مالذي جرى ويجري ؟ ....محاولة اولية في قراءة الوقائع ...(1)

عارف معروف
2020 / 1 / 21

ووجهت الدعوة الى التظاهر والاحتجاج وتحديد موعد لانطلاقها يوم 1 تشرين الاول من العام المنصرم من قبل ناشطين افراد وبضعة منظمات “مجتمع مدني” غير معروفة ، في البداية ، بشكوك وتوجس من قبل معظم الناشطين التقليديين في ساحات التظاهر ، خصوصا ممن ادمن التواجد في ساحة التحرير كل جمعة ومنذ اعوام محاولا ان ينفخ في الرماد وان يديم جمر الاحتجاج على كل ما يعتمل في الوضع العراقي من مساويء ومفاسد واخفاقات نتجت عن عملية سياسية لم تنجح خلال 16 عاما في تقديم اية حلول للمشكلات الاجتماعية المتفاقمه قبلها وخلالها او اي شيء مقنع للمواطن يمكن ان يريه بصيص امل في نهاية النفق المظلم الذي بدا وكأنه ليل طويل بلا صبح ملأ النفوس احباطا ومرارة وغضبا متفاقما لا يجد الامكانية لان يتحول الى فعل تغيير جاد وشامل او على الاقل فعل تعديل لمسار يكاد يقود العراق والعراقيين من كارثة !
لكن زخما غير محسوب ، لمعظم هؤلاء المترددين والمشككين ، بل وعامة الناس ، جرف بتياره القوي كل تلك الشكوك والمخاوف ، اذ انخرط في حركة التظاهر المئات ثم الالوف من الشباب منذ ايامها الاولى وكأنهم كانوا ينتظرون اشارة البدء، الوف من الشباب ليس المتعلم والمتنور او الناشط سياسيا بل وشباب من فئات عمرية صغيرة كان بعيدا بالفعل عن مناخات النشاط السياسي حتى الان ، خصوصا وان الشباب كانوا اكثر فئات المجتمع معاناة من الوضع القائم ومن انسداده وعدم عنايته باية حلول ، وكان طبيعيا جدا ان تحظى هذه الحركة بتعاطف قطاعات اجتماعية واسعة رأت فيها تعبيرا عما تريد وتتطلع اليه ، وفي مثل هذه الاجواء ، ايضا ، كان طبيعيا ومتوقعا ان تزج جهات كثيرة بقوتها في هذا الاحتجاج المتصاعد وان تنبري لركوب موجته والادعاء بفيادتها او تنظيمها له ...
كتبتُ في اليوم الثاني للتظاهرات (2تشرين الاول )، وحينما كان البعض ، من شخصيات وقوى ، يقف مترددا بازائها ويتسائل عن مغزاها ولحظتها والجهات التي دعت لها :" هذه هي التظاهرات الأخطر ، لأنها الأكثر صدقية والأقرب الى نبض الشارع الشاب الذي يعاني من الأزمة العراقية المستعصية اكثر من غيره ، ولأنها بلا كُهاّن من اي نوع ، وذلك لا ينفي كثرة المتصيدين والمتربصين طبعا ، وعلى طريقة التعامل معها سيتوقف الكثير مما هو قادم !"
وكتبت في نفس اليوم : " الشباب اليائس الذي ليس لديه ما يخسره هو أخطر شحنة اجتماعية انفجاريه ... والنخبة السياسية الأكثر بعدا عن الشعور بالمسؤولية والتي صُنعّت من مواد جيء بها من القمامة هي الأكثر جهلا بطريقة ادارة الصراع بطريقة كيّسة وآمنة ..." ، وبالفعل ولأنها لا تملك قابلية ادارة ازمات او عقلية تقديم حلول فقد بادرت هذه النخبة ، الى ارتكاب مجزرة يوم 6 تشرين الاول راح ضحيتها العشرات من الشباب الغض ، الأمر الذي حفز واطلق تعاطفا شعبيا واسعا مع الاحتجاجات وحولها الى انتفاضة شبابية شعبية بالفعل !
لقد عجزت السلطة عن اجراء تحقيقات مهنية مقنعة يمكن ان تنتهي الى تشخيص متهمين فعليين يمكن تقديمهم الى المحاكم عن ذلك العنف المفرط ، كما فشلت فشلا ذريعا على الصعيد الاعلامي بشأن توضيح مجريات ووقائع وملابسات هذا الامر وعن مجاراة او رد سهام ما يوجه اليها من اتهامات ، ولعل ذلك يعود بالدرجة الاولى الى كونها لم تصبح نظاما سياسيا حقيقيا يتبنى مواقف سياسية واجتماعية محددة ينتج عنها تحمل لمسؤولية الفعل وطريقة محددة لادارة الامور واسلوب معين لادارة النزاع وبقيت كما كانت منذ البدء " عملية سياسية " ، كما سميت ، دون ان تكون سياسية بالفعل ، وانما هي حلبة صراع مفتوحة لفرقاء مختلفين في كل شيء ولا يجمعهم سوى التنازع على المغانم ومحاولة الاستحواذ على اكبر حصة منها دون كبير مبالاة باية وسيلة يتحقق ذلك ودون اهتمام حقيقي بالدولة العراقية والمجتمع العراقي ، على الاقل الى الحد الذي يؤمن لهم المركب الذي يركبون ويؤمنه من الغرق ، ودون ان تفضي هذه العملية ، بعد 16 عاما الى بلورة نظام سياسي بالفعل كما كان مؤملا ، بل على العكس تماما ، فقد انتهت الى السير في طريق التحلل الذي لا يشملها فقط وانما بات يلقي بظلاله المرعبة على الدولة العراقية والمجتمع العراقي ككل !

(للحديث صلة .....)

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي