قراءة في مقتل سليماني

فلورنس غزلان
2020 / 1 / 4

قتل " قاسم سليماني " ومن معه في حصيلة عدادها عشرة أشخاص ، برصد وتخطيط أمريكي، لاشك أن أيادي سليماني ملطخة بدماء الكثير من السوريين والعراقيين وغيرهم كالأميركيين ، لأنه المُخَطط والمسؤول الأول للسياسة والتدخل العسكري الإيراني خارج حدود إيران، حين نستمع لتصريحات المسؤولين الأميركيين يخيل إلينا أن العملية جاءت رداً على حصار السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء من بغداد ، أو هكذا أوحي للمستمع ، إنما يمكن اتخاذ هذا السبب كحجة لتنفيذ العملية المعدة في أدراج البنتاغون منذ زمن طويل ودقت ساعة تنفيذها عندما جاءهم الخبر اليقين والوثيق من مصدره لزمان ومكان العملية.
كل من أصيب وجُرح وفَقَد عزيزاً على يد سليماني، كل بلد تضرر ومُسَّت كرامته وسيادته من جرائم سليماني وقع عليه الخبر صاعقا مدغدغاً لروح الانتقام من سفاح ودموي يمد يده خارج بلاده ليوسع نفوذها على حساب ضحايا أبرياء، ففي بغداد وساحة التحرير تحديداً عمت الأفراح ، كما في سوريا ولبنان، في وقت خيمت الدموع واللطميات على ساحات إيرانية وعراقية ولبنانية وسورية مرتبطة بإيران ، لم تقم الإدارة الأميركية أو الأمر الترامبي بهذه العملية انتقاماً للضحايا العرب أو حتى للأمريكان، بل قطع يد طويلة لها أهداف طموحة وبعيدة المدى غايتها مد السلطة والنفوذ الإيراني ليخيم على الشرق الأوسط قاطبة يبدأ من طهران مروراً ببغداد ـ دمشق فبيروت ، حاول الأميركان قطع الطريق الرابط بين بغداد ودمشق عن طريق إيجاد قواعد أميركية على الحدود العراقية ــ السورية في منطقة التنف الحدودية، لكن طهران تمكنت من احتلال وإنشاء قاعدة عسكرية في البوكمال " الحدود السورية العراقية" وقد زار سليماني هذا المكان وأشاد بالالتفاف الإيراني على المخطط الأميركي، وسلطة ترامب تختلف بمواقفها وسياستها في الشرق الأوسط عن سياسة " أوباما" وتنتقدها بأنها تركت النفوذ الايراني يستشري في العراق ويدحر التواجد الأمريكي، وغاية ترامب العودة للعراق وشمال سوريا بقوة كما يعزز يوماً بعد يوم تواجده في مياه الخليج، وإن دعم الحراك العراقي اللبناني صوتياً ، فمن أجل قصقصة أجنحة " حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي " المساهم الأول والرئيس في ارتباطه بتكريس النفوذ الإيراني في المنطقة.
السؤال الذي يطرح نفسه ويقرأ تصريح " ترامب " أن الضربة كانت "استباقية "!، وأن سليماني كان ينوي ويخطط لضربات تطال جنود ومواقع أميركية أو مرتبطة بأميركا ، كما أضاف أن سليماني بقدومه للعراق كان ينوي القيام بإنقلاب في العراق!، هنا علينا أن نتوقف ونقرأ هذه المقاطع من التصريحات بشكل معمق أكثر ونسأل : ماذا كان يفعل في دمشق؟ ــ " وقيل أنه مَرَّ ببيروت " ــ وماذا جاء يفعل في محطته الثانية بغداد؟.
بالطبع سليماني هو الابن المدلل لعلي خامنئي ، ولا يتصرف إلا بعد مشورة أو تعليمات تعطى له من خامنئي، فبعد أن أطلق خامنئي كل كلابه البوليسية المخابراتية لتصفية الحراك الإيراني وأخمده في مهده ، ساءَه ُوأعلن في أكثر من تصريح كما أوعز أكثر من مرة ومع أكثر من مراسل "لعبد المهدي" أن يقمع بالقوة الحراك العراقي حتى لو كلفه ذلك ضحايا عديدة ...فما يهمه هو النتيجة ــ الغاية تبرر الوسيلةــ كما اتهم وحرض حزب الله في لبنان لقمع الثورة اللبنانية المطالبة بالتغيير العابر لنفوذ الطوائف، وهذا يعني تحجيم حزب الله المُعَد لمهمة تختلف عن هذا الهوى والهدف، لكن المحاولات باءت بالفشل ، مما حرك قاسم سليماني ليضغط ويأمر ويتآمر مع " بشار الأسد من جهة وتواجد عضو هام في حزب الله معه في دمشق من أجل العمل لإخماد الحراك اللبناني ، أو على الأقل الضغط لتشكيل حكومة على يد " حسان دياب " تقبل بالانصياع لرغبات حزب الله وتيار عون ونفوذ بشار في لبنان" ، والمهمة الثانية كانت محطتها بغداد ، واستقباله من قبل " أبو مهدي المهندس " وغيره من حزب الله العراقي باعتباره أيضا فرعاً من الحشد الشعبي ، يعني دراسة الامكانية والعملية الواجب تنفيذها لقمع الحراك العراقي واستخراج خريطة دموية بالتأكيد لحكومة ذيلها في بغداد ورأسها في طهران، فجاءت الضربة قبل أن تكتمل المهمة.
ترامب لم تكن تعنيه كل هذه الأمور ، لكن بالتأكيد لن يكون مقبولاً لديهم قيام حكومة عراقية تشبه حكومة المالكي ، تطلق العنان واليد للنفوذ الإيراني أكثر مما هو موجود، فترامب يريد لأميركا أن تعود بقوة للعراق وأن تدحر النفوذ الإيراني وتقص أجنحته في المنطقة كي لايشكل تهديدا عليها أو على النفوذ الإسرائيلي " المنافس الأول للنفوذ الإيراني "، بعد أن انهار وانحسر النفوذ العربي ـ مع شديد الأسف ـ.
هذه قراءة سريعة لما حدث، أما ماسيحدث من انتقام " إيراني، حزب لاتي ، حوثي ، وحشد شعبي " ، أو حتى خلايا مرتبطة ونائمة في المنطقة مؤهلة ومُعَدة للتحرك حين تتلقى الأوامر لتنفيذ المهمة ، لكنه برأيي المتواضع ، أن معظم مسارح الانتقام ستتكرس في المنطقة العربية الأوسطية ، وأكبر نسبة من ضحاياها سيكونون من العرب ، هل نملك وسائل وقاية أو وسائل تحذير ؟ لا أعتقد ...لأننا لم نكن سابقاً ولاحقاً في هذا الزمن الرديء، الذي ينحدر فيه العرب بحكوماته نحو الدرك الأسفل من الوهن والضعف السياسي والعسكري والارتباط بمصالح وعلاقات يُهيأ لهم أنها ستحميهم!...وهذا ناتج عن عدم توافقهم وتماسكهم الاجتماعي بين الأنظمة وشعوبها...فظهر الأنظمة غير محمي شعبياً ...وهذا مالم تسعى لإدراكه وتداركه الأنظمة الحاكمة.
فلورنس غزلان ــ باريس 04/01/2020

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت