شاعر وقصيدة((2))عبد الواحد الزيدي/اليمن

ريتا عودة
2020 / 1 / 5

عبدالواحد محمد الزيدي
من مواليد 1.1.1989م
محافظة المحويت - اليمن.
مقيم في جده السعودية.
المؤهل: دبلوم المحاسبة المالية.
الحالة الإجتماعية: متزوج.




(((نصوص مضيئة)))
((1))
بطريقة ما أو بأخرى، مازلنا على قيد الحياة، وهذا بحد ذاته إنجاز عظيم. أعلم، الحرب، وسوء المعيشة، والأوبئة، والأوجاع، باختصار شديد يمكن القول: هرمنا، تعبنا، زهقنا... إلخ.

ثمة واقع نعيشه، وهذا حتمي، لذا، علينا أن نركض كل صباح، وعلينا أن لا نهدأ حتى في المساءات الباردة، قطعيا، وهذا قدرنا الذي نزل من السماء. أمور كثيرة يجب أن نتقنها أو نلتزم بها، وأخرى علينا الإبتعاد عنها أكثر، أيضا، في الغيب مالا نعلمه، لعله خير، ربما، وإن كان شر ما ينتظرنا في المستقبل فعلى أرواحنا السلام، مقدما، بقلوب يملؤها الصدق والجدية.

((2))
لم أعد أهتم بترتيبات عام جديد:
-يكفي أن نجوت من عام ذهب ولم يعد.
-يكفي أن بقيت على قيد الحياة، وهذا تحدي كبير، أن تخرج بأقل الخسائر، هذا إنجاز عظيم.
-يكفي أن تجاوزت أربعة ألآف (جرعة إنسولين)، تلقاها جسدي الهزيل، كل صباح وكل مساء.
-يكفي أن تمسكت بحبل النجاة، حتى اللحظة.

((3))
دعواتنا التي نرسلها إلى السماء، أكلتها الطيور المهاجرة، قبل أن تصل وتعود لنا بالنفع.

شهاداتنا التي تعبنا كثيرا للحصول عليها، في دواليب صدئه، وغلافات مزركشة، تشبه صورة متوفي على الحائط، يتوجه أكليل من الفل.

طموحاتنا التي نعمل جاهدين لتحقيقها، تناثرت فقاعات في ظل الحرب، لم نعد نهتم للوصول إليها.

المستقبل الذي نريد الوصول إليه، تفصلنا عنه مقابر كبيرة، بالجملة والتجزئة.

أمهاتنا -حفظهن الله- التي نتودد لهن ببعض الهدايا أو الطلبات، نسيناهن، بينما، خفضن سقف الطلبات، والتزمن الصلاة والدعاء.

لم يعد أحد يهتم بأحد، نفسي نفسي، أو أنا وبعدي الطوفان. الحرب أفقدتنا الإنسانية.

((4))
لا جديد، مازلت أتصالح مع الأمل المفقود، كل صباح وكل مساء، تارة أجده مهترئ وأخرى سراب، وهكذا، نلعب لعبتنا بانتظام شديد ودوام رسمي، هو لا يأتي وأنا لا أنساه.

((5))
اقترضت من رفيقي في سرداب الأمل شمعه
وضعتها في الجيب الأيمن لبنطالي.
تناولنا حديث طويل، بينما، قدمينا رتبت رصيف الشارع
وعندما افترقنا ليذهب كل منا إلى غرفته
عدت إلى غرفتي المظلمة وحيدا.
فتحت الباب على ضوء القمر الخافت
تحسست في جيبي الأيسر قداحه
لأشعل بها شمعة الأمل الوحيده
مددت يدي إلى جيبي الأيمن
أخرجتها بيضاء تسر الناظرين
تذكرت وقتها بأن الشمعة سقطت سهوا على الرصيف
لتضيء للمارين من بعدنا
وتركتني وحيدا
إلا من إسمي.

((6))
في الأجواء غيمة، ترقص السامبا، لم تبلغ الرشد!
في محفظتي هوية؛ الأرض تارة تنكرني وأخرى تعترف، لم نعد أصدقاء.

أحدهم يسأل: من أنت؟ غالبا لا أجيب.. الصمت يكفي، نعم، يكفي ليجعله أخرس. الصمت يفي بأطنان الكلام المخبأ، ربما أكثر.

في حياتي السابقة أنثى تشبه الظل..
معجونة من رماد موتى في الهند، لونها فضي، لكنها، ليست ملكة نوبية.

في الدرب أمل، لم ينضج بعد، لونه أصفر، وحجمه أصغر، وطوله قلم، أيضا، يختفي فجأة.

الليلة الألف على التوالي، نفس المكان، نفس الموال، أجدني في كومة مأساة.. أجدني خارج السرب، تحاصرني الأماني العالقة، تقودني مخيلتي إلى الجحيم.

لا صديقة مقربة مناسبة لمثل هذه الأوقات العصيبة، تنفض غبار الحزن وترفع الأثقال عن كاهلي. ولا صديق يستطيع القيام بدور فتاة طائشة، إنها الوحدة المفرطة.

في السابق كنت أطبخ الوجع في صفحة ما، وأتعهد صفحات أخرى.. اليوم، يطبخني سقمي وجبات خفيفة لمهاجرين عرض البحر.

((7))
الليل الخالي من النجمات ليل قاتم ومبهم، لا أحب التواجد فيه، كثيرا.
الأماكن المزدحمة بالمارة، تسعدني، فيها فطرة الإنسان، عكس الأماكن المحصورة لأشخاص لا طائل منهم.
نكات، بالجملة، وهذا يشعرني بوجع كبير، حين أبتسم عدة مرات متتالية لنفس الموال.

((8))
أحفر جدار الأمل بمعول لا ينصل أبدا، بيدين حافيتين، وجسد مكافح، كل يوم. وهذا مؤشر جيد أن أستمر أكثر. لابد من بقعة ضوء في الضفة الأخرى، أواسي نفسي، ذات يوم سوف أصل وجهتي، وهكذا، سوف تكون نتيجه طيبه إن وصلت في وقت مبكر، لا بأس، هرمنا، لاشك في ذلك، لكن، أملنا لم يهرم بعد، على ما يبدو، لذلك، لا لليأس، رغم حظي العاثر، أقول: لابد من بصيص أمل سيأتي.. لابد من حياه.

((9))
في كل أرجاء الليل
روحي تطيرُ شظايا
ممزقةٌ في الدروبِ
موحدةٌ في المرايا
وأمضي على جمرِ
الأمل المخبّا قفايا
وأعودُ بِلا مأوى...
أعودُ والخيبةُ ردا

((10))
وتحرسك الملائكة، وأنت تجول في صفحات كتاب ممتلئ بالدهشة الحداثوية، من المسّ
وتحرسك الملائكة، وأنت في خلوة تامة مع روحك، في فضاءات من جمال، من الصرَع
وتحرسك الملائكة، وأنت تقرأ قصيدة من ياقوت ولآلئ، من لعنة الشيطان
وتحرسك الملائكة، وأنت تلعن المساءات الشتوية الباردة، وأنت تخبي يديك في جيوب جاكيتك الفارغة، من الضياع
وتحرسك الملائكة، وأنت في الذُّلِ جور اغتراب، وأنت في ظلمات الشوق، وأنت في سرابٍ طويل، من الأمكنة
وتحرسك الملائكة، وأنت تدون شظايا متاهات فوضوية، وأنت في منفى الشتات، وأنت في شجون مُتراكمة، من الجنون
وتحرسك الملائكة، وأنت بألف خير، وأنت في مليون حزن، وأنت في الحضور المغيب، وأنت في حضرة غانية من صنعاء، وأنت تحت المطر، من الملل

1-12-2018

((11))
وامضي بي -يا أمل- بلا توقف، ناحية متاهات لا حدود لها.. متاهات تبدو لناظرها سهلة، لكنها، أصعب بكثير من تسلق جبال ألاسكا، وأصعب من مغامرات (أساليب البقاء) في غابات تقتحمها للمرة الأولى.

أفتقد جدا للكثير مما سلبتني الحياة، لا بأس، لقد سلبت من الجميع أحلامهم وطموحاتهم، لذا، لست آسف ما دمت جزء من الكل. ما دمت أركض كل صباح. لست آسف، أيضا، ما دمت لا أخضع لأوامر أحد.. ما دمت أعيش حياتي بحرية تامة.

الحياة بحرية مكلفة، نعم، تختلف الحياة من شخص إلى آخر بإختلاف الزمكان، حتى حرية الحياة مختلفة جدا من شخص إلى آخر، كذلك، الحياة خارج لعبة الحرية لا تتفق أبدا؛ لكل شخص نصيبه وقدره.

على كل شخص أن يرى حياته من منظور متطور لا من ناحية فقدان الأمل أو من ناحية مصاحبة اليأس. نحن هنا لنعيش حياتنا بما أوتينا من قوة.. نعيش اللحظات، نستمتع، نعم، قد يفوت الأوان في لمحة البصر، قد نندم على أشياء لم نقم بتجربتها رغم كانت لنا فرصة، وعلى هذا الحال يا أصدقاء، لننسى الألم والحزن والحرب والوجع.

لننسى كل حدث سلبي، لننسى كل الكماليات التي لم نستطع الوصول إليها، بالمقابل، علينا أن نعيش حياتنا بما يحلو لنا، لا حسب ما يود الآخر، علينا الإستمتاع بكل لحظة سنحت لنا، وهذا أقل مكافأة نحصل عليها، ربما، إن غدا يأتي بلا موعد، والأمس ذهب ولم يستأذن، واليوم على وشك النفاد، وهكذااا، العمر يركض بقوة صوب النهاية الحتمية، النهاية الفجأة، النهاية التي نقترب منها على الدوام.

((12))
مشتاق لتلك الأشياء التي ينظر لها البعض بأنها صغيره، تلك الممتلكات أو المصنوعات التي لا تلفت النظر.. تلك الحركات الإستثنائية المبهمة، تلك الخطوات الخفيفة في سكون الليل.

((13))
عنقها أطول مأذنة في صنعاء القديمة
عينيها حدائق في بلاد الأندلس
وجهها البدر
قلبها وطني.

((14))
هل تسمعين صدى ألمي وأناتي
أنا في الهوى الغادي
أنا الآتي.

((15))
ما أخشاه فعلا هو التوقف.. التوقف الفجأة الذي يمنعك من التنقل من مكان إلى آخر. أود زيارة الكثير من الأماكن ومصاحبة عدد من الأشخاص والتعرف على ثقافات مختلفة في ظروف مختلفة.

((16))
نبيع الأمل لحفاة في الصحراء،
نشتري الغد بفاتورة التعب، نتمنى غدا أفضل، لكنه، دائما، أسوأ.
من أنتم؟
نحن المهاجرين على الدوام.
نولد في بلد ما ونعيش في آخر.

((17))
أن تقرأ، هذه فُسحة دنيوية ممتعة.. أن تقرأ كل يوم، هذا توفيق إلهي.

((18))
يشبهني نازح في العراء، يتعرض لضربات البرد دونما مأوى أو مهرب أو وقاية.
يشبهني أحدهم في منطقة ما على هذا الكوكب، غلبه الحزن وأتلفه الغياب.
يشبهني مهاجرين كثر، منهم من وصل غير وجهته، وآخرين يتعثرون عرض البحر.
يشبهني كل شيء في وطني:
الموت والقتل والدمار والخراب
الحزن والجوع والوجع والعذاب
الأمل المفقود في مقصلة الضياع
العيش السراب.

((19))
ما بين لوعة الإشتياق وعبث الحرب:

دونكِ المأق يفتُك بي، والأسى بلغ أشُده، وفوضى الذكريات الغابرة ظن الصّدّ أن تأتي، والرغد لا يهنأ دون غيث الفيض المتأخر.

هنا الليل طويل الأمد أصمّ اللفظ ينعى له من مُقل الدواعج سيل العَرْم مهزوم المعاني، والويل لا يرحم الفاقد المشرد بين ظل الرذاذ وظلمة اللجّة الفانية حتى مطلع الفجر.

أنا -يا سلْوَة الخاطر- أحيّأ بنهل عطف الشجن، ومراسيم المضي نحو الأُفق تتدلى من مخزون العطر لعقودٍ مضت حول "العُنْق" حيث تراكمت الزّخات منذ الوهلة الأولى.

هل لي شفاعة حبنا -في ظل الحرب لا ترحم- حتى يفنى الضياع النفور، ويبقى الوهج في العينينِ -عينيكِ- يلوح بصيص الأمل القاتم؛ رغم متاهات طغيان من عبثوا بالأفئدة الرقاق.

اعيدي لي الحياة الــ كانت بيننا تشبه زهرةٍ نمت حين غفلةٍ احدى زوايا البستان. . اعيدي لي ما ضاع منا عِنوَةً وفقدناه لحظة فتور الضمير في عهد من فتكوا بالبلادِ الـ كانت رٍتقاً، وارفلي الأشجان المخبأة في توق حنايا فؤادكِ إلى نشوة السعادة الضائعة منا معاً ولم نلقى لها أثر العودة، والرغد، والزهد حتى قلبينا لم تعد وجله كما كانا قبل ذي مأساةٍ حلّت ربوع الوطن.

((20))
خطوات خارج الرقص
عندما ينام الليل في راحة يدي، ايضاً، ويعتنق المساء هواجسي وأفكاري
قبل أن يتبارز الهوى -هوانا- على أمسيةٍ في الغياب اللامنتهي
يخطر في بالي أن يمر بي خيال الوهم على سفح جنية من نسل آدم
أركض السراب، ويطير شعاع الأمل، وأفقد بعض ملامحي فجأة
هنا حيث لا أحب المكوث خارج سرداب التفاعل اللامع، بصحبة فوضويين أحياناً
رفقاً بي.. بهذا الكم الهائل على عاتقي من ضياعات الشتات
يا ويل اللحظة السعيدة التي تعتذر عن زيارتي للمرة الألف على التوالي
تباً لكل جماهير الميادين المزورة، وبعض أنامل لا أكتبها
لـ نمكث في غفلتنا حينٍ من الدهرِ، ولـربما نحن في أقصى نشوة من الإغتراب
بعض الأصدقاء يخبروني مازلت على قيد الحياة.. الحمد لله
لا أدري لماذا هم فقط يترقبون لحظات الحياة، وأنا باليوم والليلة أموت وأحيا وحيداً
بلا فوضى لن تستطيع المضي نحو أفق يتربص لا يتريث
أطنان الكلام لن أفصح، لربما يقع السيف خارج الغمد عن طريق الخطاء
ومزقيني يابلاد التعاسة.. مزقيني
إلى أن يتم الذي لم يتواجد من قبل
على هذا الوطن، ايضاً، متهمون، لا نستحق الحياة


((21))
أكتبني خارج نطاق الوضع السيء، وألقاني بلا مأوى.. بلا وطن.
أجدني عابر سبيل الهوى؛ بلا حضنٍ أعتنقه لحظة شرودي، ايضاً، بلا همس، وبلا إطار حافة الزمن.
أجدني على حافة الإنهيار الكبير
أجدني في أعلى مراتب الضياع
أجدني في زنزانة الفكر الضيق
أجدني في سراديب الوهم الظاهر
أجدني أتعس إنسان!
أين الإنسان
أين الوطن
أين الحب
أين الحنان
أين
أنا
ا
ل
آ
ن

((22))
لم أدرس في جامعة صنعاء، رغم كنت أتوق وأحلم بالدراسة فيها.

درست في معهد متواضع (لأنه كان بالمجان) ايضاً، السكن والطعام الداخلي كانا على نفقة دولة شقيقة.

هذا المعهد المتواضع خالٍ من قسم الآداب؛ بحكم إنه "تقني" ايضاً، خالٍ من الأجهزة الإلكترونية، إلّا القليل الهش.

كان وقتها كل مدارس المنطقة النائية (مسقط رأسي) لا يوجد فيها إلا القسم الأدبي.

الثانوية العامة -القسم الأدبي- حصلت عليها في مدرسة ثالثة، بعد أن أكملت الصفين الأول والثاني الثانوي في (مدرسة بئر الغمر) وانتقلت لمدرسة الشهيد الزبيري -رحمة الله تغشاه- لأكمل المرحلة الثانوية.

قبل أن تغرد الطيور، كنت قطعت مسافة 10 كيلوا متر مشيّاً على الأقدام وصولاً للمدرسة.

لم يكن يومها بحوزتي شنطة للكتب، كنت أجمع كتبي في كيس عليه ترويج تجاري للألبان.

لم أنسى خبز أمي المخلوط باللبن فجراً، وقهوة أمي المعتقة بأجود البُنْ اليمني الفاخر، اللذان يعتقاني من الجوع حتى أعود الظهيرة.

لم يكن بحوزتنا سائق ليُوصلني المدرسة، ولم يحتوي "كيس الكتب خاصتي" على بعض السندوتشات أو العصائر.

لم يكن بحوزتي حتى "مظلة" تقيني الشمس.. أحياناً كنت استخدم الكتب الغليظة لأضعها بيني وبين الشمس.

كانت أول بداية دراستي تحت الأشجار في الوادي من العام 1995م أي قبل أن يتم بناء مدرسة في منطقتي.

كنت شقيٌ للغاية، أمزق أغلفة الكتب بفمي، وأقسم إلى نصفين كراستي الورقية.. كنت ارمي بالحجارة على أستاذي الحبيب منصور زيدي من فوق بيتنا الذي يطل على الطريق.

وها أنا اليوم مشرداً في غربتي، بعد أن ذهبت من وطني بيميني "السكري" الذي أصبحت صديقه، وفي يساري "بداية تليف كبدي" نتيجة تسمم من الشجرة الملعونة "القات"

((23))
يا حبيبتي (نامي في عيوني)
واغلقي من بعدك جِفُوني
لم أعد أدري لماذا؟
كلما نظرت حولي
لا يروني

إن الناس -ياقلبي- جفوني
هنا حربٌ طالت، ولم تزل
تمون ذخيرتها من فنوني
لن تبرح الحرب حتى
لو يدفنوني

ياحبيبتي.. شكراً لكِ
هذا أسمى ما أقوله فيكِ
إن الغياب بعض الجنونِ
إن الغربة التعيسة أرهقتني
ظلماً تمزقني شجوني
وها أنا اليوم في غربتي
نصف إنسانٌ خلفته الشجونِ

يا حبيبتي.. شكراً لكِ
صبراً كثيراً جداً
حتى أعود من سجوني
إن الغياب أتلف البعض مني
وأتلف بنات أفكاري ولحوني
إن الغياب رحلةً في الجُب
إن لم يكن عذاب القلب الظَنُونِ

(ماذا أقول:) تبت يدا القلم
فليخرس الفمُ العذب النقي
في حضرت الغياب الطويل
في متاهات القوافي
في عتمة الأحلام
في كل أرجاء غربتي
في فؤاد المحب المتيم
في فؤادٍ من حنينٍ تالفٌ
في حلم النسيان
في نزغ الفتُونِ

((24))
مرحبًا..
أنا -عبدالواحد- مواطنٌ بسيط، على الفطرةِ.. أتيتُ من القريةِ المعزولة في شِعابِ الله..
عندما وصلتُ المدينة أدهشني جسر مشاة، بسيط جدًا، لا يتعدى بضع وعشرون مترًا
ظننتهُ إنجازٌ كبير، قبل معرفتي بالهياكلِ النازية العملاقة!.

أول حذاء تقليدي حصلتُ عليه في السادسةِ من عمري، كان صبيحة عيد الأضحى، من الحانوتِ المتواضع في القريةِ المجاورة.

أصدقاء طفولتي هم أخوتي، أيضًا، أبناء عمومتي، كنا نفترق ما أن تختفي الشمس، أيضًا، ليست لي غرفة منفردة، أشارك أمي وأخوتي في نفسِ الغرفة المتواضعة.

عندما يدلف بائعُ "الآيس كريم" يُعَدّ يومًا استثنائيًا في القرية، أيضًا، إذا لم يكن بحوزتي نقود، كنتُ أخطف حذاءَ أبي القديمة أو قِدْر المعدن خاصة سقيا الماشية.

درسنا في الوادي، تحت شجرة السدر العملاقة، كلما ظهرت علينا الشمس نقوم بملاحقةِ ظل الشجرة.

كنا في القريةِ المعزولة في سجنٍ بِلا مداخل، نخشى أن نذهب إلى البئرِ على انفراد، ونرعى الماشية بشكلٍ جماعي.

متواضعين، بسطاء.. نصطف خلف المسجد، نرقبُ الآباء المتسوقين عند عودتهم، مرة في الأسبوع، خاصةً قبل ظهر يوم الجمعة.

لا نعرف الشوكولا، كنا نسمع بها.. حلوياتنا كانت من البسكويت (زبدة أبو ولد، وماري) وبعض أقراص (الكيك/الكعك) التنوري.

يوجد لدينا مساحة لا بأس بها، جبلية متهشمة، روضناها للعبِ كرة القدم، نلتقي من ثلاثِ قرى منفردة، لخوضِ مباراة من ثلاثين فرد، بملابس غير رياضية!.

يوجد في قريتنا مجلس متواضع يأوي تجمعنا، للمواطن (ع.ا)، هذا المجلس وجه قريتنا الوحيد، من أتاهُ ضيفًا أحظره للمجلس!.

يجمعنا رمضان في مساحةٍ بسيطة بالقربِ من المسجد، يحظر أحدهم "اللحوح" ويأتي الآخر ب "اللبن"، بينما هامور القرية لديه التمر يتباهى بتوزيعِ تمرة تمرة لكبارِ السِّن، نكتفي بالنظرِ إليهم بعفويةٍ مفرطه.

عندما يبكي طفلٌ ما، يخوفونه بمناداةِ كلب "عبّاس" ويهدرون: (يا كلب عباس، لا تأكل الناس، كُلّك حليمة بنت الكرنباس)، لا اعرف من هو "عبّاس" ولا من تكون "حليمة"!.

كل ما أعرفه عن قريتي، إنها بريئةٌ عفوية، رجالها أشداء طيبون، يكرمون الضيف والغريب، ويتعاونون فيما بينهم بحق القرابة والإنسانية، ويتسامحون مع بعضهم، يشبهون العائلة الواحدة.

نحرثُ الأرض مرة إلى مرتين في السنه.. ندفن البذور ثم نعود إلى القريةِ وننظر إلى السماء، كأننا نخاطب الله: اللهم علينا البذور وعليك المطر!.

بسطاء نحنُ، متكاتفين.. عندما يمرض شخصٌ ما، يكفي أن تزوره، فقط، وإن أتيت بعلبةِ "أناناس" هذا شيءٌ كثير.

يجلبن نساءَ قريتنا الماء فوق رؤوسهنّ -حتى اليوم- وعلى ظهرِ الحمير من مسافاتٍ بعيدة، كما يجلبنّ الحطب من قممِ الجبال والأعلاف من الوادي.

((25))
هيا نبتسم عن بُعد
بطريقةٍ مختلفة تمامًا:
أنتِ في الوطنِ الحزين
وأنا في الغربةِ اللعينة.


((26))
رائحة الكافور تفوح من صفحات الأصدقاء
شاشة الهاتف، مثل جنازة أحملها لوحدي!
كتاباتي تختفي،فجأه، تعمل أيقونة بيضاء على إخفائها بشكل دوري!
هاتفي ليس مصلى للجنائز، لكنه، تحول مجلس عزاء.
تذكرني سماعة الأذن بحبل المشنقة.




(***)
أحبّكم بالثلاثة
ريتا عودة/شاعرة فلسطينيّة من حيفا
5.1.2020

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول