معنا حسيًا ، ناهيك عن عدم جدوى الإعتقاد به في المسار العلمي ، ولكن نظريات الفيزياء وتكهنات مجمل العلوم أخذت بيدنا الى ما نحن عليه اليوم من تقدم ، وبالعلم يحتاط العالم في التكهن بالأخطار المحدقة بالعالم .
النبوءة العلمية فرضية ترتقي لاحقًا لمستوى نظرية حتى يتمكن المشتغل من ترقيتها لقانون ، وهذا ما يعمل به العلماء وفي جميع المجالات ، فحين أراد الإنسان معرفة علة اهتزاز الأرض راح يبحث ويضع الفرضيات حتى وصل لمكتشفات علمية تتكهن بالزلزال قبل حدوثه وكذلك عمل الإنسان على تطوير الأبنية لتتكيف مع الزلازل ، فما الذي وفرته النبوءة الدينية في هذا المجال من الخطورة المرافقة لحياة الكثير من المجموعات البشرية ؟
ما حدث ويحدث من استنفار وإطلاق نار بإتجاه اسرائيل ، ومن ناحية النبوءة الدينية ، هو مسير في نفق ضيق مظلم لا يهب البشر تكهنًا علميًا ولا يوفر تهيئة وتكيف لدرء خطر أو معالجة استباقية ، وهذه السلسلة من المقالات تتناول بالتحديد النبوءة القرآنية التي وردت في سورة الأسراء أذ أعطت صورة مستقبلية ( بحسب عقيدة معمول بها ) لضربات ستطال اسرائيل ، الضربة الأولى جوس والثانية توغل ( وليُتبروا ما علوا تتبيرا ) وقد انبرى من يريد تطبيق هذه النبوءة وفق نظرية عقائدية أنفرد بها . لكنني مهدت للموضوع بحديث متعاقب احاول شرح بلادة النبوءة القديمة مع معيار أو مقياس تقييمي هو المقارنة مع النبوءة الحديثة ، وعلة الإستفاضة أن عالم اليوم بلغ من التقدم العلمي مبلغًا كبيرًا وهو مُقبل على طفرات علمية عظيمة ، فوجب أن يكون الطرح بمعية لغة العصر ووعي الحاضر .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي