نبؤتان

محمد ليلو كريم
2020 / 1 / 12

نبؤتان ..
أستمعت لصوتٍ عالٍ يُبشر بنهاية الولايات المتحدة الأمريكية على يد الله ، متوعدًا الدولة التي تشغل نصف قارة وتتمركز جيوشها في عشرات الدول وتفعل الأفاعيل الإقتصادية والثقافية والهوليودية بالعالم ، كل العالم ؛ بغضب سماوي سيُفرح المؤمنين ويغيض الكافرين ، ويؤكد على قرب ذلك اليوم .
لم تعد النبوءات محركًا للجماعات البشرية في تعاملها مع العالم والحياة ، وأقصد الجماعات التي أرتقت حتى عُدنا نسميها اليوم بالدول الراقية أو المجتمعات المتقدمة ، فالعالم المتقدم أرتقى تطورًا لأنه تحول الى الإعتماد على الحلول ، أي أنتهج طريقة للتعامل مع العالم والحياة عمادها البحث عن حلول تُحقق أثرًا ملموسًا عند مواجهة تحدي بشري أو حياتي ، وأن التحديات لا تقتصر على المخاطر البشرية ، فالأعاصير والزلازل والفيضانات والنيازك والفوضى المناخية وغيرها تحديات حقيقية لا تقل خطورة عما يمثله البشر على بعضهم من خطر ، ولكن النبوءة تُركز على خطر٠ ( الكفار ) و ( أعداء الله ) وبالمصادفة ظهر الأعداء كأرقى ما في المجموعات البشرية علمًا وحقوقًا وفي بقية المجالات ، وبالنسبة لي هذا يُمثل علامة استفهام تلتصق بها علامة تعجب بحجم الخلل الذي تُظهره مثل هكذا مُحركات ، مقدسة ، تدفع بمعتنقيها الى تجاهل موازين القوى ومقارنات القوة وعوامل الغلبة التقنية وتميز العدو علميًا وحقوقيًا منغلقين على مقولة واحدة غير مُفسرة عقليًا بشكل منطقي وعلمي تجعل من جيش المؤمنين قوة عسكرية بقيادة إله كامل الحكمة والعقل ، وجيش الكفار بقيادة شيطان جاهل متخلف ، وهذا تصور عجيب ، وعقيدة غريبة كل الغرابة .
لا أخفي عليكم ، يامن تقرأون مقالي ، أنني أكتب بتثاقل ، وإحباط ، وعدم رغبة ، وشعور مرير يلتهم كل ما أفهمه من منطق وتعقل وتصور عن العالم ومستويات الدول والمجتمعات ، ولكني أكتب ، على كل حال .
لنفترض ، يرحمكم الله ، أن كل أهل العقيدة أجتمعوا في ساحة الإحتفالات الكبرى ببغداد ومن ثم أنطلقوا في مراثون أنتهى بهزيمة اسرائيل وأمريكا وغرب أوربا ودول الخليج ، فماذا سيقدمون بعدها للعالم ، وللحياة ؟
تجتمع الأديان ، الإبراهيمية ، على فكرة تُحيل إنقاذ العالم والحياة الى قوة خارقة تتمثل في مُخلّص تدفعه قدرة الغيب الى عالم البشر ليحقق ما لا يمكن للبشر وأن اجتمعوا تحقيقه ، فالنبوءات الإبراهيمية في الكتب الثلاث وما نتج عنها من مرويات وتصورات درامية تقول بخلاص العالم - وهي تُقرر اولًا أن العالم في دوامات من الظلم والظلمات - على يد إنسان متصل بالله دون واسطة يحمل قوة الله وقدرته وفيض كماله فيُخلّص العالم من الظلم والظلمات بإمكانيات لم يبلغها البشر ، ولن يبلوغها ، فالمُخلّص هو الوحيد الذي منحه الله كل القوة والمُلك والمجد ، وله تخضع الدُنيا ونواميسها ، ويطأطأ له الكون ويمتثل لأوامره ، وبالتالي فالخلاص من حالات الضعف والهامشية منوط بذلك الذي لم يأتِ بعد ، ولا فرصة محتملة لبلوغ ما يبلغه من قِبل مجموعته الإيمانية وفرقته التي تعتقد به وتنتظره ، وهذا ما جاء في كتب الثلاثة الإبراهيميين .
لو أن منطقًا نافعًا تسيد أدبيات نبوءة الخلاص لصارت العقيدة الخلاصية طقس ذهني يُمارس بمعزل عن حركة العالم ، ولأقتصر الأمر على مراقبة العلامات والنُذر ، ولما تدخّل المعتقِد بالمنقذ بشؤون الدنيا بفرض عقيدته حركيًا ، ولكن ثغرة غير منطقية نفذ من خلالها المعتقد معتقدًا إنه حقق فتحًا مبينًا عابرًا من المُقدس الى المُدنس ، من العرفانية والنص الى العالم المنشغل بدنيا دنيئة ، وبعد تحقق العبور تحول العابر الى قول آخر ؛ فأتهم العالم بخطية مناصبة المنقذ " القادم لا محالة " العِداء ، وأن قوى العالم الكبرى تطغى وتتجبر بإلاستعداد لمواجهة المنقذ ومحاربته ، فأطلق العارف المعتقد بمخلصه كلمة تكفير بحق القوى العالمية الكبرى ، فأمست تُسمى قوى الكفر ، وبالتالي فهي قوى شيطانية .
رغم أن النصوص الإول تقول بإستحالة اصلاح العالم على غير يد المنقذ إلا أن العارف المعتقد بمخلصه أقتحم التاريخ المقدس المفترض ، أو المؤجل ، وطبّق قدسية خلاصية من بنات أفكاره بذريعة التهيئة والإعداد ، وهكذا ظهر نوع من الإنظمة الدينية الحاكمة .
في اثناء حركة هذا التاريخ الذي مر بالسابقين وبنا تكون نوعان من النبوءة :

- النبوءة البدائية

- النبوءة الحديثة

النبوءة البدائية : هي تلك النبوءة التي تُركّز على الطرف الآخر " البشري " كحالة استفزازية وجب التهئ لها لتدارك لحظة الصِدام الحتمي ، والصِدام الحتمي دائمًا ما يلتصق بوجود شخصية خارقة تحقق النصر بما يتوفر لها من الخوارق التي تفوق أي قوة بشرية ، وهذا النوع الأول من النبوءة لا تلتفت في أدبيات المواجهة إلا للعدو البشري ، وليس من عدو إلا البشر ، وهذا العدو تُمثله مجموعة بشرية قريبة جغرافيًا من المجموعة المعتقدة بالنبوءة ، فالتوراة أتخذت من بابل القريبة من اسرائيل عدوًا ستأتي لحظة الصِدام به لا محالة وعلى العموم فمجال العمل التوراتي يمتد من النيل الى الفرات وضرورة النظر في شأن المجموعات البشرية في هذه المساحة ، والإنجيل تنبأ بمجئ يسوع نازلًا الى أراضي اسرائيل وإنه سيُخلّص أو ينتقم من البشر وبحسب تقبلهم لرسالة الخلاص ، والقرآن وفي سورة الإسراء تنبأ بمواجهة مستقبلية بين عباد أولي بأس شديد وبني اسرائيل ؛ والطرفان من البشر .

النبوءة الحديثة : هي النبوءة التي دفعت الدولة المتقدمة الحديثة حتى وأن كانت تعتنق ديانة ما للتهيؤ العلمي لخطر غير بشري ، فالنبوءة الحديثة حذرت من غزو لكائنات قادمة من الفضاء قد تُمثل خطرًا على الحضارة والوجود البشري ، وهناك نبوءة حذرت من بلوغ الذكاء الصناعي مرحلة يستقل بها عن التحكم البشري وينقلب عليه ويقرر إبادة الجنس البشري أو استعباده ، وهذه النبوءات اضافة للتنبؤ بكوارث مناخية أو بيئية أو فضائية ماحقة لا تنتمي للنصوص المقدسة إذ لم يرد في الكتب الدينية نبوءات صريحة تحذر وتدعو للإستعداد لغزو فضائي أو انقلاب معادي من قِبل الذكاء الصناعي .

في سياق النبوءة البدائية يتوعد العارف الأعداء بضربة ربانية ساحقة لا تُبقي ولا تذر تنالهم في نهاية المطاف إذ يتدخل الله بنفسه لإنزال عقوبة عظيمة بهم تحيلهم الى أضعف ما يكون ، والحقيقة أن القرآن توعد بعقوبة ينفذها بشر بحق بشر ، وهذا ما جاء في سورة الإسراء ، والسورة لم تقل بفناء الاسرائيليين نهائيًا ، بل توعدتهم قائلة ( فإن عدتم عدنا وسنجعل جهنم للكافرين حصيرا ) كما وأن القرآن لم يأت على ذِكر الولايات المتحدة الأمريكية .
عصر الحلول :
نحن في عصر الحلول ، فعالم اليوم بوجهه المُتقدِم يطرح الحلول التقنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والطبية والمناخية ، ويرصد لا البشر فقط وإنما الحياة والكون ويُحاول بكل ما بلغ من تقنيات أن يرصد ما بعد الكون أو ما هو خارج أو متزامن مع الزمكان الكوني ، وفي مسيرة الحلول والرصد يطرح العقل العلمي نبؤات لا تقتصر على البشر فقط وإنما تبحث وترصد كل ما في الكون ، وقد فات زمن الإنغلاق على نبؤات العهود والمرويات التي وصلتنا نصيًا من ذلك السلف القديم ، فنحن في عصر النبؤات الحديثة .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير