اللوغوس -ذي القرنين-

نايف سلوم
2019 / 12 / 25

يقترح مترجم كتاب "الأسطورة والفكر اليوناني" مفردة "الميثة" بدل "الأسطورة" لترجمة الكلمة اليونانية "Mythos"، وقد جرت العادة أن تترجم إلى العربية بالاسطورة. الميثوس أو الميثة هي الصيغة التعبيرية التي قالت بها الحضارة اليونانية ذاتها بدءاً من الشعر والإنشاد والقصّ، من ثم استعمالاً وتوظيفاً في خطاب الفلسفة ذاته. الميثة ( le mythe ) تروي أحداثاً خارقة تعود إلى الأزمنة الغابرة أبطالها آلهة وأنصاف آلهة وهي غير مرتبطة بأي حدث تاريخي، بينما الأسطورة ( la légende ) تتناول أحداثاً تاريخية أبطالها بشر فتطوّرها وتضخّمها المخيلة الشعبية أو الابداع الشعري الملحمي. والشاعر الملحمي عبقرية التذكّر، هو المتنبي المُنشد الذي يُذكّر بالبطل وأفعاله. أما الخرافة ( la fable ) فهي حكاية قصيرة جداً مجازية أحداثها مختلقة غير خارقة وأشخاصها حيوانات بصورة رئيسية.
الميثة تخصّ "أنساب الآلهة"(ثيوغوني)، بينما الأسطورة تخص تاريخ البشر البطولي ونسابتهم.
لقد أنكر القرآن الكريم الأساطير وقال بالقصص (الميتوس) والوحي لتقديم التعاليم الإلهية المتعالية، حيث جاء قوله: (إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وجاء أيضاً: (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وجاء أيضاً: (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) . ونفهم من "التأويل الميثولوجي المنهجي (التأويل المجازي الرمزي) "اشتداد فيلون (تشدّده) في دفاعه عن الموسويّة ضد الاتهام بأنّها كتابة أساطير. هذا التشدّد الذي لا يمكن مقارنته تماماً إلّا بدفاع الرواقيين المجازييّن عن تقوى هوميروس وحكمته. وفيلون، في صرف الأساطير عن المدينة الموسويّة ، يتبْع بلا جدال أفلاطون. يقول: إنّ موسى، بمناسبة العماليق (التيتان)، بعيداً جدّاً عن أن يصوغ أساطير، إنّه صرفَ عن مدينته الرسم والنحت ، فنّين نبيلين وفاتنين، ومع هذا فإنّ أفلاطون يلجأ إلى الأساطير حين لا يمكن للعقل أن يصل إلّا إلى ما هو شبيه بالحق، لا الحقّ نفسه، ويلوح تماماً أن فيلون قد كتب.. هذه الفقرة التي جاء فيها: موسى لايُحب الأشياء الشبيهة بالحق، والمُزخْرفة أو الخطابية، إنّه يسير وراء الحقيقة.. تاركاً جانباً الأساطير الخيالية غير المؤكّدة وإنْ كانت شبيهة بالحقيقة. إنّهم أنصار التفسير الأسطوري، وليس غيرهم، الذين يتتبعهم فيلون دون انقطاع تحت اسم "سوفسطائيِّ المعنى الحرفي.. إذ يقول: هؤلاء الذين، لأنّه ترين عليهم قوّة لاتقهر(قوة العُرْف)، وقعوا تحت تأثير التجسيم والتشبيه.. هؤلاء الذين ظلّوا مرتبطين بالمعنى الحرفيّ هم مواطنون صغار(ضيّقوا الأفُق)، وهم الذين، نتيجة لذلك، لايعتبرون اليهودية إلّا مدينة صغيرة، بينما المجازيّون اليهود هم مواطنوا العالم كلّه. هذه الكلمة الأخيرة تلخِّص قصد فيلون من استعماله طريقة التأويل المجازي" إنّ " بداية محاورة فايدروس لأفلاطون "موجَّهة لصرف جميع العناصر الأسطورية. لا لإدانتها بالكامل، وإنّما ليحرّرها، إذ يقوم هو بصرفها، ليتحرر من السذاجة مفرطة الجديّة، سذاجة الفيزياويين، "العقلانيين"، وفي الأوان ذاته ليتحرّر هو نفسه منها في علاقته بذاته ومعرفة ذاته"
والقَصص هو ما يصفه الأنتروبولوجيون المحدثون بالميث أو "ميثوس" Mythos الذي تميّز أو تمايز عن اللوغوس Logos " جاء في القرآن الكريم: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) يتم تمثيل اللوغوس عن طريق القصص وضرب الأمثال، أي عن طريق الميثوس. ميثوس= مِثل ، من حيث المثل مناظرة الشيء للشيء؛ المثل والمثال، ومثيل كشبيه، والمثل المضروب مورّى به عن مثله في المعنى، والمثال الفِراش" وعلي مثل محمد وعِدْله؛ نام في فراشه. "ففي ليلة الهجرة أسرّ محمد إلى عليّ بن أبي طالب أن يتسجّى بُرده الحضرميّ الأخضر وأن ينام في فراشه ، وأمره أن يتخلّف بعده بمكّة حتى يُعدّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس" وفيلون الإسكندري "هو الذي سار مسير الأمثال" في تأويله المجازيّ للتوراة، "فالذي يُرى تحت الألفاظ والكلمات، هو "ما تحويه من العقل الذي لا يُرى والذي تحويه الكلمات"، "ضروب جمال المُثُل"، وأخيراً الأشياء التي لاتُرى"" ، جاء في القرآن الكريم: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) .
لدينا خطاب فلسفي نظراني (اعتباراً من افلاطون وأرسطو) متمركزٌ على اللوغوس، يعتمد على الحوار والقياس والاستدلال والبرهان من جهة (لوجيك)، وخطاب نبويّ قائم على اللوغوس أيضاً ، لكن عن طريق التمثيل و القصص أو ما يُسمّى بالميثوس، حيث يظهر اللوغوس: ميثوس على طريقة الكناية والتمثيل، و اللوغوس متوارياً. لدينا مدينة أثينا ؛ مدينة- دولة (polis) أمّ المدن تجسّد "اللوجيك" من جهة، ولدينا قرية كبيرة؛ أم القرى مكّة، تُجسّد الميثوس أو القصص من الجهة الأخرى. واحدة ظهر بها أفلاطون، وأخرى ظهر بها النبي محمد بن عبد الله. واحدة قائمة على نمط إنتاج آسيوي (مكّة) والأخرى قائمة على نمط إنتاج قديم ونمط إنتاج جرماني أتى به الدوريون من شمال أُوروبا (أثينا).
وكلمة (قصّ) تعني تتبع الشيء، اقتصصت الأثر إذا تتبعته. ومن ذلك اشتقاق القِصاص بالجِراح، وذلك أنّه يُفعل به، مثلُ فعله بالأوّل، فكأنّه اقتصّ أثره ، ومن الباب القِصّة والقَصص ، كل ذلك يُتتبع فيُذْكَر" . (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) . والقِصّة والقَصص كل ذلك يتتبع فيذكر، أي الشيء بالشيء يذكر لحضور المناسبة.
الميثة µúθος هي الصيغة التعبيرية أو السردية / القصصية التي جاءت بها السيرة المحمديّة وأخبار النبي وأخبار دعوته وصحيح الأحاديث. والميثة ليست شعوذة أو شعبذة كما يقول ابن خلدون، الميثة هي المغامرة البطولية للعقل البشري، والمغامرة البطولية هنا هي فعل تاريخي- اجتماعي مُتفرّد؛ التاريخ وهو يصنع ذاته بذاته. من هنا يظهر عدم ارتباط هذا الصنع بأي حدث تاريخي. إن "البطوليّ" الذي تقوله الميثة هو الترجمة القصوى الأساسية المتعلقة بمصائر الجماعات البشرية، و هو فعل تأسيسي وفجر جديد. وللفجر دلالة البدئي أو الأصلي أو الفعل المؤسِّس أو ما يُسمّى بالمتخيل الراديكالي، وللفجر دلالة المقبل الذي تهلّ معه بشائر تحطيم كل الطواغيت التي لم يتعلم الناس بعد أن أرجلها من طين وجسدها من خشب. وعلينا أن نلاحظ أن المأساة في شكلها الكلاسيكي تخص الأبطال داخل الكلية الاجتماعية القائمة، بينما النبوة المحمديّة تتجاوز المأساة والبطولة البشرية إلى فعل الإيمان والتحولات التاريخية والفعل المؤسِّس والمتخيل الراديكالي، إلى الفعل "الإلهي". هكذا تخرج النبوة عن حد المأساة لتتجاوز الكلية الاجتماعية القائمة عبر تحويلها وتجاوزها ورفعها. المأساوي الكلاسيكي يقع في مقولة الأخلاقي الذي يشير إلى عمل الكلية الاجتماعية وكفاح البطل داخلها والتضحية بالنفس في سبيل انقاذها، بينما النبوة المحمّدية ومعها الميثة تدخل في مقولة الديني وبالتالي تعود إلى زمن الثورة والتحولات الكبرى والتحضيرات الطويلة. وإلى هذا الفارق بين الميثة والمأساة (البطولة) يشير عنوان كتاب جان بيير فرنان (ميثة ومأساة Mythe et tragédie)
وعلينا منذ البداية أن نُميِّز تماماً بين سردية السيرة المحمدية وهي من عمل مؤرخين وكتاب سيرة وإخباريين ومصحّحي أحاديث ورواته وكتّاب أسباب النزول وغير ذلك كثير، وبين عمل النبوة المحمّديّة كفعل تأسيسي تاريخي- اجتماعي وظهور صهارة جديدة من الدلالات في القول والفعل. في السيرة يحصل الإعجاز في السرد، وفي النبوّة يحصل الإعجاز في الفعل الإيمانيّ المفارق أو مشروع الكون المحمّديّ التخيّلي الجديد المؤسِّس وصياغته نظماً ونظرية باللغة العربية (القرآن). والمفارقة تتموضع هنا بين المشهود والمنشود، وأن العلم الذي بلغ كماله هنا هو خادم للعمل ودليله، حيث العمل يشكل تكملته. فما أن يحضر المعنى بذاته حتى يُغيِّب الاسم؛ فالممارسة تطمس النظرية كما يقلع العمل عين العلم.
وميثا أو ميتا meta تعني ما وراء، أي ماوراء ظاهر السرد في السيرة المحمدية. هذا المناخ الميثولوجي يهيمن على سردية السيرة المحمدية وأخبار أشخاص الدعوة وعوالمهم. والميثة مكوّنة من طبقتين أو أكثر للمعنى ، تقدم الطبقة السطحية سردية عادية خالية من أي "إعجاز" كأنْ يمرّ عبد الله بن عبد المطلب (طفل الميعاد) من جانب كاهنة متهوّدة فتُعجب به وتطلبه لنفسها تتزوجه فيُعرض عنها لأنّ أباه عبد المطلب خطب له آمنة بنت وهب من سيدات بني زُهرة، القبيلة المتحالفة مع بني هاشم وبني المُطّلب. لكن الإعجاز والغموض وصعوبة الوصول إلى المعنى الأعمق لهذه السردية أو القصّة التي تخص (طفل الميعاد) تكمن في أن علامات الوصل بين الطبقة السطحية والطبقات الأعمق تكاد تكون شاحبة، وكلّما ضعفت القرائن أو العلامات والإشارات التي تُشير إلى المعنى الأعمق كلّما عجزنا عن فهم مغزى هذه السردية "الميثولوجية" . من هنا تغدو الميثة "كناية" حسب بلاغة العربية تجمع طبقتين أو أكثر أو جانبين؛ واحد حسّي سطحي يومي، وآخر معنوي متعلق بحقيقة السيرة، يذهب متوارياً خلف الطبقة الأولى. وهنا تتكشّف العلاقة بين الميثة واللوغوس في أن الميثة تقوم بعمل مزدوج، فهي من ناحية تحجب المعنى المتواري عن العقول الضعيفة والمُسترقة، وهي هنا تحفظ الأسرار الوجودية والمعاني الأكثر قيمة وعمقاً، ومن ناحية ثانية تُوصل كنايةً إلى المعنى المقيم في الآعماق بعد جهد عقلي تأويلي- مجازي (أي بعد هَرْمَسة) وهو ما يُسمّى إعجازاً لوعورته وغموضه على مدى يزيد على ألف سنة. إن التأويل "المجازي- الرمزي" عند "الترابيتيّين" وهي طائفة يهودية مترهّبة شبيهة بجبرانها الإيسّينيين تعيش قرب بحيرة مريوط شمال غرب الاسكندرية، قام أولاً في "أنها توسعت في الرموز وخلّصتها مما يختلط بها، ثم جذبت إلى النور الواضح المبين هذه الأفكار للذين يستطيعون ، مبتدئين من إشارة غير ذات دلالة، رؤية الأمور الخافية غير المرئية من خلال الأشياء المرئية"
ماذا لو أن الجنس البشري كان يعبر خلال العالم كما تعبر السفينة عباب البحر، والرياح خلال القفر وكأنّه نشاط يخلو من الفكر والثمر، ماذا لو أن نسياناً أبدياً يحوم دائماً وأبداً حول فريسته ، ولم يكن ثمّة قوة قادرة على انتزاعها من براثنه، كم تكون الحياة عندئذٍ خاوية لاراحة فيها" لقد بعث التذكّر المُحمّدي (مِلّة) إبراهيم وأنجب ذريّة إسماعيل ، حاملة المشروع العظيم.
هوامش ومراجع
1- اللوغوس هو الاسم القديم للديالكتيك الألماني الهيغليّ- الماركسيّ، وهو سلف جبريل القرآنيّ .
2- القلم:15 ، والمطففين : 13
3- الانفال : 31
4- الأنعام : 25
5- قارن نفور الاسلام المحمديّ من الرسم والنحت(الصور والتماثيل والأصنام)
6- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري- مذكور ص 98- 99
7- نايف سلوم: أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل ، دار التوحيدي حمص ص 151
8- محمد أركُون: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة وتعليق هاشم صالح ، الطبعة الثانية 2005 دار الطليعة –بيروت ، ص 6
9- يوسف: 3
10- معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت: 395 هـ) بتحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون ، دار الفكر للطباعة والنشر ، الجزء الخامس ص 297 وسنرمز له لاحقاً ب (م م ج ص) الجزء والصفحة .
11- محمد حسين هيكل: حياة محمد، مكتبة النهضة المصرية – القاهرة 1968 ص 223
12 - إميل بريهيه: الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري ، إدارة الترجمة 1954 ص 63
13- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري، تأليف الاستاذ إميل بريهيه، ترجمة الدكتور محمد يوسف موسى و الدكتور عبد الحليم النجّار، دار المعارف العمومية إدارة الترجمة القاهرة 1954 ص 92 .
14- العنكبوت: 43
15 - م م ج5 ص 11
16- آل عمران : 59
17- جان بيير فرنان- بيير فيدال ناكيه : الأسطورة والتراجيديا في اليونان القديمة . ترجمة د. حنان قصاب حسن ، الأهالي للطباعة والنشر – دمشق ، الطبعة الأولى 1999 الطبعة الصلية 1972 تحت عنوان Mythe et Tragédie (الميثة والتراجيديا) في خطأ شائع لترجمة الميثة بالاسطورة في العديد من الكتب المترجمة.
18- قلع: انتزاع شيء من شيء (م م ج5 ص 21 )
19- الآراء الدينية والفلسفية لفيلون الإسكندري، تأليف الاستاذ إميل بريهيه، وزارة المعارف إدارة الترجمة القاهرة 1954 م ص 84
20 - "خوف ورعدة" تأليف سيرن كيركيجور ، ترجمة فؤاد كامل 1984 دار الثقافة للنشر والتوزيع ص 31
(هذا هو الفصل الأول من كتابنا الجديد: "الشَّذْرات والنُّكَت في السيرة المُحمّديّة" الجزء الأول- مقدمة جديدة)

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول