أرضية سياسية لجزائر الغد

رابح لونيسي
2019 / 12 / 22


تعيش الجزائر منذ22فيفري2019 ثورة سلمية أبهرت العالم لدرجة ترشيح الشعب الجزائري إلى جائزة نوبل للسلام، فمحا بذلك كل ما ألحق به من تشويه من السلطة المستولية على مقدراته، والتي تعمل جاهدة اليوم لدفع الشعب إلى العنف بإستفزازاتها ومناوراتها لأن العنف هو السلاح الوحيد الذي تحسن هذه السلطة إستخدامه.
تستهدف هذه الثورة السلمية تغيير آليات عمل نظام تنتج الفساد والرداءة والظلم السياسي والإجتماعي، ويعود ذلك إلى إستيلاء مجموعة على السلطة بالقوة في 1962، وسرقت ثورة تحرير كان هدفها تحرير الجزائر وشعبها من الإستعمار الغاشم وإقامة نظام ديمقراطي تسوده العدالة الإجتماعية، لكن حولت هذه المجموعة الدولة وأجهزتها إلى أداة للإستيلاء على الريع ونهب خيرات الشعب وقمع كل معارض لذلك، ولايمكن لثورة22فيفري2019 النجاح إلا بالقضاء على كل هذه الأساليب وتحويل الدولة إلى خدمة الأمة كلها دون أي إقصاء سياسي أو أيديولوجي أو ثقافي أو إجتماعي أوطبقي وغيرها، أي بتعبير آخر تحرير الدولة الوطنية من المجموعة التي أستولت عليها وتحويلها إلى دولة لكل الجزائريين مهما كانت توجهاتهم وأيديولوجياتهم وإنتماءاتهم الثقافية والطبقية وغيرها، ولايمكن تحقيق ذلك إلا بدولة ديمقراطية وإجتماعية حقيقة، فبناء على ذلك كله يجب تحديد دقيق لهذا النظام المتبني للديمقراطية والعدالة الإجتماعية، والتي يجب أن تكون أيضا ذات الطابع العلمي أين ستكون السلطة الكاملة للشعب، وتصنع القرارات فيها على أسس دراسات علمية تقوم بها مراكز البحث والدراسات التي تطرح ما توصلت إليه علميا، وتضعه في متناول صناع القرار و ممثلي الشعب والأحزاب وغيرها.
أن الديمقراطية ليست أيديولوجية ولا دين، بل هي فقط حل سلمي لمختلف التناقضات السياسية والأيديولوجية والثقافية والإجتماعية الموجودة في كل مجتمع وأمة، ولاتختلف الأمة الجزائرية عن ذلك، كما تعتمد الإنتخابات في كل المستويات، لكن ليس الإنتخابات معناها فرض الأغلبية السياسية ماتريده على الجميع، بل الديمقراطية مرتبطة أيضا إرتباطا وثيقا بمجموعة مباديء يجب على الجميع الإلتزام بها وهي:
- إحترام كل الحريات(التعبير، الإجتماع، التظاهر، الرأي، المعتقد وغيرها) دون أي تمييز عرقي أو ديني كما نص على ذلك نداء أول نوفمبر1954، ويكفي تأسيس حزب أو جمعية أو جريدة أو تنظيم مظاهرة أو نشاط سياسي مجرد إعلان عن ذلك وإعلام السلطات المختصة فقط، لتقوم بمهامها كتنظيم الأمن وغيرها.
- مبدأ المواطنة الذي لايقصد به فقط كما يعتقد البعض المساواة في الحقوق والواجبات، بل يقصد به أيضا إحترام كل مواطن للآخر في معتقداته وآرائه وفي كل ما يعتقده ويراه حول أصله أو دينه أو هويته وغيرها، لكن مع منعه من تعميمها إلى أي كان، أي تبقى هذه المسائل قضايا فردية، وبتعبير آخر نشترك كلنا في الإنتماء للجزائر وخدمتها والولاء لها، لكن مسائل الهوية والأصول والمعتقدات وغيرها تتحول إلى مسألة شخصية فقط، وبذلك نحافظ على الوحدة الوطنية المهددة بصراعات هوياتية خطيرة عليها.
- التداول السلمي على السلطة
- فصل السلطات والتوازن فيما بينها عبر دستور يحدد صلاحيات مختلف السلطات والمؤسسات، وينظم العلاقات فيما بينها بدقة متناهية تمنع أي طغيان.
- إستقلالية القضاء المكفول بمنع أي وصاية عليه، ويتم تسييره عبر مجلس أعلى للقضاء ينتخب بكل حرية من رجال العدالة لمدة محددة مع ضمان شروط الترشح إلي هذا المجلس
- ضمان حرية التعبير بمنع أي وصاية على الإعلام ورجال الفكر والثقافة، ويتم تسيير هذه القطاعات عبر مجلس أعلى للثقافة والإعلام منتخب من المنتمين إليه وفق شروط محددة في المترشحين، ويمكن أن يضم هذا المجلس حتى رجال الدين عبر ممثليهم، وتكفل لهم الحرية التامة في خطبهم ودروسهم الدينية بشرط منعهم من توظيف الدين في السياسية، ويكون مراقبين في ذلك من هذا المجلس، وينطبق نفس الأمر على كل المشتغلين في مجالات الهوية الثقافية للأمة كالأمازيغية والعربية وغيرها، ويدخل ذلك كله في إطار مبدأ أساسي في الديمقراطية، وهو منع إستغلال الدين ومكونات الهوية (الإسلام، العربية، والأمازيغية) والإرث التاريخي في الصراعات السياسية، فهذا المنع هو الكفيل بتجنب تهديد وحدة وتماسك الأمة الجزائرية والتخلص نهائيا من كل العصبيات الدينية والطائفية واللسانية والقبلية والجهوية التي تنخر مجتمعنا منذ فترة طويلة.
- تجسيدا لمبدأ أساسي رفعه ثوار 22فيفري2019 وهو "يتنحاو قاع" الذي لايمكن تجسيده عمليا إلا بتبني مبدأ إنتخاب المسؤولين في كل المؤسسات مهما كانت صغيرة أو كبيرة من المنتمين إليها، لكن مع توفر شروط الترشح لها مثل المستوى العلمي أو التخصص الكفيل بتلك المسؤولية، فهذه العملية كفيلة بتطهير الدولة وكل مؤسساتها سلميا من الذين نخروها بسبب تعيينهم من رئيس حسب الولاء والجهوية بدل الكفاءة والنزاهة.
- تجسيد يوم الجمعة الأسبوعي دستوريا كيوم للتعبير الشعبي حول رفض الشعب مسائل وقرارات لاتخدمه، ويمكن أن يتحول إلى يوم لمحاسبة المسؤولين في كل المستويات سواء محلية أو وطنية، وهو ما من شأنه فضح تجاوزات أي مسؤول كان، وتجعله تحت الرقابة الشعبية الدائمة، فتتعزز بذلك الرقابة الشعبية بشكل أكبر،فينضاف ذلك إلى وسائل الرقابة الأخرى كالمجالس الشعبية المحلية والوطنية والإعلام وغيرها
- يتم التمثيل في المجلس التشريعي الذي يعد السلطة العليا في البلاد على أساس شرائح المجتمع والفئات المهنية التي تتحول إلى دوائر إنتخابية بدل الولايات، وذلك كي تمثل كل الشرائح والفئات المهنية فيها كي يتسنى لها الدفاع عن مصالحها، ولايمكن تحقيق ذلك إلا بمنع أي إمتيازات عن هؤلاء الممثلين كي تبقى مصالحهم مرتبطة بمصالح الفئة الإجتماعية أو المهنية المنتمين إليها، كما يطبق مبدأ "من أين لك؟" على الجميع كي يمنع شراء ذمم أي كان من السلطة التنفيذية ورجال المال، ويطبق مبدأ منع الإمتيازات على كل من يتولى مناصب سياسية في البلاد من القمة إلى القاعدة، وتبقى أجورهم هي نفس الأجور التي يتقاضونها من عملهم بإستثناء الذين ليس لهم أجور كالبطالين الذين من المفروض أن ينعدموا في المجتمع بفعل ثورة صناعية وإقتصادية شاملة.
- لايحق لرئيس الدولة الذي هو رئيس السلطة التنفيذية أن يتلاعب بالمناصب، خاصة الوزارية منها كما يريد، بل يجب عليه أن يطرح حكومته كاملة على الشعب أثناء ترشحه للإنتخابات الرئاسية، كي يضطر لإختيار الأحسن والأفضل، فإنتخابة مرتبط أيضا بحكومته، كما يجب أن تكون السلطة التنفيذية في يد الرئيس وحكومته المقترحة والمنتخب عليها من الشعب مع إنتخابه للرئيس، وذلك لمنع الإئتلافات الحكومية المضرة بالإستقرار السياسي، وتتعرض السلطة التنفيذية بعد نهاية عهدتها للمحاسبة من "مجلس محاسبة" في حالة عدم تنفيذها كل وعودها للشعب أثناء الحملة الإنتخابية إلا إذا قدم أسبابا موضوعية في عدم تجسيد بعضها، وننطلق في ذلك من مبدأ أن الإنتخاب هو عبارة عن عقد بين الناخبين والمنتخبين يجب الإلتزام به.
- ترسيخ اللامركزية في التسيير بإعطاء صلاحيات واسعة جدا للمجالس المحلية المنتخبة
- لايمكن نجاح المسار الديمقراطي دون عدالة إجتماعية وتطوير قوى الإنتاج، ولهذا يجب القيام بثورة صناعية إنطلاقا من آليات وميكانيزمات وقوانين تدفع أصحاب الأموال الكبرى، خاصة أصحاب إستيراد-إستيراد إستثمارها في القطاعات المنتجة لخلق الثروة ومناصب الشغل مع تخصيص موارد الطاقة للإستثمار في المشاريع الإقتصادية الكبرى التي ستتعامل مع المؤسسات الإقتصادية الصغيرة التي تزودها ببعض المنتجات الضرورية لإنتاجاتها في إطار تكامل بين الصناعات الخفيفة من جهة والصناعات المتوسطة والخفيفة من جهة أخرى.
- يعد أي منصب حكومي أو تمثيل شعبي مجرد نضال لخدمة الأمة، ولهذا ليس له أجورا خاصة التي ماهي في الحقيقة إلا أداة لسرقة عرق الأمة من خلال أجور مرتفعة وإمتيازات، ولهذا فكل صاحب منصب سياسي أو تمثيلي ينال فقط الأجر الذي كان يتقضاه أثناء عمله الأصلي دون أي إمتيازات تذكر.
- لايمكن محاربة الفساد إلا بقضاء مستقل كما حددنا ذلك آنفا، كما للقضاء حق فتح التحقيق عند بروز أي مظاهر للثراء لاتتماشى مع مداخيل أي كان أو شبهة فساد، والذي يجب تبرير المعني ثروته المتحصل عليها، ويدخل ذلك كله في إطار تطبيق مبدأ "من أين لك هذا؟".
- يتفق علماء السياسة أن الديمقراطية تروج السلم، وتزرعه على عكس الأنظمة الدكتاتورية التي تعتمد إنفاقات أمنية وعسكرية ضخمة، وتعيش من خلق أعداء داخليين وخارجيين، ولهذا ستكون الدبلومسية الجزائرية مبنية على صفر أعداء بإقامة علاقات تعاون متوازنة مع الجميع، وتضع مصالح الجزائر فوق كل إعتبار، وتقوم بزرع السلم والإستقرار في العالم، خاصة دول الجوار.
- يتخصص العمل المخابراتي فقط في العمل لضمان أمن الجزائر وجمع المعلومات العلمية والإقتصادية والسياسية وغيرها وطنيا وعالميا ووضعها في يد المعنيين بالأمر لإتخاذ القرارات السليمة.