الإمبريالية تطورها و صراعها الإستعمارى (الحلقة الأولى)

عمرو إمام عمر
2019 / 12 / 22

عودة الإستعمار
تصدير

الصراع الذى نعيشه اليوم لا يختلف كثيرا عن صراع التحرر ضد الإستعمار الكولينيالى فى السابق ، فالأستراتيجيات السياسية فى ظل عصر إنتصار البرجوازية ، أعاد مرة أخرى الهيمنة الأستعمارية ، فلم يعد العالم منقسما شرقا و غربا ، راسمالى و أشتراكى بل عاد إلى منظومة السادة و العبيد ، و صراع القوى اليوم يعيد بالأذهان نفس الصراع الذى كان يدور بين القوى الإستعمارية فى القرون السابقة ؛ فى ستينات القرن الماضى تعاظمت الأحلام و أخذنا نتحدث عن أحتضار الإستعمار – كنا واهمين - ، أما اليوم فعدنا نكافح هذا الإستعمار الذى أتخذ شكلا ًمغايراً بعد أن تعلم من دروس الماضى ، و إن لم تتغير استراتيجياته كثيرا و لا حتى أساليبه إلا فى بعضها …

التاريخ لأى ممارس للعمل السياسى هو المعين الذى يجب أن يتعلم منه ، هو المعمل الذى يرى فيه نتاج تجارب الماضى و يستطيع من خلاله أن ينظر للحاضر و يستكشف المستقبل ، كذلك دراسة الجغرافيا السياسية بكافة جوانبها فهى المحرك الفعلى لعجلة التاريخ السياسى للأمبريالية الإستعمارية ...
إن معركة الأستقلال و التنمية فى أى دولة من دول العالم الثالث لن تحدث إلا بالتضاد مع الرأسمالية ، و بالتالى فإن معاركنا معها لن تتوقف و ستحارب الرأسمالية الإمبريالية بكافة السبل لأيقاف تلك المحاولات الطامحة فى التخلص من سيطرتها ، لن تكون القوة العسكرية المباشرة هى وسيلتها الوحيدة بل ستحاول تفتيت الحركة الوطنية لإضعفها بطرق عديدة و متنوعة ، لذا فيجب على الطليعة الثورية الأستفادة من التجارب التاريخية فى مواجهة التسلط الأمبريالى الرأسمالى …
مرت مصر بتجربة تنموية تعتبر من افضل التجارب على مدار تاريخها الطويل فقد كان نموذج التنمية المصرى فى ستينات القرن الماضى الأفضل على مستوى العالم و هذا بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء ، ففى تقرير البنك الدولى الصادر برقم 870-أ لعام 1968 يقول أستطاعت مصر أن تحقق خلال الفترة ما بين 1967/1957 معدل نمو7.5% سنويا تقريبا ، و هى نسبة تماثل اربعة اضعاف ما تم تحقيقه خلال اربعين سنة سبقت تلك الفترة الزمنية ؛ هذه النسبة لم يكن هناك مثيل لها سوى فى اليابان و المانيا الغربية و مجوعة الدول الإشتراكية فى حلف وراسو ، بينما كانت نسبة النمو فى الدول الصناعية الكبرى فى المعسكر الرأسمالى (أنجلترا ، فرنسا ، الولايات المتحدة) تقدر بحوالى 4.5% ، لا زالت تلك التجربة بالنسبة للأمبريالية صداعا مزمنا تريد الخلاص منه ، فالأستعمار يريد دولاً مفككة متخلفة موردة للخامات و سوقاً للمنتجات و منظومة حاكمة مستأنسة ضعيفة مسالمة يحركها كيفما شاء ...

العلاقة بين الإمبريالية و الثورات العلمية

لم تكن الثورات العلمية و الصناعية عبارة عن أكتشاف آليات جديدة فى عملية التصنيع ، و لكنها خلقت عوالم مختلفة بسمات أجتماعية و جيوبلوتيكية متغيرة فى كل حقبة منها ، فمن عصر الفحم و الحديد و البخار حتى عصرنا اليوم حيث المواصلات و الإتصالات المكانية و اللامكانية ترتب عن ذلك ثورة جذرية ، فتقلص العالم و أختزلت المسافات و أصبحنا نعيش فى عالم صغير ينكمش بأطراد ، و بالطبع أثر هذا على المنظومات السياسية و الأقتصادية ، فهذا الأنقلاب الصناعى التكنولوجى خلق منظومة أقتصادية شرهة ، و كان نتيجتها تحولات فى المنظومات السياسية و الإجتماعية فتمخض العالم ليخلق مجتمعا برجوازياً رأسمالياً ، أساسه التملك و التوسع لا ينفك يخرج من حمى نهب الخامات و الموارد حتى يدخل فى نهم البحث عن الأسواق لتصريف منتجاته ، لذا فتلك الأنقلابات خلقت منظومة أقتصادية و سياسية محمومة دائما بتركيبتها الذاتية و أصبح تريقها الدائم هو الأستعمار ؛ من هنا أنطلقت القوى الإستعمارية الصناعية للسيطرة على الموارد و على اسواق لتصريف منتاجاتها ؛ لكن داخل و خارج تلك الدول الصناعية الكبيرة خُلق تشكيل أجتماعى متناحر بين من يملكون و من لا يملكون ، بين البرجوازية و البروليتارية فى الداخل ، و مستعمِرين و مستعَمرين ، فالمستعمرات لم تكن سوى بروليتاريا السياسة الدولية ، لتنطلق اشارة البدء فى سباق محموم نحو الإستعمار الكولينيالى شهدته الإنسانية بداية من القرن السابع عشر ، و البحث عن اراضى جديدة تستوعب الزيادات السكانية التى شهدتها الدول الأوروبية ؛ فالقارة العجوز خاصة فى القرن الثامن عشر ارتفع عدد سكانها من 187 مليون إلى 401 مليون نسمة لتصبح متخمة بفائض سكانى خرج من القارة كالطوفان إلى كل من الأمريكتين و أستراليا و كذلك دول المستعمرات ، كما إننا لن نغفل النظم الأقتصادية و الاجتماعية الجديدة التى خلقتها المنطومة البرجوازية الناتجة عن الأنقلاب الصناعى ، فالصراعات الطبقية و الأضطربات السياسية و الحروب و الضغوط المادية و الإنسانية على البروليتاريا المسحوقة كانت من أهم عوامل الطرد و الرغبة فى الهجرة ، لذا ليس من الصدفة أن موجات الهجرة من أوروبا كانت دائما مقرونة بالأضطرابات السياسية و الحروب فى الفترة من 1830 إلى 1870 ، ما بين ثورات شعبية و حروب عبثية و كساد أقتصادى حيث نزح من أوروبا فى تلك الفترة ما يقدر بـ 60 مليون نسمة لتشكل تلك الهجرات الأضخم تاريخياً و إن تذكر لنا العديد من المصادر و المراجع أن عددا ليس بالقليل من هؤلاء المهاجرين قد عادوا مرة ثانية إلى أوروبا بعد حدوث أستقرار نسبى فى الأنظمة السياسية و الأجتماعية ، ثم أتت فترة الحرب العالمية الأولى ليهرب مرة أخرى الكثير من الأوروبيين من جحيم الحرب خاصة إلى دول المستعمرات ثم العالم الجديد و قد نالت أمريكا الشمالية جزء ليس بالقليل منهم ، ثم تلتها هجرات أخرى خلال فترة الحرب العالمية الثانية 1939 إلى 1944 و تركزت بالنزوح إلى دول المستعمرات و أمريكا الجنوبية و قد نالت القارة الأمريكية الشمالية و استراليا جزء من تلك الهجرة و إن كان أقل نسبيا ...
مجازر و أنحطاط الرأسمالية

واكب تلك الهجرات خاصة إلى العالم الجديد فى الأمريكتين و استراليا خلال القرنين السابع عشر و الثامن عشر ، مجازر إنسانية لم يشهدها التاريخ من قبل او من بعد على يد ذلك الإنسان الأوروبى (المتحضر) ، فقد شهدت القارتين الأمريكية الشمالية و الجنوبية ما لم تعرفه الإنسانية ، فقد قتل ما يربوا من 112 مليون نسمة من شعوب الهنود الحمر ، أكثر من 400 أمة و شعب تم إبادتهم بالكامل ليتثنى للمستعمر الأوروبى و ثقافته الليبرالية البرجوازية أن تبنى حضارتها على جثث أبناء تلك الشعوب ، إنها أحط مراحل البربرية و الهمجية التى يمكن أن تشهدها الإنسانية ، حيث بدأ بأحتلال سياسى و انتهى بأحتلال و إبادة جنسية بإحلال الأوروبى الأبيض مكان الهندى الأحمر و الإسترالى أصاحب الأرض الأصليون …

وصلت علميات الأبادة فى أستراليا التى مارسها الأوروبيين البيض إلى حد ما أطلق عليه صيد الرؤوس Head Hunting حتى أنها باتت تمارس كنوع من الرياضة ، على الجانب الآخر تلك المجازر أفقدت القارة الأمريكية الشمالية و الجنوبية الايدى العاملة و أحست الرأسمالية أنها خسرت بأبادة كل تلك الأجناس التى كان من الممكن الأستفادة منها ، إلا أنها وجدت الحل فى القارة الأفريقية لتبدأ عمليات أختطاف للملايين من الافارقة للعمل كعبيد لتعمير العالم الجديد ، أنه مبدأ القوة الذى دائما ما تتكىء إليه الرأسمالية سواء كانت عسكرية أو اقتصادية ، صاحب القوة الغاشمة أما يبيد الأضعف أو يستعبده …

الناتج السياسى لكل تلك الأحداث التاريخية اضاف إلى القارة الأوروبية قوة أستراتيجية و أقتصادية لتصبح هى سيدة القارات و محور أرتكاز العالم ، لكن مستعمرات تلك القوى فى العالم الجديد ما لبثت أن بدأت تشعر بضرورة الأستقلال عن القارة الأم ، ليبدأ صراع من نوع آخر …
صراعات رأسمالية / رأسمالية

جاء فجر القرن التاسع عشر ليكون قرنا بريطانيا بأمتياز فقد سقطت أمبراطوريات أستعمارية سبقتها ، بداية من التركية (الدولة لعثمانية) ، للبرتغالية ، للأسبانية ، للهولندية ، و اخيراً الفرنسية ؛ قرن كامل كانت السيادة البريطانية على العالم هى أساس السياسة الدولية و لم تستطع فرنسا – الجار الأكبر أوروبياً - أن تكون ندا لها و إن حاولت التملص فى مواقف مختلفة من تلك السيطرة البريطانية لكنها لم تستطع تحقيق نجاح يذكر ، حتى جاءت الأتفاقية الودية بين الغريمين الفرنسى و الانجليزى عام 1904 لتصبح فرنسا رسمياً بمثابة الشريك الثانى أو الحليف القوى الذى يعيش فى ظل الأمبراطورية البريطانية التى وصفت بأنها لا تغيب عنها الشمس …

و لكن هذا لم يستمر طويلا حتى بدأ يظهر منافس قوى قادم لهما من وسط أوروبا و أعنى هنا ألمانيا التى تململت من السيطرة البريطانية الفرنسية و أرادت أن يكون لها نصيب فى كعكة السيطرة على العالم و الدخول فى النادى الأمبريالى ليشهد العالم فى النصف الأول من القرن العشرين حربين عالميتين ليست إلا صراعا إمبرياليا / إمبرياليا إنتهى فى المرة الأولى بتحديد مناطق النفوذ و السيطرة و فى الثانية إعادة تشكيل القوى العظمى المسيطرة على العالم …

ثورات إعادة إنتاج الإستعمار

منذ وفاة رموز حركات التحرر الوطنى فى العالم عبد الناصر ، تيتو ، نهرو ، و ماو تسى تونج كذلك حالة الضعف التدريجى التى إنتابت المعسكر الإشتراكى بعد مؤامرة أغتيال ”جوزيف ستالين“ و الأنقلاب الهادئ على المبادئ الماركسية الذى حدث فى الاتحاد السوفيتى بقيادة ”خرشوف“ و إنتهاء بوصول شخصيات من نوعية ”ميخائيل جورباتشوف“ ليسفر فى النهاية إلى تفككه ، و حالة التيه التى أصابت حركات التحرر الوطنى فى دول العالم الثالث منذ أواخر السبعينات ، و سيطرة نخب سياسية للحكم ضعيفة تدين بالولاء للأستعمار فى العديد من تلك الدول ، و ”طوفان اللبرلة“ الذى غمر الأحزاب الإشتراكية الأوروبية و أصاب هذا الفيروس القاتل العديد من أحزابنا و تنظيمتنا الشيوعية و اليسارية ، بالطبع أدى هذا إلى أضمحلال الحركة الشيوعية العالمية ، و جاء الُمخاض فى القرن الواحد و العشرين بعالمنا العربى ثورات شعبية غير ناضجة و مغيبة لا تحمل فكرا ثوريا تحرريا واضحاً ، ملتحفة بخدعة الليبرالية و الديمقراطية البرجوازية ، شعوب على مدار خمسة أجيال تم تغييب وعيها بنشر الفرقة مرة بأسم العرق و أخرى بأسم الدين ، لا تحمل مشروعا تنمويا حقيقيا ، ثوارات قامت ضد الفقر و الجهل و هى لا تعرف كيفية الفكاك منهما ، ينادون بديمقراطية ليبرالية تم صناعتها و هندستها لتعيد إنتاج نفس النظم الخائنة لتستمر المعاناة كأننا نعيش داخل حلقة دائرية مفرغة ، المستفيد الوحيد منها هو الإستعمار الذى عاد مجدداً أكثر شراسة يلبس حلة جديدة تشكلت خيوطها من جهل الشعوب ، و زين صدرها بالأثنية و الرجعية الدينية ...

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول