الإمبريالية تطورها و صراعها الإستعمارى (الحلقة الخامسة)

عمرو إمام عمر
2020 / 1 / 21

صعود البورجوازية و تطور الفكر السياسى


صراع الأقطاع و المدن البورجوازية
فى الحلقة الثالثة من السلسلة تعرفنا على المدن البورجوازية التى بدأت فى القرن الثانى عشر ، و يقول المؤرخ الألمانى أوتو فريزنج1 Otto Freising المعاصر لتلك الفترة فى هذا الصدد بعد رصده لتلك المدن خاصة فى الشمال الإيطالى إن مجتمعات المدن توقفت عن ان تكون أقطاعية و أنه بات يندر وجود نبيل أو عظيم فى الأرض المحيطة بها لا يعترف بسلطة المدينة ، و الذى فاجأه اكثر هو الحياة السياسية التى أصبحت متناقضة مع ما هو كان مألوفاً ، فالأفتراض الشائع إن الملكية الوراثية هى التى تشكل السلطة الصحيحة للحكم ، إلا إن المدن تحولت إلى جمهوريات مستقلة ، تحكم كل جمهورية منها بإرادة قناصل لا ملوك و يتغييرون كل عام تقريبا ، بغية التأمين على حرية الشعب بحمايته من شهوة السلطة لدى القناصل …

خلال النصف الثانى من القرن الثانى عشر حدث تطور آخر مهم ، أُبطل حكم القناصل و استبدل بحكم إنتخابى عرف بأسم البودستا Podesta ، حيث يُنتخب الحاكم من خلال أنتداب شعبى ، و بمشورة مجلسين الأول و هو الأكبر عددا يتشكل تقريبا من ستمائة عضو ، و الثانى و هو الأكثر قربا للحاكم لا يزيد عادة عن أربعين عضو ، إلا أن الحكام كان بمثل الموظف فلم يكن حاكم مستقل ، فمدة خدمته محدودة لا تزيد عن ستة اشهر ، لا يملك سلطة اصدار قرارات سياسية و هو ملزم طول فترة حكمه أن يكون مسئولا أمام المواطنين ، و يخضع فى نهاية مدته للتدقيق لأعماله و أحكامه ، أنتشر هذا الشكل من الحكم خاصة فى نهايات القرن فى شمال إيطاليا و بالرغم من أنها كانت قانونيا تعتبر تابعة للأمبراطورية الرومانية المقدسة إلا أنها فى الواقع كانت مستقلة …

الحرية السياسية بين السلطة الكنسية و القانون
أصبح مصطلح ”الحرية السياسية و الحكم الذاتى“ خلال تلك الفترة له وقع مهيمن على الفكر السياسى الايطالى و أنتقل بالتالى إلى أنحاء كثيرة فى أوروبا ، و اصبح الشغل الشاغل للمفكرين ماذا بعد الحكم الملكى ؟ ، خاصة و أن المدن باتت تهزأ من سلطة الأمبراطورية خاصة و أن مدن الشمال الأيطالى قد فاقت ممالك و أمبراطوريات من حيث الثروة و السلطة ، هذا وضعها مطمعاً للآخرين ، و من اهمهم فرديرك بارباروسا الأول2 الذى حاول فرض سيطرته على المدن و الأمبراطورية الأيطالية الرومانية و نجح فى فترات فى فرض سيطرته على أيطاليا حتى لبق بملك المانيا و ايطاليا ، إلا أنه هزم عام 1176 فى معركة لينانو Legnano و اضطر للتسوية الذى أنتهى بتوقع اتفاقية سلام عام 1183 ، ليتخلى تماما عن التدخل فى الحكم الداخلى للمدن …

خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر حاول فردريك الثانى عام 1235 إعادة السيطرة على المملكة الأيطالية داعيا و مهددا الأيطاليين بالعودة و الدخول فى وحدة الأمبراطوية ، و نجح فى البداية فى فرض أرادته على المدن و استولى على عدد منها ، إلا إن المدن التى حافظت على أستقلالها تحالفت ضده و نجحت فى هزيمته عام 1248 فى مدينة فيتوريا Vittoria و استطاعت بعد ذلك تحرير باقى المدن بعد وفاة فردريك الثانى عام 1250 …

إن الصراع الذى خاضته المدن البورجوازية ضد الأطماع الأمبراطورية الألمانية جذر فكرة الحرية السياسية و الحكم الذاتى ، فكان صراعهم ضد الغازى الألمانى على اساس مبدئين : -
* الأول الحق فى أن يكونوا احرار من من أى سيطرة خارجية على حياتهم السياسية
* الثانى هو حقهم فى حكم أنفسهم و دفاعاً عن دساتيرهم الجمهورية

دخلت المدن الإيطالية صراع آخر مع البابا فى روما و الذى حاول فرض نفوذه على المدن فبدأت مدينة لومبارديا مقاومتها لأطماع البابا و أنضمت لها تباعا عدد من المدن و اشتعل الصراع حتى إن مدينة بادو جردت كهنة الكنيسة من الحماية القانونية ، و اندلعت ثورة عارمة فى مدينة أورفييتو ضد الإدارة الباباوية ، و فى فلورنسا ثارت الجماهير ضد الحصانة القانونية التى يتحصل عليها كهنة الكنيسة ، بل و ثاروا على سلطة الأمبراطور الرومانى ليهدموا الأعتقاد الزائف بإن سلطة الأمبراطورية تعتمد على سلطة الكنيسة …

بدأت تظهر كتابات تنتقد السلطة الكنسية و من أهمها ما كتبه الأديب و الشاعر الإيطالى الفلورنسى دانتى اليجييرى Dante Alighirei فى ملحمته الشعرية”الكوميديا الإلهية“ باقسامها الثلاثة الجحيم و المطهر و الجنة ، طرح دانتى فى ملحمته إن الحل فى الشخصية القانونية للحاكم ليس رضا الكنيسة ، و قد برهن على ذلك بإن على الكنيسة أن تقبل حاكم كلى واحد إذا أرادت التوصل إلى حل للأضطرابات التى قد تطيح بالدولة الإيطالية …

كان من الواضح أن ما طرحه دانتى لم يكن حلاً مغرياً للمدن الكبرى مثل لومبارديا أو توسكانيا ، فإذا كان هذا الحل قد يخلصهما من تدخلات البابا و الكنيسة ، و لكنه فى نفس الوقت يجعلهما تابعتين للأمبراطورية الرومانية المقدسة ، و بهذا استبعد حل دانتى ، ليأتى الباحث و السياسى مارسيليو Marsiglio الذى طرح حلاً من خلال بحثه المعنون المدافع عن السلم The Defender of Peace حاول من خلاله أن يوفر الخلفية الايديولوجية التى كانت المدن الإيطالية فى اشد الحاجة إليها للدفاع عن حريتها ضد البابا أو الأمبراطورية الرومانية …

كان رأى مارسيليو يعتبر ثورياً فقد هاجم الكهنوت الكنسى كله و أعتبره سلطة قمعية ، عارض طلب البابا بالحفاظ على أمتيازات الكنسيين بالأعفاء من الضرائب و الأعشار ، بقوله إن طلب البابا يؤلف عكسا كـاملا لتعاليم المسيح بأن نعطى ”ما لقيصر لقيصر و ما للدين للدين“ ، و حق الإعفاء من الضريبة ليست من الدين فى شىء ، كذلك عارض طلب الكنسيين من الكهان الإعفاء من سلطة المحاكم المدنية و أن يكون لهم الحق فى التدخل فرض القوانين ، و قد رجع مارسيلوس هنا إلى الفصل الثالث عشر من رسالة القديس بولس الذى افاد إن يخضع الجميع إلى السلطات العليا و أن الكنيسة ليست فى استطاعتها أن تطلب بمعاملة خاصة فى المحاكم لإن البشر متساويين بدون إستثناء ، كما أكد على إن المسيح قد تعمد منع رسله و تلاميذه من ممارسة أى سلطة او حكم دنيوى ، و بهذا فإن الكنيسة التى أسسها المسيح لا يمكن إعتبارها كيانا ذو سلطة سياسية أو قانونية ، هى فقط تمثل المؤمنين الذين يؤمنون بالمسيح و لا تحمل أية سلطة عليهم خارج الكنيسة …

هذا النقض الشديد الذى مارسه مارسيليو لسلطة الكنيسة كان يعتبر فريدا من نوعه فى فكر العصور الوسطى ، بل أنه لم يكتفى بذلك بل مارس هجوما على مفهوم السلطات الكاملة التى يدعيها البابوات فقال ”عندما ينسب بطريرك رومانى أو أى بطريرك آخر لنفسه الكثير من السلطة على أى حاكم أو فرد ، فإن مثل ذلك الأدعاء غير صحيح و خاطئ ، و هو يتعدى نصوص الكتاب المقدس و الأدلة الإنسانية“ ، كما أعترض مارسيليو على مفهوم الملكية البابوية بضرورة تفعيل مبدأ الوفاق الذى افاد إن السلطة التنفيذية فى الكنيسة ليست عند البابا و إنما هى فى المجلس العام لجميع المسيحيين ، بما فى ذلك من هم ليسوا بكهنة ، كما هاجم منزلة البابوات العليا التى تضعهم فى مرتبة فوق السلطات المدنية و فوق القانون ، و بهذا تحولت السلطة إلى المشرع القانونى و السلطة التنفيذية القائمة عليها ، و طالب بأن تصبح سلطة تعيين البابا ضمن سلطات المشرع القانونى الذى وحده يملك الحق فى ذلك ، كما طالب بتقليص سلطات البابا الكثيرة لتنقل إلى المجلس العام للكنيسة …

و بهذا وضع مارسيليو بذرة التخلص من السيطرة الكنسية على السلطات الحاكمة خاصة فى المدن البورجوازية المتمتعةبالحكم الذاتى ، لتصبح السلطات الحاكمة بها هى صاحبة الحق الوحيد و الكامل فى تشريع القوانين و الحكم بها ، بهذا تستقل المدن بشكل كامل عن سلطة الكنيسة و البابا …

إنهيار الجمهوريات و صعود الطغاة
لم تعش طويلا شجرة الحرية التى شهدتها المدن الإيطالية ، فمع نهاية القرن الثالث عشر مزقت الإنقسامات الطبقية المدن من الداخل ، فالصعود المتسارع للطبقة البورجوازية الجديدة ، فى وقت حافظت فيه الارسترقراطية التقليدية على مكانتها السياسية داخل المدن و سيطرة على المجالس الحاكمة بها ، فشهدت المدن صراع مرير بين هؤلاء التجار المسلحين بالثروة و الطامحين بمكانة سياسية ، فى المقابل الطبقة الأرستقراطية تقاوم بشدة للحفاظ على الأمتيازات الاوليجاركية .

تجلى هذا فى مدينة فلورنسا عام 1293 فقداستطاع مجلس التجار السيطرة على السلطة الحاكمة فى المدينة و أخرج حزب الأسر المشكل من نبلاء المدينة و ارستقراطيتها ، و قام بوضع دستور جديد أقصى اسر النبلاء من منصب الحكم مما شجع البورجوازيات فى المدن الإيطالية الأخرى أن تتبع نفس الطريق ، فدخلت المدن الأيطالية بصراعات فى غاية العنف و الشراسة ، ففى مدينة فيرونا Verona دخلت جماعة البوبولانى3 فى صراع ضد الأرستقراطية المسيطرة على حكم المدينة أعتراضاً على أستبعادهم من الحكم4 ، أستمر هذا الصراع عشرين عاما لتنتصر جماعة البوبولانى فى النهاية و تحكم سيطرتها على السلطة فى المدينة …

و استمر الصراع داخل المدن بين البورجوازي و النبلاء حتى نهاية القرن الثالث عشر ، و لم يكن هذا الصراع مجديا لأى من الطرفين و بعد أن احسوا إن السلطة قد تهرب من بين أيديهم إلى العامة اللذين تململوا من هذا الصراع و بدأت تلوح فى الأفق ملامح ثورة للعوام ضد الطبقات العليا بسبب الفوضى التى اثرت على حياتهم بشكل كبير ، أتفق الغريمين أنه إذا أرادوا الحفاظ على وجودهم إن يمتثلوا إلى القبول بحاكم قوى من ايا منهما بدلا من الحرية الفوضوية ، ليبدأ عصر جديد فى حكم مدن الشمال الإيطالى متمثلا فى حكم شخصية قوية تتوارث سلالتها الحكم ، قال عنها الشاعر الفلورنسى دانتى أليجييرى ”جميع المدن الإيطالية صارت فى ذلك الزمن ملأى بالطغاة“ ، بهذا التغيير أنتهى حكم الجمهوريات و ساد حكم السادة Signori ، هذا التحول الكبير جاء سهلا يسيرا بعد الأرهاق الذى شهدته المدن الإيطالية من الحروب و الأحقاد و عدم الأستقرار السياسى ، و أصبح التأكيد على السلام و الأستقرار فى مقابل الحريات ، فحكم السادة أكثر أستقرارا من حكم الجمهوريات …

لكن تلك النقلة استطاعت بعض المدن القليلة أن تنجو منها و تمثل بها وعياً ذاتيا لقيمة الأستقلال السياسى و الحكم الجمهورى مثل مدينة ميلان ، بادوا ، و فلورنسا حيث قام العامة و معهم بعض البورجوازيين فى مقاومة صعود الطغاة و حافظوا على نظام الحكم الجمهورى و استقلالية مدنهم …

المدن المستقلة و تطور الفكر السياسى
كانت المقاومة التى قادتها المدن الأيطالية ضد الكنيسة من ناحية و ضد السلطة الأقطاعية و أخيرا سلطة الأسياد ساعدت فى بلورة فكر سياسى جديد مخالف للأعراف و التقاليد المعروفة فى العصور الوسطى ، و نشأت مدارس سياسية فكرية تناقش الأفكار السياسية بشكل مغاير لما هو معتاد ، ساعد ذلك التطور الذى شهده فن كتابة النثر الأدبى ، فبعد أن كان الهدف الرئيسى منه هو إعداد الطالب و تنمية قدراته على إعداد الرسائل العلمية ، و كتابة الوثائق الرسمية ، اصبح أكثر شعبية على ايدى مناصرى المدرسة الفلسفية و المذهب الإنسانى لتظهر على السطح أفكار ”المدرسة السكولاستيكية“ التى أنتهجت منهجاً نقديا فى قالب مسيحى الوهى ، و بلغت اقصاها على يد”توما الأكوينى“ …

تأثرت السكولاستيكية بشكل كبير بافكار ارسطو خاصة نظرية الأخلاق السياسية التى كانت على نقيض من نظرية القديس أوجستين السائدة فى تلك الفترة و التى صورت المجتمع السياسى بأنه نظام مقدر إلهياً و مفروض على البشرية كعلاج لخطاياها ، كان ارسطو على العكس فهو يعتبر الدولة المدنية هى خلق بشرى صممت لتحقيق غايات إنسانية صرفة ، كان طرح ارسطو للحياة السياسية اكثر حداثة و طبيعية و علمانية من طرح أوجستين ، و لكن تلك الأفكار واجهت الكثير من الشجب و النقد ، وجرت محاولات عدة للتوفيق بين الرؤية الأرسطية و الأفتراضات المسيحية الأوجستينية ، و كان الدومنيكان أكثر المناصرين لعملية التوأمة بين أفكار أرسطو و أوجستين على العكس من الفرانسيسكان الذين تمسطوا بافكار أوجستين ، و كان أعظم المدافعين عن الفكر الجديد هو القديس توما الأكوينى الذى حاضر فى جامعة باريس شارحا تلك الأفكار ، بالأضافة إلى كتابه ”خلاصة اللاهوت“ الذى أعتمد كليا على فكر ارسطو الأخلاقى السياسى و ناقش فى الكتاب بشكل أساسى كيفية تكييف أفكار ارسطو فى القانون و فى المجتمع المدنى …

استكمل الدومينيكانى بارتولوميو لوقا Bartolommeo of Lucca الذى أشتهر بأسم بطليموس كتاب توما ”حكم الأمراء“ ، الطريف أنه تم الأعتقاد لسنوات طويلة أن الكتاب قام بتأليفه كله توما ، و لكن الحقيقة إن توما الف الجزء الأول و بعض من الجزء الثانى و استكمل بعد ذلك بارتولوميو الجزء الثانى و كل من الجزئين الثالث و الرابع ، لذا أعتبر أنه أهم فيلسوف سياسى أدخل المذهب الأرسطى فى ايطاليا …

التزم تلاميذ المدرسة السكولاستيكية بمبدأ الأستقلال السياسى و الحكم الذاتى ، و طالب مفكريها بأن النظام الذى يجب أن يسود بعد طرد الملوك هو النظام الجمهورى ، و إن هذا الشكل هو الأكثر ملائمة للمدن الإيطالية ، و انتقدت بشدة الأفتراض الأكوينى بأن النظام الملكى هو افضل أنظمة الحكم و هو الرأى الذى ألتزم به بارتولوميو لوقا ، و إن كان الأكوينى قد ميز ما بين الحكم الملكى و نمط الحكم الأستبداداى ، على اساس إن الحكم يجب أن يدار بواسطة القانون و بالنيابة عن الشعب ، بينما أتباع المدرسة السكولاستيكية برهنوا إن النظام السياسى المنتخب يجب أن يكون مفضل دائما ، هذا التفضيل للمذهب الجمهورى دفع السكولاستيكيون إلى أعتبار الزمن الجمهورى لا الزمن الأمبراطورى هو عصر تفوق روما العظيم ، و برغم هذا الجدال الفكرى لم يمنع أعجاب بارتولوميو لوقا بالنظام الجمهورى و نظام الإنتخابات السنوية لجميع المناصب الرئيسية ، لكن من الواضح إن الأضطرابات السياسية التى مرت بها إيطاليا كان لها تأثير كبير على آرائه و رؤيته الفكرية و تأثره بما قاله مكيافيلى عن الحالة التى وصلت إليها إيطاليا فى تلك الفترة قائلاً : ”إن إيطاليـا تضرب اليوم بعنف من جميع الجهات بسبب النزاعات ، و قد تحطمت تقريبا ، فبات يمكن بسهولة غزوها من كل من يرغب فى أحتلالها“ ، تلك الأضطرابات و الصراعات السياسية هى التى دفعت بارتولوميو لوقا للتمسك بالحكم الملكى على اساس أنه الأكثر أستقرارا و سيحد من النزاعات التى شهدتها المدن بسبب الأنقسامات الحزبية المتطرفة و الصراع بين الطبقة البورجوازية الصاعدة و النبلاء الأرستقراطيين ، لذا كان دائما ما يركز فى كتاباته عن السلام و الوحدة أنه السبيل للاستقرار و المنعة …

أخذ الجدال الفكرى فى تلك الفترة منحى آخر جديدا على الفكر السياسى التقليدى و هو مفهوم السلطة العليا فى التشريع ، فقد رأى بارتولوس و هو احد مفكرى المدرسة السكولاستيكية إن المواطنين هم اللذين يختارون موظفيهم الرسميين ، لذا فإن أى حق فى أصدار الأحكام من قبلهم هو حق موكل لهم من جسم الشعب ذاته ، و أنه ليس بمعنى أن الشعب نقل حق ممارسة السيادة إليه فلا يمكن أعتباره بالمعنى الطلق و لكنه نسبى و لوقت محدد ، فالسلطة فى جميع الأوقات يجب أن تبقى قى يد الشعب ، فهو الذى يراقب حكامه و له حق أزاحتهم بإرادته ، و إن أى تشريع بقانون يجب أن يكون بموافقة الشعب ، لذا بقى الحاكم المعين من قبل الشعب خاضعا للمراقبة و الأشراف من قبل صاحب السيادة الأصلية و هو الشعب …

و قد وضع كل من المفكرين مارسيليو و بارتولوس ثلاثة كوابح تفرض على جميع الحكام : -
الأول : أنه لحماية الحياة المدنية يكون الأفضل للمصلحة العامة أن يسمى كل ملك أو حاكم فى أنتخابات جديدة و ليس عن طريق التعاقب الوراثى ، لأن السلطة يجب أن تنتقل دائما عبر الإرادة الحرة ، فالحكام أو الملوك الغير منتخبين يحكمون مواطنين أقل حرية.
الثانى : عدم السماح للحاكم بأكثر من الحد الأدنى من حرية التصرف فى إدارة و تنفيذ القانون ، و مفادها أنه لا يكفى إنتخاب إنسان يبدوا أنه سيكون حاكما مناسبا أن يحكم وفقا لأختياراته و تصرفاته الحرة ، فذلك معناه ترك الباب مفتوحا لإمكانية تحوله إلى طاغية صامت أو مستتر ، لذا عليه أن يحكم وفقا للقانون فقط و ليس لأرادته الشخصية.
الثالث : وضع نظام يفرض مجموعة من القواعد و الضوابط على الحكام و الموظفين الرسميين لضمان بقائهم ملبين لرغبات المواطنين الذين أنتخبوهم ، و وضعوا لذلك تصورا لبناء هرمى للحكم قاعدته الأساسية ارادة الشعب ، أما قاعدة النظام فيوفرها المجلس العام المنتخب من جميع المواطنين ، و ينتخب هذا المجلس بعدئذ مجلساً أصغر ينعقد من قبل الموظف الأعلى فى الحكومة ، و تعين هذه المجموعة الموظفين الذين تكون هناك حاجة إليهم لتنفيذ النواحى التقنية للحكم.

كان استهداف مارسيليو و بارتولوس من تلك النظرية التى أطلق عليها نظرية ”السيادة الشعبية“ تقديم طريقة عبقرية فى المحاججة ضد المدافعين عن الحكام الطغاة أو عن الملكية المطلقة ، فالنظرية سلمت بأن القيمة الأساسية فى الحياة السياسية هى الحفاظ على السلام بدون تناقض مع الحفاظ على الحرية و إن الحفاظ على السلام اصبح فى يد الشعب كله و ليس فى إرادة حاكم مستبد ، و قد لعبت تلك النظرية دورا كبيرا فى تشكيل المذهب الدستورى الحديث الذى وضح تأثيرها على كثير من مفكرى العصور اللاحقة ليبدأ عصر جديد تنقضى فيه صفحة العصور الوسطى بكافة افكارها التقليدية و يبدأ عصر جديد مناقض للقديم بسمات جديدة يلبس عباءة الثورة فى أحيان دفعها إليه ليس فقط صراعات سياسية تقليدية و لكن تناقضات طبقية عنيفة بدأت تظهر آثارها على المجتمعات الأوروبية ، فبات الجدل السياسى يبحث عن مزيد من الحرية فى مقابل الديكتاتوريات الملكية الطاغية و مزيد من العدالة الأجتماعية مقابل الصرعات الطبقية الصاعدة ...



___________________________________
هوامش
1) رجل دين و فيلسوف و مؤرخ المانى ولد فى كلوستربيورج فى 22 سبتمبر 1158 ، الابن الخامس ليوبولد الثالث مارجريف النمسا ، على يد زوجته أجنيس ، ابنة الإمبراطور هنري الرابع من جانب زوجها الأول ، فريدريك الأول من هوهنشتاوفن ، دوق شفابيا ، كانت أجنيس والدة الملك الألمانى كونراد الثالث ، و كانت جدته شقيقة الإمبراطور فريدريك إوتو ، جوديث أو إيتا ، متزوجة من ماركيز ويليام الخامس من مونتفيرات و هكذا كان أوتو مرتبطًا بأقوى العائلات في ألمانيا و شمال إيطاليا ، درس فى باريس ، حيث اهتم بشكل خاص بالفلسفة . يقال إنه كان من أوائل من أدخلوا فلسفة أرسطو إلى ألمانيا ، و شغل مانصب عدة فى النمسا.

2) فريدريك الأول بربروسا ولد فى 1122 بمدينة فاينجرتن ، تم انتخابه ملكا على ألمانيا بمدينة فرانكفورت فى مارس عام 1152 ، وتوج ملكا على إيطاليا فى بافيا عام 1154،أستمرت فترة حكمه 38 سنة ، فى هذه الفترة كانت المملكة الألمانية بالغة الضعف بسبب الحرب الأهلية ، دخل فى خلاف مع البابا هادرين الرابع مما جعله يرفض تتويجه أمبراطورا إلا إذا أظهر التبجيل و الأحترام للمنصبه المقدس ، بعد وفاة هاردين أعترف فردريك بصلاحيات البابا و أعاد للكنيسة ما تم إنتزاعه من أملاك ، فوافق البابا الكسندر الثالث على منحه لقب أمبراطور رومانى مقدس ، شارك فى الجروب الصليبية مع الملك الأنجليزى ريتشارد الملقب بقلب الأسد ، و لكنه قضى نحبه غريقا فى نهر كاليكادوس بسبب سقوطه من على جواده و ثقل الدروع الأسلحة التى كان يرتديها

3) البوبولانى Popolani هو ما أطلق على جماعة التجار الإيطاليين الجدد الصاعدين فى القرون الوسطى

4) هذا الصراع صوره الأديب الأنجليزى وليم شكسبير فى مسرحية روميو و جوليت ، فالمسريحة تدور فى مدينة فيرونا بين عائلتين ينتمى فيها الحبيب روميو إلى إحدى اسر النبلاء ، و الحبيبة جولييت إلى إحدى اسر الطبقة البورجوازية الجديدة و الصراع بين العائلتين و هو إنعكاس للصراع السياسى الذى شهدته المدينة و إن لم يشر شكسبير إلى هذا الأمر بشكل مباشر و ترك الأمر مفتوحا بأنه صراع بين العائلتين من قديم الأزل غير معروف أسبابه



المصادر

• كوينتن سكنر - أسس الفكر السياسى الحديث فى عصر النهضة – الجزء الأول- ترجمة حيدر حاج إسماعيل – المنظمة العربية للترجمة الطبعة الأولى 2012
• هربرت فيشر- أصول التاريخ الأوروبى الحديث – ترجمة د. زينب عصممت راشد ، د. أحمد عبد الرحيم مصطفى ، مراجعة د. أحمد عزت عبد الكريم – دار المعارف المصرية الطبعة الثالثة 1970
• نيكولاس بولانتراس - السلطة السياسية و الطبقات الأجتماعية – ترجمة عادل غنيم – دار الثقافة الجديدة 1982
• جون ر. بورر ، ميلتون جولدينجر - الفلسفة و قضايا العصر- الجزء الأول – ترجمة أحمد حمدى محمود – الهيئة المصرية العامة للكتاب سلسلة الألف كتاب الثانى 1990
• مجموعة مؤلفين - تاريخ الآداب الأوروبية (النهضة – الأنوار – الرومانسية) – ترجمة صياح الجهيم – الهيئة العامة السورية للكتاب 2013
• رونالد سترومبورج – تاريخ الفكر الأوروبى الحديث – ترجمة أحمد الشيبانى – دار القارىء العربى الطبعة الثالثة 1994
• ياكوب بوركهارت – حضارة عصر النهضة فى إيطاليا – المجلد الأول – ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد – المجلس الأعلى للثقافة 2005

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول