السلطة النقدية والإستقرار النقدي في مصر

احمد البهائي
2020 / 1 / 5

أعلن البنك المركزي المصري ( السلطة النقدية ) أنه تم تعديل موعد انعقاد لجنة السياسة النقدية من يوم الخميس الموافق 26 ديسمبر 2019 إلى يوم الخميس الموافق 16 يناير2020، وذلك بعد أن يتم اعتماد تشكيل مجلس الإدارة للفترة الجديدة واعتماد تشكيل لجنة السياسة النقدية ، وكانت السلطة النقدية في مصر، قد قامت خفض كل من سعر عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزى بواقع 450 نقطة أساس أي 4.5% وذلك كان خلال عام 2019 ، ليصل إلى 12.25% و13.25% و12.75% على الترتيب.
على الرغم من معدلات التضخم المرتفعة، تتبع السلطة النقدية في مصر سياسة "عندما تنخفض أسعار الفائدة، تزداد كمية النقود المعروضة للتداول، وبالتالي يزداد حجم السيولة النقدية التي تكون في حوزة الأشخاص، وهذا يؤدي إلى زيادة الميل للاستهلاك وانخفاض الميل للادخار، ومع انخفاض أسعار الفائدة وزيادة الميل للاستهلاك، فإن المشروعات القائمة ترفع مستويات التشغيل، وتظهر استثمارات جديدة، وذلك عندما يقوم رجال الأعمال بالحصول على قروض بأسعار فائدة منخفضة لتمويل مشروعات إنتاجية قائمة وجديدة بسبب الميل للاستهلاك"، متناسين، أولا : أن الزيادة في الطلب الفعلي نتيجة زيادة كمية النقود وانخفاض أسعار الفائدة قد سبقت أو تفوق الزيادة في الإنتاج، أي بمعنى أن مرونة عرض عناصر الإنتاج قد تكون مساوية الصفر، وهي الحالة التي أصبحت فيها الأجهزة الإنتاجية والموارد الاقتصادية التي تمتلكها الدولة في وضع تشغيل كامل، ليس نتيجة محدودية الموارد وحدها، بل أيضا لوجود خلل في هيكل الاقتصاد الصناعي والإنتاجي، وخلل في الطبيعة الهيكلية للتخصص في إنتاج المواد الأولية، وجمود الجهاز المالي للحكومة، فضلاً عن قصور في طبيعة عملية التنمية وما تولده من اختلالات، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، حيث توصف هذه الحالة بالتضخم الحقيقي (الطلب الكلـي علـى الـسلع والخدمات في الاقتصاد يفوق المقدرة الحالية للطاقات الإنتاجية)، وهذا هو ما يحدث الآن في مصر.
ثانيا : تناسوا ، ان العلاقة بين الطلب الكلي والعرض الكلي، تتوقف أيضا على خطط الإنفاق القومي وخطط الإنتاج القـومي، أي أنهـا تتوقف على خطط الاستثمار والادخار المحقق في الاقتصاد، وأن قرارات الاستثمار يتخذها رجـال الأعمـال وأصحاب المشروعات الاستثمارية بناء على دوافع ورغبات تمليها عليهم مصالحهم المادية ممثلة بتحقيق عائد كبير من استثماراتهم، وليس بناء على دوافع ورغبات الدولة، والتي تختلف بدورها عن الحوافز التي تـدفع الأفـراد للادخـار فـي الأوعية الادخاريـة.
ثالثا : تناسوا ، أن عدم التساوي بين الاستثمار المخطط والادخار المخطط يؤدي إلى حدوث تغيرات في مستويات الأسعار، حيث إن زيادة الاستثمار المخطط عن الادخار المحقق، تعني أن الطلب على السلع النهائية أو النـصف مصنعة الداخلة في الإنتاج وغيرها من عناصر الإنتاج تفوق الكمية المعروضة منها، والذي يؤدي بدوره إلى رفع مستويات الأسعار.
رابعا : تناسوا، عند حديثهم عن التضخم، أنه يجب التمييز بين أسواق السلع وأسواق عوامل الإنتاج، وأن الضغط النقدي التضخمي، ينشأ في أسـواق الـسلع (التضخم السلعي والتضخم الرأسمالي) أو أسـواق عوامل الإنتاج (التضخم الربحي والتضخم الداخلي)، أو في السوقين معا، وذلك عندما يكون هناك فائض طلب نقدي في أحدهما أو في كليهما معاً.
خامسا : تناسوا ، أنه من خلال قياس الفجوة التضخمية باستخدام معيار معامل الاستقرار النقدي، يشير إلى استمرار اختلال علاقة النمو بين معدل النمو السنوي لحجم السيولة المحلية والناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، نتيجة استمرار إرتفاع معدل النمو السنوي لحجم السيولة عن معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو ما يعكس استمرار الارتفاع في قيمة الفجوة التضخمية المحتسبة، حيث يعتمد على هذا المعيار لقياس العلاقة بين حجم السيولة المحلية والناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة ، ويقوم هذا المعيار على نظرية كمية النقود والتي ترى أن الزيادة في كمية النقود دون روابط وضوابط محكمة بينها وبين الزيـادة في الناتج القومي الحقيقي من أهم العوامل التي تساهم في زيادة الاختلال بين تيار الإنفاق النقدي وتيـار العـرض الحقيقي من السلع والخدمات، مما يدفع بالأسعار نحو الارتفاع ، بدراسة الارقام الواردة بداية من عام 2016 حتى عام 2019 ، يتضح ان معدل النمو السنوي لحجم السيولةالنقدية كان على التوالي (39.69% -20.45%-13.40%-8% ) قد فاق معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ( 4.35%-4.18%-5.3%-5.6%) خلال جميع سنوات ، وهذا ما تبينه قيمة معامل الاستقرار النقدي (حيث يمكن الحصول عليها من خلال قسمة معدل النمو السنوي لحجم السيولة على معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي) خلال جميـع الـسنوات ، فرغم انخفاضها تدريجيا ، إلا ان القيمة مازالت فوق الصفر اي موجبة ، حيث كانت على التوالي (9.12%-4.89%-2.52%-1.4% ) ، حيث من المعروف ان التساوي بين معدل التغير في حجم السيولة ومعدل التغير في إجمالي الناتج القومي الحقيقـي يشير إلـى ثبات مستويات الأسعار ، وتكون القيمة وقتها مساوية للصفر ، اما اذا كانت القيمة موجبة ، كما في حالتنا تلك ، أي أن معدل التغير في حجم السيولة يزيد عن معدل التغير في إجمالي الناتج القومي الحقيقي ، فإن ذلك يدل على وجود ضغوط تـضخمية تدفع بالأسعار نحو الارتفاع ، كذلك خلال سنوات الفترة من 2016 الى 2019 تشير الأرقام الواردة إلى أن متوسـط معـدل النمـو السنوي لحجم السيولة بلغ خلالها 20.38% بينما بلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال نفس الفترة 4.85% ، الأمر الذي يعكس اختلال علاقة النمو بين معدل النمو السنوي لحجـم السيولة ومعدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فإن ذلك يدل على وجود ضغوط تـضخمية ، هذا يعني أن هناك قـوة شرائية زائدة في السوق لا تقابلها زيادة في حجم العرض الحقيقي من السلع والخدمات ، مما أدى إلى حدوث ارتفاع في قوى الطلب الكلي على الـسلع والخدمات في ظل عجز جهاز الإنتاج المحلي عن مواجهة الزيادة في حجم الطلب الكلي، ممـا سـاهم فـي دفع مستويات الأسعار المحلية نحو الارتفاع.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا