دور الزمن في تكوين القيمة

محمد عادل زكى
2019 / 12 / 31

بعد أن توصل ريكاردو إلى تحديد قيمة السلعة بكمية العمل، الضروري النسبي المبذول في سبيل إنتاج تلك السلعة. رأى أن هذه القيمة لا تتوقف فقط على العمل الحي المنفَق في الإنتاج، بل أيضاً على العمل الضروري المنفق في سبيل إنتاج المباني والآلات الضرورية لتحقيق العمل. أي العمل المختَزن. ومن ثم فإن قيمة السلعة الَّتي تحتوي على 4 ساعات من العمل الحي، و6 ساعات من العمل المختَزن، تتساوي، نسبياً، مع قيمة السلعة الَّتي تحتوي على ساعة واحدة من العمل الحي، و9 ساعات من العمل المختزن.

وعلى الرغم من أن قيمة السلعة، على هذا النحو، أصبحت أكثر وضوحاً، وباتت في طريقها إلى الاكتمال، عما كانت عليه عند آدم سميث؛ إذ أمست تتكون من (العمل الحي بالإضافة إلى العمل المختزن)، فلسوف نجد ريكاردو يميل، عبر المراحل الثلاث لتطور فكره (أي ابتداءً من التأثر بآدم سميث، مروراً بما اكتسبه من أفكار بمناسبة المناقشات المستمرة والتي دارت بشأن قوانين الغلال، وانتهاءً بنضجه الفكري نتيجة استفادته من الجدل الصاخب الدائر بينه وبين كبار مفكري الكلاسيك آنذاك وفي مقدمتهم مالتس وماك كولوخ، حول إشكاليات الاقتصاد السياسي النظرية والواقعية، وفي مقدمتها مسائل القيمة والتوزيع) إلى إعادة النظر في نظريته في القيمة، ويتردد في الأخذ بمبدأ القيمة على أساس كمية العمل فحسب، ويشرع في إدخال عنصر الزمن ثم يعيد النظر في منظم القيمة مدخلاً معدَّل الربح/ عائد الرأسمال.

“هناك قيمة إضافية بجب إضافتها للتعويض عن الوقت المستلزم حتى تصل السلعة إلى السوق”. (المباديء، الفصل الأول، القسم الرابع).

فنحن نعرف أن ريكاردو انتهى، على الأقل في الفصل الأول من المباديء، إلى أن قيمة السلعة تنتظم بكمية العمل، وحين مبادلة تلك السلعة بسلعة أخرى فإن التبادل يتم على أساس عدد ساعات العمل النسبي الضروري المبذول في إنتاجها (العمل الحي) وإنتاج الرأسمال الموظف في سبيل هذا الإنتاج (العمل المختزن). ومن ثم يصبح السؤال الَّذي يتعين إثارته هنا، واتصور أنه ثار في ذهن ريكاردو، وجُل مفكري الكلاسيك، هو: كيف يمكن المبادلة، ووفقاً لقانون القيمة، بين النبيذ الَّذي استغرق صنعه 60 ساعة من العمل الحي و60 ساعة من العمل المختزن، وظل في القبو لمدة 120 يوماً قبل أن ينتقل إلى السوق. وبين الفخار الَّذي استغرق صنعه 60 ساعة من العمل الحي و60 ساعة من العمل المختزن، وظل في التجفيف لمدة 60 يوماً فقط قبل أن ينتقل إلى السوق؟ فالسلعتان، النبيذ والفخار، وليكن 60 لتراً من النبيذ، و60 إناءً من الفخار، استغرق إنتاج كلٍ منهما 120 ساعة عمل، أي نفس كمية العمل. ومن ثم يكون من المتعيَّن مبادلتهما، وفقاً لقانون القيمة، بنسبة 1:1، أي: نبادل لتراً واحداً من النبيذ بإناء واحد من الفخار. ولكن، أليس للزمن هنا اعتبار؟ ما الَّذي يجعل صاحب النبيذ يستمر في الإنتاج إذ لم يحصل على مكافأة الانتظار مدة إضافية حتى نضج منتجه؟ ما الَّذي يجعله ينتظر 6 شهور إضافية، دون الحصول على دخل إضافي في صورة فائدة أو ربح إضافي؟

ولذلك، وجد ريكاردو أهمية في إدخال عنصر الزمن:

“أن السلع متساوية بكميات العمل الداخل فيها ستختلف قيمتها التبادلية إذ لم تصل في الوقت نفسه إلى السوق… ثمة قيمة إضافية للتعويض عن الوقت الذي يستلزم حتى تصل السلعة إلى السوق وقيمة هذا الوقت طويلاً كان أم قصيراً”. (المباديء، الفصل الأول، القسم الرابع).

وعلى الرغم من أن ريكاردو وصل إلى مرحلة غاية في الأهمية في علم الاقتصاد السياسي حينما أدرك مبكراً أن التحليل يخلو من عنصر الزمن، وأن للزمن الدور الحاسم في تكوين قانون القيمة، إلا أنه لم يفلح أبداً في الكشف عن القانون الموضوعي الَّذي يحكم تبادل السلع، وفقاً لقانون القيمة، الَّتي تختلف أزمنة إنتاجها، مكتفياً، وكما ذكرنا، بافتراض مكافأة انتظار قدرها 10%، وبلا أن نعرف لمَ 10%، وليس 7% أو13%!

ولذا، ربما يكون علينا هنا انتظار تدخل ماركس، استكمالاً لمكونات القيمة من جهة، وإدخال الاعتبارين المذكورين من جهة أخرى. فعلى ما يبدو أن الرأسمال، كظاهرة، صار له، بعد مرور عشرات السنين على صدور ثروة الأمم، الغلبة والهيمنة على أرض الواقع، ولم يعد مجرد ظاهرة جديدة طارئة أو عابرة. الأمر الَّذي يجعله يبحث له عن مكان متميز لا في تكوين القيمة فحسب، إنما في منظمها أيضاً. فهل سيفلح ماركس وأدواته الفكرية في مهمة الدفاع عن قانون القيمة في مواجهة الرأسمال المطالب بنصيب في تحديد القيمة وتنظيمها عبر الزمن النسبي؟

وفقاً لكتاب رأس المال، يفرق ماركس بين زمن العمل وزمن الإنتاج. فزمن العمل هو على الدوام زمن الإنتاج. والمقصود بذلك الزمن الَّذي يبقى الرأسمال خلاله مقيداً في مجال الإنتاج. وبالعكس، ليس كل زمن يوجد خلاله الرأسمال في عملية الإنتاج هو بالضرورة زمن عمل:

“وثمة مثال طريف على التباعد بين زمن الإنتاج وزمن العمل تقدمه لنا الصناعة الأمريكية لقوالب الأحذية. إن قدراً كبيراً من التكاليف غير المنتجة ينشأ هنا من أن الخشب يتعين تركه حتى يجف لفترة قد تصل إلى 18 شهراً؛ منعاً لتمدد القالب وتغير شكله… ولا يتعرض الخشب خلال هذا الوقت إلى أية عملية عمل… ويظل الرأسمال الموظف عاطلاً طوال 18 شهراً قبل أن يدخل عملية العمل الحقيقية”. (رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل الثالث عشر)

ولكن هذا المثال الطريف المذكور أعلاه، يمثل في ذاته أزمة! فكيف يمكن قياس القيمة هنا؟ وما هو منظمها بالأساس؟ فكيف يمكن لصاحب القوالب الَّذي أنفق 120 ساعة عمل في 18 شهراً أن يبادل قوالبه بالقمح الَّذي تكلف كذلك 120 ساعة عمل كذلك وإنما على مدار 12 شهراً فقط؟

أليس للرأسمال الهاجع هنا دون عمل نصيب في ربح إضافي؟ أليس من حق صاحب القوالب المطالبة بربح عن تعطل رأسماله دون أن يعود إليه كما عاد إلى صاحب القمح؟ ألا يكافيء صاحب القوالب عن طول فترة الدوران؟ ولكن، ألا تعد تلك المكافأة الإضافية، في الوقت نفسه، خرقاً صريحاً لقانون القيمة؟ لأننا في هذه الحالة سوف نعتد بـ معدَّل الربح/ عائد الرأسمال، إلى جوار كمية العمل، كمحدد وكمقياس وكمنظم للقيمة! ومن المعلوم بالضرورة أن عائد الرأسمال هذا ليس هو الرأسمال كعمل مختزن، لأن ما يرغب صاحب القوالب في إضافته ليس قيمة الرأسمال الهاجع كعمل مختزن، والَّذي شارك فعلاً في عملية الإنتاج، إنما هو ربح يري الرأسمالي إضافته دون سبب إلا كونه مقابل تعطل رأسماله فترة انتظار نضح سلعته.

ولذلك، كان هذا المثل الطريف سبباً في أزمة من أكبر أزمات الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، فهو الَّذى أدى بريكاردو، كما ذكرنا سلفاً، إلى أن يعلن عن اتجاهه، في بعض رسائله، إلى تعديل نظريته لا في القيمة فحسب، بإدخال عنصر الزمن النسبي، إنما في منظمها كذلك، بإدخال معدَّل الربح/عائد الرأسمال. وهو الَّذي قاد جيمس مِلْ ورامساى وغيرهما من كبار الكلاسيك، إلى الإعلان الصريح لاعتبارهما نفقة الإنتاج (بمعني معدَّل الربح/عائد الرأسمال، والعمل) هي منظم القيمة.

فصديقنا صاحب القوالب الخشبية يتطابق موقفه مع موقف صديقنا صاحب النبيذ والآخر صاحب الفخار. جميعهم يتعين عليهم الانتظار فترة معينة قبل أن يقوموا بطرح سلعهم في السوق… فلنفترض الآن أن صاحب القوالب الخشبية تكلف 120ساعة عمل، ولكن عليه الانتظار240 يوماً حتى تجف قوالبه قبل طرحها في السوق، وأن صاحب النبيذ، كما افترضنا، تكلف نفس الـ 120 ساعة عمل، ولكن ظلت سلعته في القبو لمدة 120 يوماً فقط قبل أن ينتقل بها أيضاً إلى السوق. وأن صاحب الفخار، تكلف أيضاً 120 ساعة عمل، ولكن ظلت سلعته في التجفيف لمدة 60 يوماً قبل أن ينتقل بها كذلك إلى السوق. كيف يمكن التبادل هنا وفقاً لقانون القيمة؟

مشكلتان إذاً أمام الكلاسيك، وبالتالي أمام ماركس: الأولى: دور الزمن في تكوين القيمة. الثانية: نصيب معدَّل الربح/ عائد الرأسمال في تنظيم هذه القيمة. والواقع أن ماركس تجاهل المشكلة الأولى، إذ على ما يبدو أنه تصور إمكانية حلها، ضمناً، من خلال حل المشكلة الثانية! فوفقاً لما انتهي إليه ماركس، على نحو ما ذكرنا أعلاه، سيكون على المحاسب الَّذي أستأجره أصدقاؤنا الثلاثة، صاحب القوالب الخشبية وصاحب النبيذ وصاحب الفخار، أن يقوم بحساب ثمن إنتاج سلعة كل واحد من عملائه على أساس من العمل الحي الضروري + العمل المختزن في المباني والآلات والمواد + معدَّل الربح الوسطي، الَّذي هو في جوهره متوسط العمل الزائد في الفرع. ولكن كيف حسب المحاسب قيمة الرأسمال الهاجع خلال فترة الجفاف والتعتيق والتجفيف؟ صديقنا المحاسب يمسك بـ رأس مال ماركس ويتلو:

“أما بالنسبة لوسائل العمل… فإن عدم استعمالها يؤدي أيضاً إلى فقدان مقدار معين من قيمتها. وهكذا فإن ثمن الناتج يرتفع بوجه عام؛ لأن انتقال القيمة إلى الناتج لا يحتسب طبقاً للزمن الذي يؤدي الرأسمال الأساسي خلاله وظائفه، بل وفقاً للزمن الذي يفقد خلاله قيمته”. (رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل الثالث عشر)

فإذ ما قام المحاسب بحساب ثمن الإنتاج، آخذاً في اعتباره زمن الإنتاج، أي قام بحساب قيمة العمل الحي الضروري + قيمة العمل المختزن + معدَّل الربح الوسطي. ثم قارن المدة الَّتي يهجع فيها الرأسمال دون أن يدر الربح المرتقب بفارغ الصبر، ووجد أن حساباته تلك لن تحقق لسلعة عميله قيمة مبادلة متكافأة. فلن يكون أمامه إلا أن ينصح عميله هذا بمغادرة الفرع، والاتجاه إلى الفرع الَّذي يحقق نفس معدَّل الربح، في أقصر فترة دوران. وفي مثلنا سنجد أن أقصر فترة دوران هي في فرع الفخار. ومن ثم سوف يهم كل من صاحب القوالب والآخر صاحب النبيذ بمغادرة فرع إنتاج قوالب الأحذية والنبيذ، والاتجاه صوب فرع الفخار. لأن الجميع ينفق 120 ساعة من العمل (الحي الضروري + المختزن+ الزائد)، ولكن لا يعود الرأسمال محملاً بالربح، إذ ما تركنا جانباً زمن التداول، إلا بعد 240 يوماً في القوالب الخشبية، و120 يوماً في النبيذ، و60 يوماً فقط في الفخار. فستكون النصيحة هنا الَّتي يتقدم بها المحاسب لكل من صاحب القوالب وصاحب النبيذ هي تسريح عمالهما، والتحول صوب فرع الفخار؟ ولكن، السؤال الجوهري هو: لماذا لم نزل نرى القوالب الخشبية والنبيذ في السوق؟ ما هو القانون الموضوعي الَّذي يحكم استمرارهما؟ نحن هنا أمام أمرين لا ثالث لهما:

– إما أن نقدم إجابة تبدأ من إهدار قانون القيمة. إجابة ترى أن صاحب القوالب الخشبية والآخر صاحب النبيذ سوف يضيفان ربحاً إضافياً لقاء رأسمالهما المتعطل عن العمل، أي يضيف كل منهما معدَّل ربح وسطي إضافي مكافأة لرأسمالهما! ومن ثم يصبح منظم القيمة كمية العمل بالإضافة إلى الرأسمال. وبالتالي تقاس القيمة حينئذ بالعمل وعائد الرأسمال، أي الربح! ليس فقط الربح المعطي كمعدَّل ربح وسطي في الفرع، إنما أيضاً الربح المعطى كمعدل ربح سائد اجتماعياً! وهو ما يخالف قانون القيمة.

– وإما أن نقدم إجابة تبدأ من تحقيق قانون القيمة. إجابة تبدأ من إعادة استخدام الأدوات الفكرية الَّتي يقدمها الاقتصاد السياسي على نحو يطور العلم ويستكمله. يتعين أن نلاحظ هنا، في مجرى تحليل فكر ماركس، أنه يغفل عنصر الزمن، بل ونراه يتجاهل المشكلة برمتها، ويقنع بالارتكان إلى أن صديقنا المحاسب سيقوم بحساب قيمة الآلات وهي هاجعة دونما عمل، ويعتبر أن تساوي معدَّلات الربح في القطاعات بإمكانها تصحيح المسألة! ولكن هذا كله غير صحيح، لأن المشكلة لم تزل قائمة، حتى بعد قيام محاسبنا بحساب قيمة الآلات الهاجعة، هذا من جانب. ومن جانب آخر، فإن الاكتفاء بقدرة تساوي معدَّلات الربح على توجيه المنتجين إلى فروع الإنتاج ابتداءً من إقدام وإحجام الرساميل وفقاً لمعدَّل الربح الوسطي فحسب يفضي إلى حتمية التسليم بأن صاحب القوالب والآخر صاحب النبيذ، سوف يتجهان إلى فرع الفخار، وهذا لا ولم ولن يحدث،ابتداءً من استخدام الأدوات الفكرية الَّتي كشف عنها ماركس نفسه.

ولنفترض الآن، أن صديقنا صاحب النبيذ استجاب، بلا وعي، لنصيحة محاسبه فأغلق معمله وباع معصرته وسرح عماله، وانتقل إلى فرع إنتاج الفخار، رغبة في جني نفس معدل الربح في أقصر فترة دوران. فنحن الآن نراه أمام مشكلة لا تختلف نوعياً، فهي مشكلة ترتبط بالزمن كذلك، فصاحب النبيذ مضطر إلى أن يجلس بجوار سلعته في السوق منتظراً أن تتحول من شكلها السلعي إلى شكلها النقدي، أي أن يقوم برسملتها، أي تحويلها إلى رأسمال مرة أخرى. ولكن انتظاره هذا قد يطول. فلنفترض، وفقاً لمثال ماركس، أن رأسمالاً يبلغ 900 جنيهاً، ينشط خلال زمن إنتاج قدره 9 أسابيع، وزمن التداول مقداره 3 أسابيع. عندئذ يبلغ إجمالي فترة دوران الرأسمال 12 أسبوعاً. وعليه، لا يمكن لفترة الإنتاج الجديدة أن تبدأ ثانية إلا في بداية الأسبوع الثالث عشر، أي أن الإنتاج سوف يتوقف لثلاثة أسابيع (هي عمر زمن التداول). ولكي يتجنب صديقنا صاحب الفخار هذا الانقطاع (بسبب التداول) يقوم بضخ رأسمالاً إضافياً، يفترض ماركس أن قيمته 300 جنيه ويتم ضخ هذا الرأسمال الإضافي في ختام الأسابيع التسعة من فترة العمل الأولى ليبدأ فترة عمل ثانية فور انتهاء الأولى دون توقف، كي يضمن التدفق المستمر للإنتاج، والرأسمال والربح معاً.

“… إن فترة عمل الرأسمال البالغ 900 جنيه… تكتمل في نهاية الأسابيع التسعة، ولا يتدفق عائداً إلا بعد 3 أسابيع، أي في بداية الأسبوع الثالث عشر، غير أن فترة عمل جديدة تبدأ على الفور بالرأسمال الإضافي، وبتلك الطريقة يتم الحفاظ على استمرارية الإنتاج”. (رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل الخامس عشر)

حتى الآن لم تحل المشكلة. ولا يمكننا الارتكان إلى الحل الضمني الذي يقدمه ماركس. ولذلك سنعمد إلى طريق آخر؛ طريق يقدم إجابة تبدأ من تحقيق قانون القيمة. إجابة تبدأ من إعادة استخدام الأدوات الفكرية الَّتي يقدمها الاقتصاد السياسي على نحو يطور العلم ويستكمله؛ فنحن نعلم أن الاقتصاد السياسي انتهى إلى أن قيمة السلعة تتحدد بكمية العمل الضروري المبذول في إنتاجها. أما قيمة مبادلة السلعة فهي تتحدد بكمية العمل الضروري النسبي. وتقاس تلك القيمة بعدد ساعات العمل. ولكن ما وصل إليه الاقتصاد السياسي على هذا النحو لا، ولن يسعفنا، في سبيل التعرف إلى سبب بقاء الثلاثة في السوق، دون تحول أحدهما أو كلاهما، أي صاحب القوالب وصاحب النبيذ، إلى فرع إنتاج الفخار؛ لأن كل واحد من الثلاثة يتكلف 120 ساعة من العمل (الحي+ المختزن+ الزائد)، ولكن لا يعود الرأسمال محملاً بالربح، إذ ما تركنا جانباً زمن التداول كما وذكرنا من قبل، إلا بعد 240 يوماً في فرع إنتاج القوالب الخشبية، و120 يوماً في فرع إنتاج النبيذ، و60 يوماً فقط في فرع إنتاج الفخار.

أن الفرضية الَّتي نتقدم بها هي أن السبب في استمرار الثلاثة في السوق هو: أن القيمة الاجتماعية للسلعة، عبر تطورها، لم تعد تتحدد بكمية العمل الضروري المبذول في إنتاجها فحسب، إنما صارت تتحدد بكمية العمل الحي والمختزن والزائد مقسومةً على زمن إنتاجها، أي تتحدد بقيمتها الاجتماعية ÷ زمن إنتاجها. أما قيمة السلعة النسبية فهي تتحدد بقيمتها الاجتماعية مقسومة على زمن إنتاجها، مقارنة بالقيمة الاجتماعية للسلعة الأخرى المتبادل بها مقسومة أيضاً على زمن إنتاجها. والسلع حينما تتقابل على نحو طبيعي إنما تتبادل وفق هذا القانون وحينما تتأرجح أثمانها في السوق فإنما تتأرجح حول هذه القيمة الاجتماعية.
بناءً عليه، وإذ قمنا، إعمالاً لمذهبنا في قياس القيمة، باستبدال ساعة العمل بكمية الطاقة الضرورية، وافترضنا أن كلاً من الثلاثة ينفق 12000 سعراً حرارياً ضرورياً (عمل حي + عمل مختزن + عمل زائد)، ولكن لا يعود الرأسمال محملاً بالربح، إلا بعد 240 يوماً في فرع إنتاج القوالب الخشبية، و120 يوماً في فرع إنتاج النبيذ، و60 يوماً فقط في فرع إنتاج الفخار، فإن قيمة وحدة واحدة في فرع إنتاج النبيذ تساوي قيمة 2 وحدة في فرع إنتاج الفخار. وقيمة 2 وحدة في فرع إنتاج الفخار تساوي قيمة نصف وحدة في فرع إنتاج القوالب الخشبية. وقيمة نصف وحدة في فرع إنتاج .القوالب الخشبية تساوي قيمة وحدة واحدة في فرع إنتاج النبيذ.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية