هل يعيش القتلة سعداء؟

ساطع هاشم
2020 / 1 / 13

في لحظات يقظتي، انظر حولي فلا أجد سوى نفسي غارقة بالضباب ومحاطة بالغزاة
لقد ذهب الى الحرب وحيداً، متعَباً وثملاً، ذلك الجندي الاثول مدفوعاً بالسراب الجميل في ان يعيش وينام ويحلم، ليكتشف بعد فوات الأوان أكاذيب القدر الذي ما انقطع يوماً عن الصلاة لأجله حتى وهو ثمل، وبعد ان شاهد الدماء بالعراء غابت سكرته عنه بقية حياته القصيرة كلها، فقد ترك الجندي الاثول المخدوع خوذته واحلامه الذهبية بعد ان تم ظمه الى قافلة الموتى، غداة التوقيع على بيان المصالحة المؤقت الأخير، ليُترَك وحيداً بين أكاذيب القدر، دون ان يدري من سيعمل على شفاء الجراح التي تسببتها حروب القتلة والمستعمرين هؤلاء؟
فقد كانا يتحركان، يثوران، يتشاجران، ثم يتوعد أحدهما الاخر، وفي المساء تحت ضوء القناديل، يُصَبُ الزيت على النار وتذاع بيانات المصالحة، والاتفاقات المشبوهة وهم يضحكون ويمرحون بينما كنا نتوقع منهم بُكاءاً مُراً

أهذا اذن كل ما يتبقى؟

انتهت حفلة الصواريخ الايرانية التافهة بسقوط طائرة ركاب اوكرانية وقتل ركابها جميعا، وسقوط بضع جدران في حديقة احدى القواعد الامريكية في الرمادي، وزعيق فارغ تعودنا عليه منذ خمسين سنة واصابنا الغثيان من كثرة تكراره علينا في مجتمع البلاهة، وعالم البلهاء هذا الذي اسسه وخلقه رجال الدين وعصاباتهم المجرمة ولا أحد يدري اين يتجه بنا
اخبار المظاهرات والاضطرابات بالشرق الاوسط لا بداية ولا نهاية لها، حتى بات من الصعب ملاحقتها ومتابعتها والكتابة عنها وتدوينها ولو ضمن ملحوظات هامشية بائخة، فقد أصبحنا سجناء الاخبار السيئة، سجناء الرأي، سجناء انظمة العصابات الدينية السياسية الغدارة
اربعين سنة ونحن نقاوم وننتظر يقظة العقل لإزالة هذه الانظمة التي بلانا بها الاستعمار وما بعد الاستعمار
اربعين سنة والعالم الغربي يتقدم ويجرنا خلفه ومعه وفي كل منعطف تدور الدوائر ضدنا دائما، ثم لا شيء سوى قاتل يرث قاتلا، ومجرم يرث مجرما
اربعين سنة في مجتمع البلهاء والجهلة والتجهيل العمد والقتل العمد، واصوات فارغة من الصوت، وصحوات متأخرة خالية من اليقظة لا تقدم ولا تأخر، وجنود هاربين وقناصة في كل مكان
لم نسمع في عالم البلهاء ان نظاما عربيا او شرق اوسطيا واحدا قد استبدل بما هو أحسن منه، ولم نعرف غير القادة الانذال يحل أحدهم محل الاخر، وتستمر اللعبة وتتمدد المأساة
فهناك فاصل بين التقدم والتطور او لنقل مجازا بين عالم الاذكياء وبين عالم البلهاء هذا الذي ولدنا فيه والذين هم السواد الأعظم وغالبية سكان هذا الجزء من الكرة الارضيّة والذي يعيش به سكان الشرق كل يوم في سيرهم بالطرقات وبين الشجر، حيث القتلة والقناصين والمخبرين ودعاة الرذيلة والحروب الدائمة
الان وقد تقاعدنا عن العمل والملل فما الذي جاء؟ فاين وصلنا واين سنكون؟
هل تستمر الاعتصامات والمظاهرات بعيدة عن مقرات الخونة والقناصة واللصوص؟
هل يستمر الضجيج نفسه، بلا نتائج؟
ام اننا على ابواب

الغاء عقوبة الاعدام , الغاء التعذيب , الغاء العسكرة , الغاء الاغتيالات السياسية , الغاء العنف كحل للنزاع , اعادة الاحساس بالكرامة الشخصية للإنسان كفرد , ايقاظ الضمير الانساني , اعادة تربية الاجيال بالشعور الانساني , اشاعة المحبة والتعاون بالمجتمع , نهضة الثقافة والآداب والعلوم والفنون واطلاق التعليم الالزامي الى سن السادسة عشر وتطهير المناهج التعليمية من الفكر الديني الرجعي والشوفينية والعنصرية واطلاق حرية الرأي والتعبير واشاعة الامان في ميادين المجتمع وغير ذلك الكثير من القيم الانسانية العميقة التي دمرها البعثيون والقوميون والناصريون, ثم جاء رجال الدين والاخوان المسلمين السفلة بعدهم وسمموا عقول البشر بغيرها وقتلوا انسانيتهم في طريقة مبرمجة دنيئة مازالت مستمرة
فهل هؤلاء القتلة سعداء بما انجزوا؟
إذا ما لَبِسْتَ الدّهْرَ مُستَمتِعاً بِهِ تَخَرّقْتَ وَالمَلْبُوسُ لم يَتَخَرّقِ – المتنبي