رهائن العبث ( الفصل الأول )

عبدالإلاه خالي
2020 / 1 / 22

بالعدد 6438 نشرتُ قصة قصيرة بعنوان "وداعا أيها القطار" راويا في إجمال وعموم أيام جبريل التي مضت مسرعة كالأشباح. وأعود اليوم لتلك القصة مفصِّلًا مجملها ومخصِّصا عمومها بضمير المتكلم هذه المرة، عبر نص أسميته: "رهائن العبث".


رهائن العبث ( الفصل الأول )

حينما حصلتُ على شهادة "البروڨي"[1] وانتقلتُ إلى المرحلة الثانوية كانت الوثائق الإدارية تقول بأنني في الرابعة عشرة من عمري، إلا أنني في واقع الأمر لم أكن قد بلغت بعد مشارف الحادية عشرة، وسببُ ذلك قدرٌ غريب شاء أن أُولَدَ في نفس الأسبوع الذي توفي فيه أخي "عزيز" ذي الثلاث سنوات؛ ولم يشأ أبي الذهاب إلى الدائرة للتصريح بوفاة ابن وميلاد آخر مُوتِراً أن يتبنى المولود بيانات المتوفى.
سألتُ أمي يوما بصوت تعلوه الحسرة:
- لماذا أحجم أبي حقيقةً عن تسجيلي بالدائرة؟
رَفَعَتْ رأسها ونظرت بعينيها الجميلتين نحو الأفق البعيد ثم ردّت:
- المغرب كان يعرف وقتها أحداث انقلاب عسكري وكان الناس يتحاشون الاقتراب من المقرات الرسمية..
سألتُها محتدا:
˗ ولماذا لم يذهب بعد أن هدأت الأحداث؟ أكان متمردا أم متآمرا؟
قالت مربّتة على كتفي مطفئة غضبي المتصاعد:
˗ إنه قدرك والخير في ما اختاره الله يا بني!
هكذا كنتُ أصغر التلاميذ سنا وأضألهم حجما. بالكاد كنت أُرى بينهم فهم عمالقة إزائي. عِراكُهُم كان خشنا ومعابثاتهم فَظّة وضوضاؤهم لطالما أرعبني. لم يكن أمامي من وسيلة لمنافستهم سوى التفوّق في دروسي فَبَرَعتُ في جميع المواد وخصوصا الرياضيات. بعد أيام قليلة أدركتُ أن علو كعبي ذاك لَمْ يكن في حد ذاته إلا طريقا للجحيم والإيذاء:
فالأستاذ "المهدي" كان يأمر كبار التلاميذ بإنجاز العمليات الحسابية على السبورة، وعندما لا يفلحون يطلب منهم حملي لبلوغ مكان التمرين بالسبورة. كنت أظل محمولا على الأكتاف حتى أنتهي من إنجاز العملية.
كان هذا عقابهم أما عقابي أنا فكان يأتي بعد حين، إذ بمجرد أن تنتهي الحصة وينطلقَ الأستاذ مغادرا يَقِفُ عمالقة الفصل ويهجمون علي هجمة رجل واحد، ينتقمون مني بكل ضروب الركل والصفع..
كان الأستاذ المهدي دائم الصمت والإطراق. لا ينظر إلى أحد إلا متى وجَّه إليه مخاطِبُهُ سؤالا أو حديثا. جِسْمٌ قصير وَوَجْه طفولي يضج بالبراءة وحيوية الروح. كان من الجيل الأول الذي أفْلَتَ من حصار الجهل إلى خارج الحدود ليحظى بنصيب أوفر من المعرفة. الْتَهَمَ كل حرف في الجامعة وراح يطلب المزيد من حولها حتى تشبَّعَتْ روحه وارتوت، فتبوأ أعلى منزلة من الاحترام والتبجيل.
ذات يوم اختبر خمسة تلاميذ. سألهم عدة أسئلة. ولكنه كان كمن ينفخ في حجارة صماء. كلما سألهم سؤالا أجابوا:
- لَمْ ندرس هذا!
- لم يُعَلِّمونا هذا!
وكان بدوره يردد حائرا:
- عجبا! وكيف وصلتم إلى هذه المرحلة؟!
ويبدو أن هذا الكلام قد مَسَّ شعور زميلي "الفار" و"اللِّي فيه الفّْزّ كَيْقْفْزْ"[2]، فانتفض قائلا:
- أستاذ، إنك تسألنا من الدروس التي لم نأخذ بعد!
أجابه المهدي:
- أنتَ، تعال إلى هنا!
لم يكن الفار يتوقع ذلك. وقف بقرب السبورة مذهولا إلى أن قال له المهدي:
- اشرح لنا ما تعرفه أو ما درستَه في الرياضيات!
أجابه الفار:
- في الرياضيات! في الرياضيات!..
ثم ارتفعت حوصلته وانخفضت، وبعدها لم يستطع أن ينبس بكلمة. منذ ذلك اليوم كَرِهَ الفار الأستاذ المهدي كرها لا مثيل له.
كان الفار كسولا، لم يكن يتفوّه بشيء إلا إذا تعلق الأمر بشغب أو فوضى أو قَرْعِ أَرْجُلِ الأقران بالفَلَقَة، ولم يكن المهدي يترك فرصة تَمُرُّ دون أن يهزأ منه.
ومرّت أيام وأقبل الثالث من شهر مارس..
يومٌ دَأبَتْ فيه مؤسستنا على الاحتفال بعيد العرش كل سنة. كانت الإدارة قد اختارت المهدي لإعداد حفل السنة. اجتمَعْنا في قاعة الحفل نحن والمُدَرِّسون وآخَرون دعاهم المهدي من مدارس أخرى، رجال ونساء يتجاوزون المائة شخص. كان الهدوء يخيم على القاعة وأعتقد بأن مثل ذلك الهدوء لم تشهدْه المدرسة خلال تاريخها، فالمُدرِّسون والعاملون في وزارة التربية كانوا يتكلمون همسا في شؤون التعليم والإدارة. كان واضحا من نظراتهم أنهم معجبون جدا بسلوكنا.
صعد الأستاذ المهدي إلى المنصة. رحَّب بالمدعوين وراح يستعرض برنامج الحفل: مسرحية، أغاني وأناشيد خفيفة، مسابقة ثقافية..
ثم قال بفخر متباهيا:
- مَدْعُوُونا الكِرام، أنتم الآن في لقاء مع تلاميذ المؤسسة من خلال عرض مسرحي كتبه وأخرجه هذا العبد الضعيف!
قال ذلك وانسحب من المنصة تاركا الحضور يتأهب لمشاهدة أول عرض في المسرحية.
بعد برهة من الزمن ظهر الفار على الخشبة وهو عارٍ تماما كما ولدته أمه! يمشي فوق الخشبة رافعا يده اليمنى كمن يُحَيِّي هتلر. ارتبك الجميع واعتقَد بعض المدعوين للحظة أن المشهد جزء من المسرحية، غير أنهم ما لبثوا أن تسابقوا نحو باب الخروج.
تبدَّل لون الأستاذ المهدي من الأصفر إلى الأحمر ثم إلى الأزرق. قام واندفع نحو الخشبة في أثر الفار. ساد الهرج والمرج داخل القاعة، ومن وسط الضوضاء عَلَا صوت المدير وهو ينتظر دوره في الوصول إلى باب الخروج:
- إنني أنتظرك في المكتب يا سّي المهدي!
مساء اليوم الموالي ذاع في المدرسة خبر طرد المهدي. تذَكَّرتُ ما قاله لي الفار يوما:
- أقسِمُ أن المهدي القوّاد سوف يُطرد على يدي!
لَسْتُ أدري كيف سمح الأستاذ المهدي بمشاركة الفار في العرض المسرحي. ربما ظن أنه سيفلح فيما عجز عنه في الدراسة. وللحق والأمانة، فقد بذل الفار مجهودا جبارا جعل الجميع يَستغربُ له، فقد كان أوّل من يَحْضُرُ الحصص التدريبية، وكان يَجِدُّ في حفظ ما يَخُصُّهُ من حوارات في إطار الدور الذي أسنِد إليه.
تأثرتُ كثيرا لمصير الأستاذ المهدي، فقد كنتُ أحبه كثيرا. كان أستاذي الذي ألجأ إليه كلما دفعتني الحاجة إلى قبسٍ من نور علمٍ أو واحة فكر. كنتُ أنظر إليه كما ينظر الإنسان البدائي إلى الساحر البارع. كان مُلِمًّا بكل فروع العلم، يفكك الآلة الحاسبة الصينية ويتحدث عن شكسبير وموزار! احترامي له وصل إلى درجة الثقة في كل ما كان يشير به عليَّ، حتى أنني كتبت فيه شعرا ذات يوم: ”إذا كان ظل المعلم لا يُداس عند اليابانيين احتراما، فَظِلُّ المهدي عندي مقدس“.
تبَّا لك أيها الفار، منذ صغرك وأنت لئيم! أتَذْكُر أيام الكُتَّاب؟ قال لك الفقيه:
- استظهر سورة الفلق!
حاولتَ أن تفعل غير أن الماء المالح خذلك! تكوَّنَتْ ضاية صغيرة قرب قدميك المحشوتين في حذاء أبيض مشبَّك، ذلك الحذاء المطاطي ذي الشهرة الوطنية. صاح التلاميذ الملاعين:
- أَسْ، الفار بال!
طَرَدَكَ الفقيه وفي الغد قالت لك نادية محتدة:
- لا تجلس بجانبي أيها البوال!


[1] كلمة فرنسية ترمز في العامية المغربية لدبلوم المرحلة الإعدادية في المدارس الوطنية.
[2] مَثَل بالدارجة المغربية معناه: الشّاكُّ في نفسه ينفعل بسرعة.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي