أن تيأس، فأنت لست مناضلا

حسن أحراث
2020 / 1 / 3

لتكن 2020 سنة أمل...

كنا نردد "المناضل آخر من يعتقل". لكن كثيرا من المناضلين اعتقلوا قبل غيرهم. وأعتقد أن اعتقال المناضل لا يرتبط برغبته في أن يعتقل أم لا. لأن ظروف وأوضاع المناضلين وكذا مهامهم تختلف من مناضل الى آخر. وشخصيا، أحتاط كثيرا من المقولات الجاهزة بغض النظر عن صاحبها/أصحابها، وخاصة إذا استعملت خارج سياقها/إطارها. فكم من مقولة ذات معنى في مكان وزمان معينين، وصارت غير ذلك في مكان وزمان آخرين. ومقولة "المناضل آخر من يعتقل" ليست خاطئة تماما، فالهدف من ورائها هو الإشارة الى اليقظة الضرورية التي يجب أن يتحلى بها المناضل، من منطلق فهمه لأساليب العدو وأهمية استكمال مهامه النضالية (الصراع لا يرحم).
ولا يخفى أننا نسيئ الى الكثير من الاجتهادات العلمية من خلال ترديدها بغباء وإسقاطها (وخاصة كمجزوءات منفصلة) في شروط غريبة عن التربة التي أنتجتها. وينم ذلك بالدرجة الأولى عن عدم استيعابها وعن تكلس الفكر وبالتالي الاحتماء بها من أجل الإقناع والتميز لا غير، إذا لم يكن شيئا آخر مثل خلفية الإساءة والتشويش. وهو ما يحصل ببشاعة مع الماركسية والماركسية اللينينية. إن لينين ورفاقه البلاشفة قد أبدعوا في تنزيل الماركسية بروسيا. وبدون إبداع نظري وعملي، بمعنى التحليل الملموس للواقع الملموس، تقل حظوظ النجاح في التبني السديد للاجتهادات النظرية السديدة (لينين: لا ممارسة ثورية بدون نظرية ثورية).
ويجب أن تكون لدينا الجرأة النضالية والعلمية لنعترف أننا نفتقد الى حد كبير المعرفة الدقيقة والمعلومة الصحيحة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ببلادنا. ولذلك تسقط جل كتاباتنا وإنتاجاتنا في فخ التعميم والسطحية والتكرار والنمطية، وتجانب تحليلاتنا الصواب في كثير من الأحيان...
ومن بين نتائج كل هذه "الفوضى" على المستوى النظرية والممارسة التيه القاتل. إنه التيه الذي يقود رأسا الى اليأس في شتى ألوانه. وليس التيه هنا بالضرورة هو المضي الأعمى في متاهات بدون أفق، بما يعنيه ذلك من الابتعاد عن الممارسة السياسية والنقابية والجمعوية الهادفة والفعالة، وهو أقل الضرر؛ بل هو الإساءة الى الفعل النضالي مباشرة والى الاجتهادات النظرية العلمية، وهو اللجوء/الهروب الى "المراجعات" (الارتداد) للتكيف مع ما هو سائد (تغيير الانتماء)، وهو الالتحاق بالنظام والجوقة الرجعية، وهو أيضا السقوط في حبال المخدرات و(...)، وقد تصل الحال الى الانتحار...
إنه بمعنى آخر اليأس (أو الاحتضار)، بما يرمز اليه من تشبث بالقش (حالة الغريق) والانبهار بالشكل والأضواء (ليس كل ما يلمع ذهبا) ومعانقة "الشيطان" والارتماء في الفراغ وفتح الأبواب أمام كل من هب ودب طمعا في تعزيز الصفوف ومناصرة عدو العدو ولو لم يكن صديقا..
ولحسن حظ "اليائسين" ولسوء حظ المناضلين، يوجد كل ما يجعل المصابين بداء اليأس "يبررون" يأسهم، ويصبحون أقدر على "تبرير" الخيانة.. فالوضع العام بالمغرب وبالخارج غني بالانتكاسات والانهيارات. لقد سقطت/تعفنت العديد من الشعارات (الديمقراطية والحرية والحداثة وحقوق الإنسان...) وسقطت معها تنظيمات ورموز كان يحسب لها ألف حساب...
ويحصل أن يرحب اليائس باليائس ويصفق له، وأن يعانق اليائس اليائس.. وهو ما نعيشه اليوم من خلال الائتلافات غير المنسجمة والتحالفات الهجينة والعناقات المشبوهة (عدو عدوي صديقي).. إن الوضع الطبقي حاسم في هذه الحالات... وليس غريبا أن نحصد الفشل في الكثير من معاركنا وأن تتوالى هزائمنا.. لقد ساهمنا (أو بعضنا) بوعي أو بدونه في جعل الصراع الطبقي وديكتاتورية البروليتارية "شعارات" غريبة وطوباوية من خلال ابتعادنا عن الطبقة العاملة وحلفائها الطبقيين وعن معاركهم. فحتى حضورنا في صفوف النقابات كغيابنا وتضامننا مع ضحايا القمع السياسي بالقفازات الحريرية لا يصمد أمام لكمات النظام وإجرامه ولا يرد ضربات الجلاد ولا يشفي كدمات طعنات الغدر. وحتى السجون التي كانت منبع الثوار لم تعد كلها كذلك...
ويصير المناضل الثابت على الموقف في ظل موازين القوى الحالية عنصرا غريبا وعدميا، بل ومشؤوما، لأن طريقه يؤدي الى الهلاك (التشرد أو السجن أو الاستشهاد...)، هلاك المعني وعائلته وربما "قبيلته"... والخطير، أن يتضخم الحقد تجاه المناضل الثابت على المبادئ وتتجند "ملائكة" اليأس لمحاربته على الأرض وفي "السماء" (الفضاء الأزرق)..
ويتناسى المتناسون تضحيات الشعب المغربي وشهداء الشعب المغربي والمعتقلين السياسيين من أجل قضية الشعب المغربي...
وهناك من يبذل مجهودات جبارة لمتابعة أخبار المناضلين وأسرارهم بغاية محاصرتهم والإساءة اليهم وعرقلة تطورهم، بدل بذل تلك المجهودات في التواصل مع المناضلين وبناء الذات المناضلة وفي معرفة الواقع والتجذر في صفوف المعنيين بالتغيير الجذري..
أولا، لا يأس مع الحياة.. ولا يأس مع النضال.. ونضالات بنات وأبناء شعبنا التي تتواصل رغم القمع والاضطهاد من داخل السجون ومن خارجها وداخل المغرب وخارجه، نقط ضوء لا يمكن إلا أن تعزز ثقة المناضل الثوري في مساره النضالي وفي درب شعبه، وفي المقدمة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وكل المقهورين (طلبة ومعطلين ومشردين...)..
ثانيا، المناضل قد يتدمر وقد يحزن وقد يبكي حتى..
للمناضل أن يستريح، "استراحة محارب"..
المناضل إنسان، يحب ويفرح ويلعب ويتألم ويتحمل.. وقد يستشهد من أجل الحياة، بمعنى القضية..
المناضل لا ينظر الى الأسفل.. إنه يتطلع الى الأفق الواسع..
وعندما ينظر المناضل الى الوراء، فمن أجل الاستفادة من التراكم النضالي ومن التجارب النضالية ودروسها، دروس النجاح كما دروس الفشل.. للمناضل ذاكرة قوية، المناضل لا ينسى، لكنه لا يحقد ولا يتشفى ولا ينتقم.. ومن يملك قلب مناضل، لا يعرف غير الحب والتواضع والاعتراف.. المناضل ينظر الى الجانب الفارغ من الكأس وينظر أيضا الى الجانب المملوء، وهنا تكمن قوة المناضل وعظمته (بدون تضخم الذات أو تعال).. المناضل لا ينصت الى ذاته (كبريائه)، إنه ينصت الى شعبه ويلتزم بقضية شعبه ومتطلباتها، شريدا أو طريدا أو معتقلا سياسيا أو شهيدا...
المناضل هو الأمل، وهو المستقبل، وهو الحياة، وهو الثورة...
أن تيأس، فأنت لست مناضلا..
أن تيأس، فأنت لست ثوريا...

ملاحظة: أقصد المناضل والمناضلة على حد سواء وبصيغة الجمع.