مقاربة من أجل فعالية الطاقم الحكومي

رابح لونيسي
2020 / 1 / 16

وقعت الديمقراطية الناشئة في تونس في أزمة خانقة بعد رفض البرلمان للحكومة المقترحة لحسابات سياسوية حزبية ضيقة جدا، وقد أكد لنا ذلك مرة أخرى بأن ما طرحناه من نظام سياسي وإجتماعي في كتابنا"النظام البديل للإستبداد- تنظيم جديد للدولة ولإقتصاد والمجتمع-"، والذي حاولنا الترويج له وتبسيطه بواسطة عدة مقالات كفيل بالخروج من الكثير من مآزق الأنظمة السياسية السائدة في عالم اليوم، والتي تدفع إلى عدم الإستقرار بما فيها الأنظمة البرلمانية كإيطاليا مثلا، نعتقد أن ما طرحناه هو النظام الأكثر فعالية وتمثيلا للشعب وخدمته، لكن النخب المسيطرة للأسف الشديد وحتى التي تريد أخذ مكانها فقط لاغير لاتريد طرح أي أنظمة سياسية بديلة خوفا على مصالحها، كما وقعت الشعوب أيضا للأسف في لعبة هؤلاء الذين يفضلون لها عدم الإهتمام بالبدائل التي تخدمها، وتدفعها عمدا إلى الغوغائية مفضلة نخب تصرخ وتنتقد دون أن تمتلك أي فكر سياسي أو بدائل أو مشروع سياسي، فكل ثورات منطقتنا فشلت بسبب عدة عوامل كإستمرارية العصبيات التي تظهر كلما وقعت ثورة، ويوظفها الإستبداد لإجهاضها، ومن هذه الأسباب أيضا ضعف الفكر السياسي، بل إنعدامه أصلا، وسجنت الشعوب نفسها في أنظمة سياسية ثبت عجزها في بلدانها أصلا، كما ينقسم المجتمع حول نماذج سياسية كلها غريبة عنها سواء مكانيا أو زمنيا لاتتماشى مع العصر مما يؤدي إلى صراع أيديولوجي حاد يقضي على الثورة في النهاية، وسنحاول في هذه المقالة البسيطة إعطاء رؤيتنا وطرحنا للسلطة التنفيذية كما طرحناه في كتابنا "النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-"، وذلك بشكل مبسط كي نثبت أنه لو أخذ به لما وقعت تونس في أزمتها أو غيرها من الأنظمة السياسية.
أن تطبيق مبدأ سيادة الأمة ليس فقط معناه إدلاء أصحاب الأمر برأيهم في قضايا تخصهم، فمن حقهم أيضا اختيار من يولونهم الأمر في كل المستويات، فالشعب له الحق في اختيار كل أعضاء حكومته ورئيسها، مثلما لعمال مؤسسة اقتصادية أو تربوية أو ثقافية وغيرها الحق في اختيار مجلس الإدارة ورئيسها. لكن ما هي الشروط الواجب توفرها في أولي الأمر الذين توجب علينا طاعتهم؟ وماهي طريقة إختيارهم؟
توجه اليوم انتقادات حادة لطريقة اختيار القادة في الديمقراطيات الغربية، لأنها في الحقيقة لا تفرز الأفضل كما يعتقد الكثير، فالمرشحين الذين يعتمدون على الصراحة ومخاطبة العقل ينهزمون دائما أمام الذين "يعرفون كيف يستغلون العواطف ويحركون وسائل الإعلام"، هذا ما يتبين لإيف لكلرك Leclerc Yvesفي نقده للديمقراطية في الغرب من خلال استنتاجات أخذت من تعليقات محللين سياسيين، ومن دراسة عميقة لقوائم المرشحين الفائزين والخاسرين في العقدين السابقين في الغرب، ويرى أن كثيرا ما يتم في الغرب انتخاب الذي يستطيع ترك انطباع حسن أمام الكاميرات، خاصة منذ الستينيات من القرن20، فالإختيار اليوم لا يتم على أساس البرامج والاقتناع بقدر ما يتم على أساس الانطباع – حسب الصحفي المصري محمد حسنين هيكل- الذي يقول أن العمل السياسي اليوم أصبح "سياسة بالإكترونات... أو سياسة عن طريق خلق انطباع قبل توليد إقناع".فبناء على ذلك يمكن لنا القول أن السلطة اليوم ليست للشعب في اختيار ممثليه ومسؤوليه، بل تكمن في أجهزة الإعلام ومن يعرف استخدامها بشكل أفضل مستندا إلى علماء النفس والدعاية... وغيرها من الوسائل، ويقول لكلرك بسخرية " لكي تصبح رئيس دولة يكفي أن تتوفر فيك شروط أدنى بكثير من الشروط الواجب توفرها في طبيب أو محاسب" ، هذا ما يدفعنا إلى طرح مسألة شروط تولي المسؤوليات، وأن لاتكون مفتوحة لأي كان.
تعد الكفاءة العلمية شرطا أساسيا عند الترشح للمناصب العامة، فلا يسمح بذلك إلا للذين أبدعوا في المجالات العلمية والفكرية والعلوم الإنسانية، وبعبارة أخرى للتكنوقراط المبدع، وليس المنفذ فقط. وبوضع ميكانيزمات لتطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع نكون بذلك قد حفزنا المجتمع على العلم والمعرفة ليس فقط كعامل رئيسي للصعود الإجتماعي كما وضحناه في مقالات عدة، بل أيضا لتولي مناصب المسؤولية التي يجب أن لاتدر على صاحبه مكاسب مادية، بل يكتفي من يتولاها بأجره الأصلي فقط، فإن كان أستاذا جامعيا مثلا، فلتكن أجرته كمسؤول هي نفس أجرته كأستاذ جامعي، فبذلك نمنع تحويل مناصب المسؤولية إلى أداة لنهب عرق الشعب بواسطة أجور مرتفعة جدا كما يحدث عامة، كما يجب تطبيق مبدأ "من أين لك هذا؟" بصرامة على الجميع كي لايستغل المنصب للحصول على الرشاوي وللنهب الغير مباشر

إذا كانت هذه هي بعض الشروط الواجب توفرها في المرشحين للمناصب العامة في الدولة، فكيف تتم طريقة اختيارهم؟، إنها ليست ديمقراطية عملية إنتخاب رئيس دولة أو ممثلين للشعب في البرلمان ثم نفوض لهم الأمر في كل شيء، فنترك للرئيس المنتخب حقه الكامل في اختيار وزرائه ومساعديه، لأن عملية كهذه هي عملية انتخاب دكتاتور، ويبدو لنا أن الحل الأفضل هو انتخاب كل طاقم السلطة التنفيذية سواء كان على المستوى المركزي أو المحلي، ولهذا فعلى كل حزب سياسي أو تحالف أحزاب أو مواطنين تقديم قوائم حكومية مختلفة ينتخبها الشعب بالأغلبية المطلقة في دورين، وبالتالي يكون الشعب قد اختار كل الطاقم الحكومي الذي يسير الحياة العامة لمدة معينة وببرنامج معين له أهداف محددة، وتتم محاسبة السلطة التنفيذية عن مدى تطبيق برنامجها وتحقيق أهدافها في نهاية العهدة من طرف أجهزة خاصة ، لان الانتخاب عملية عقد بين الناخب والمنتخب، وإلا تعرض الطاقم المنتخب وحزبه لعقوبة صارمة مثل إقصائه نهائيا من ممارسة العمل السياسي لأنه نقض العهد، إلا إذا قدم أسبابا موضوعية لعجزه في تحقيق وعوده، وبهذا ستكون البرامج السياسية واقعية وعلمية بدل الديماغوجية والكذب والميكيافيلية كوسائل للوصول على السلطة.
فبهذا الشكل فقط سيظطر كل مترشح للرئاسيات إختيار أفضل طاقم حكومي يراه لأنه شرط لإنتخابه من الشعب.لكن السؤال المطروح ألا يمكن أن تكون السلطة التنفيذية في خدمة مصالح خاصة أو مصالح بعض الفئات، مما يطرح علينا مسألة الرقابة الشعبية لأعمال وممارسات السلطة التنفيذية؟
يبدو أن الشعوب في الغرب بدأت تبتعد تدريجيا عن النقاشات السياسية، كما ضعفت نسب المشاركة في الانتخابات العامة، ويعود ذلك في نظرنا إلى يأس هذه الشعوب من التغيير عن طريق الانتخابات، لأنه لا فرق بين ما تقوم به مختلف الأحزاب التي تصل إلى السلطة، وبأنه تنافس سياسي داخل طبقة برجوازية همشت أغلبية الشعب، بالإضافة إلى أن النظام سواء أكان رئاسيا أم برلمانيا، فإن الحكم الفعلي هو في يد هذه الطبقة البرجوازية التي تملك المال الذي يوصل إلى السلطة، ما دام المال هو عصب الحملات الانتخابية والإعلام في الديمقراطية الغربية، مثلما لا توجد للبرلمان أية رقابة فعلية على السلطة التنفيذية في الأنظمة البرلمانية، ما دامت هذه السلطة تنبثق من أغلبية البرلمان، فكيف يراقب برلمان حكومة منبثقة من أغلبيته ؟.
أما في النظام الرئاسي فنفس الأمر تقريبا إذا كان الرئيس يمتلك الأغلبية في البرلمان، وإذا كان لا يمتلكها فعليه إما حل البرلمان أو التعايش مع حكومة متنافسة معه، مما يوقع الدولة في جمود وانعدام الديناميكية، هذا ما يدفعنا إلى طرح إشكالية: كيف نوفق بين الحفاظ على فعالية السلطة التنفيذية وإبقائها في نفس الوقت في خدمة مصالح كل شرائح المجتمع دون استثناء لا خدمة طبقة أو فئة أو شريحة معينة تحت غطاء القانون أو منطق ومصلحة الدولة وغيرها من الحجج والذرائع الواهية التي تستخدم لإبقاء الإستغلال والسيطرة.

ما دام قد قلنا أن الحكومة أو السلطة التنفيذية بكامل أعضائها تنتخب مباشرة من طرف الشعب، مما يمنع أية ضغوطات على الرئيس المنتخب عند اختيار طاقمه الحكومي، ومادامت الأحزاب ينتهي دورها في ترشيح قوائمها للانتخابات والتنافس على السلطة التنفيذية على المستويات المركزية والمحلية، وبعبارة أخرى فإن الحكومة تكون من حزب واحد فقط، وما دامت الأحزاب السياسية يمكن أن تكون برجوازية منفصلة عن الجماهير، أو يمكن أن تمثل شرائح ضيقة فقط من المجتمع، فإن البرلمان من المفروض أن يتشكل من ممثلي مختلف مكونات الأمة والشرائح الاجتماعية والمهنية كالأطباء والعمال والمهندسين والأساتذة ورجال الأعمال أو أصحاب رؤوس الأموال في المؤسسات... وغيرهم، بل وحتى البطالين إن وجدوا في المجتمع، ويتم الانتخاب على هؤلاء الممثلين مباشرة من طرف الذين يمثلونهم –حسب عددهم ونسبتهم في المجتمع-، وليس عن طريق المؤتمرات كما يحدث اليوم لممثلي مختلف النقابات التي أصبحت مافيا متحالفة مع الكمبرادور في العالم الثالث ومع البرجوازية في المركز الرأسمالي، إن لم نقل أن دورها يتلخص في كبح العمال عن المطالبة بحقوقهم أو المتاجرة بهم لتحقيق امتيازات وراء أخرى.
وبهذا الشكل تتحقق الرقابة المباشرة من طرف ممثلي كل المجتمع دون استثناء أية شريحة منه على السلطة التنفيذية المنتخبة مثل أعضاء البرلمان، إلا أن قوة البرلمان تكمن في أنه يمثل كل الشعب أو المجتمع عكس الحكومة أو السلطة التنفيذية التي تمثل أغلبية مطلقة يمكن أن لا تتعدى في بعض الأحيان 51% من الشعب، مما يستدعي تقييد تصرفاتها بدقة، لأنه لا يمكن لـ 51% أن يفرض دكتاتورية على 49% المتبقين، وعلى هذا الأساس فإن للبرلمان رأيا قويا في القوانين التي تقترحها الحكومة، ولممثلي كل شريحة اجتماعية أو مهنية تمتلك حق الفيتو ضد أي مشروع قانون مرتبط بها أو يمس مصالحها مباشرة، حتى ولو صادق عليه كل ممثلي الشرائح الاجتماعية الأخرى، وفي حالة تناقض مصلحة الدولة مع مصلحة شريحة معينة من المجتمع أو وقع تناقض بين مصالح عدة شرائح اجتماعية حول مشروع قانون معين، فيمكن التفاوض بين الأطراف المختلفة والتنازل فيما بينها برضى كل الأطراف المتنازعة حول مشروع القانون .
كما يجب على هؤلاء الممثلين عدم الحصول على أي إمتيازات، وسيتقاضون نفس الأجور التي يتقاضونها في عملهم الأصلي، ويبقوا تابعين لنفس الشريحة الإجتماعية والمهنية التي يمثلونها كي تبقى مصالحهم مرتبطة بمصالح تلك الشريحة.
هذا جزء بسيط فقط حول مؤسسات الدولة التي نطرحها في نظامنا، لكن هذه المؤسسات الرقابية غير كافية دون الرقابة الإعلامية وكذلك العمل المستقل للمجتمع المدني وغيرها من المؤسسات التي فصلناها بشكل مستفيض في كتابنا "النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-".