قراءة انطباعية لنص -آلهة و عواصف- للشاعر المبدع مؤمن سمير / مصر بقلم: أحمد اسماعيل / سوريا

مؤمن سمير
2020 / 1 / 2


النص:

" آلهةٌ وعواصف " شعر / مؤمن سمير .مصر

الصلصالُ يملأ البيت

يغافلنا وينزوي تحت الظِلالِ

يخلقُ أحزانَهُ و يضعُ ابتساماتٍ

و جحوظاً

ثم يصنعُ نَفَقاً للهروبِ...

عزيمتهُ اللزجةُ

يقُصُّها ويصير بحراً

فتمتلئ الصلواتُ بالبشارةِ

و بالقراصنةِ و بالصراخِ

وكلما كبر أطفالي

يعمدهم بالضوء و بالأظافرِ

كيْلا يُحَيُّونَ الفرعون بلا حماس...

الأطفال أشقياء أيضاً

يكحتون الماء من على المعابد

ويبصون على المستحمات

الهاربات في البهو...

يسدون سكة العاصفةِ

بالراقصين

ويُخزِّنون الخوفَ في القدور...

بيتنا القديمُ

يصحو في آنيةٍ طينية

ويبتهلُ كيلا يكون في الأحلامِ

نقوشٌ...

يقولُ أبي

الشيطانُ يعيش في النقوش

لكن أمي توقنُ أن الله يُطِلُّ منها...
القراءة:
نص محلق ومبهر في إسقاطاته
هنا المجاز و التكثيف بلون السحر
اقتصاد في الكلمات و بلاغة في إيصال المعنى بسلاسة وبعيد عن الغموض
العنوان عميق
آلهة و عواصف
ما الآلهة التي يقصدها الشاعر
و ماالعواصف التي يخبرنا عنها
طبعا من المعروف أن العواصف آليا تسير بفعل الله
لكن الشاعر كان يقصد بها أبعد من معنى العاصفة و الآلهة هي أبعد ما تكون عن الله
لذلك افتتح القصيد بتناص مذهل
وهو الصلصال
الصلصال هو المادة للتي خلق منها البشر وقد ورد ذلك في القرآن في عدة مواقع
والبيت هو الوطن
لذلك هو مليء بالبشر
لكن الشاعر يتحدث عن نوع خاص من البشر و هو النوع المختبئ خلف الظلال والذي يعشق الصمت
المعجون بالخوف
هذا الصنف من البشر يتعايش مع الحزن لحظة بلحظة و ويدعي التماسسك ويتحايل على مرآته بابتسامة كاذبة
ثم بعد ذلك يظهر دهشته ويرفع من الأدرينالين في جسمه بجحوظ عينيه في لحظات استغراب
وهنا أراد الشاعر رسم الموقف بسخريته من هذا المشهد
بقوله
ويصنع نفقا للهروب
فهو لا يحب المواجهة هو يتقن دور الهارب
أما عن عزيمته اللزجة
فهذا تشبيه غارق في الإبداع
فهذا النوع من البشر
يمتاز بالخيال
فيصنع من نفسه سندبادا يعارك الامواج
وسوبر مان و وووووو
حتى ان كل من يستمع إليه يظن أنه مصباح علاء الدين
و أنه الرجل الذي تعلق عليه الأحلام
وبما أن الوطن مليء بالبشر الذي يختبئون في الظلال
يكثر اللصوص والنصابون
لان القانون يباع و يشترى كأسوء غابة
لذلك ينتشر الصراخ
لكن بدون صدى
لأنه لا أحد هناك فالكل خائف ولا يجيب
وهنا يرفع الشاعر سوية الظلم
ليرسم الظلم أبعد من مجرد سرقة للص او نصاب
فهو يرسم الظلم كرؤوس هرم تستنزف مقدرات الأوطان
وهم هنا و بكل بساطة الحكام العرب و زبانيتهم
لذلك ينشا الجيل بعد الجيل وهو يرضع تلك التربية المقدسة لتلك الأصنام ( الحكام) وهنا المغزى الاول من العنوان
فالأطفال يكبرون وهم يصفقون ويهللون لذكره ولفتات بشاراته
لكن الشاعر لم يجعل القصيدة مقفلة بالألم
فهو جعلها مليئة بالأمل و ذلك عندما
رسم القسم الثاني من مشهد الأعمال التي يمكن أن يقوم بها الأطفال
يكحتون الماء من على وجه المعابد
وهذا المشهد استوقفني كثيرا و أنا أتأمله
فالماء هو عنوان الطهارة
و الطفل هو من يكحته ببراءته
والمشهد على وجه المعابد
لم يخص الشاعر المكان بمسجد او كنيسة او صومعة
هو قال المعابد اي في كل مكان و ذرة من الوطن
وهنا يستقيم المعنى بالقول أن هؤلاء الذين يملكون تلك البراءة هم من سيحملون الوطن حتى يكون نقيا طاهرا
ولذلك رسم الشاعر كيف أنهم يبصون على المستحمات ليس ككشف للعورة بل
المشهد أنهم يراقبون هؤلاء اللصوص و هم عراة
يهربون في هذا البهو و ذاك النفق
يبحثون عن ملجأ آمن لكن هيهات
فالعاصفة تدرك كيف تطوع الرياح والأمطار وتسخرها في مأربها
لذلك كان مشهد العاصفة ذو إيقاع خاص
فهو يسد السكة العوجاء
ومن يقوم به هم من يرقصون في الساحات فرحا بالانتصار
فهؤلاء لايعرفون معنى الخوف بل يخزنونه في علب مغلقة اوقدور مغلقة خشيةان يخرج منها
أما مشهد الخاتمة
فهو يرسم الوطن في بساطته في عمق التاريخ
كيف كان يصحو وبيده آنية من فخار مليئة بالخيرات
والدعاء الحثيث هو ديدنه كي لا يكون هذا الخير في الأحلام
عبارة عن نقوش وذكريات مرسومة على حائط او لوح طيني
القفلة
كانت مليية بالدهشة والجمال والسحر
وكأن الشاعر أرادها كحوار بين الأجيال
الطفل يستمع
الأب يرى القسم السيء من النقوش
و الأم ترى عين الله التي تزرع الأمل في كل لحظة ومكان
وهنا كانت لذة الحوار
فالشاعر أراد من القارئ أن يدرك أن الليل مهما طال فهو قصير
أن المصائب و إن كبر حجمها لننظر إلى الجانب المنير منها
أن وطننا أم والأم تستحق منا الكثير
أن الوطن حبيبة والعشق يتطلب التضحية
أن اطفالنا أمانة فانظروا إلى ما يتعلمه الجيل لأنه هم بناة المستقبل
حقيقة نص مذهل بإسقاطاته
و كنت أتمنى الوقوف مطولا عند كل مشهد
هذا ما أسعفني به الوقت
دمت للإبداع عنوان شاعرنا أ. مؤمن سمير

بقلمي : أحمد اسماعيل/ سورية