الحاكم وطني مخلص والشعب خائن وجاهل منذ 1991 حتى 2019 !

عارف معروف
2019 / 12 / 21

-----------------------------------------------------------------------


بدأت انتفاضة اذار 1991 بشرارة غضب عفوية اشعلها الاحباط والقهر الذي استمر ثلاثة عقود ، من البصرة ، وعلى الاغلب فانها بدأت بواحد لم يعد يحتمل كل ذاك الظلم والاستعباد والاستهانة وتخطى حاجز الخوف الثقيل فاطلق النار على صورة القائد الضرورة وسرعان ما تفجرت براكين الغضب واشتعلت النيران في جو مشبع ببانزين القهر والظلم دون ان يسأل احد عمّن بدأ الثورة وكيف ؟ وما هو برنامجها ومن هم قادتها ؟ وتداعى حاجز الخوف سريعا ليتحول الامر بسرعة خاطفة الى انتفاضة مفعمة بالامال والاحلام ...
ما ان سَرتْ اخبار ماحصل في البصرة حتى كانت له تداعيات ولواحق في المحافظات القريبة وسرى تيار النار في الهشيم باتجاه بغداد وكان يكفي ان يملك الجرأة واحد او اثنان من الشباب ويندفعان الى مهاجمة مقر المنظمة الحزبية – وكانت هذه مراكز الاستعباد والبطش - او يطلق النار احدٌ ما على احدى صور القائد التي كانت تملأ العراق ، حتى يبعث الشجاعة في الجموع فتتبعه ... ولقد شهدتُ هذه الحالة بنفسي في كربلاء ثم عرفتُ ان نفس الآلية تكررت في الحلة في اليوم التالي من خلال صديق شارك في تلك الانتفاضة في مركز الحلة وهكذا كان الحال في معظم المحافظات فالشعب لم يكن يحتاج اكثر من عود ثقاب !
سمّى صدام حسين تلك الانتفاضة باعمال غوغاء ومجرمين وقال ان المخابرات الايرانية والايرانيين والحرس الثوري هم من يقف خلفها والاّفما الذي يحتاجه العراقيون لكي ينتفضوا ؟!
وكان الأجدر به ان يواجه الواقع ويستفيد من الدرس حتى بعد ان تمكنّ من سحق الانتفاضة ، فالجمر سيبقى تحت الرماد والناس ستنطوي على الألم بانتظار فرصةٍ اخرى وإنْ بَدتْ بعيدة ويوم ٍمناسب آخر وان بدا مستحيلا . لكن هذه الخلاصة ، بالذات ، تبدو دائما عصيّة على مدارك وعقول من يستمتعون بالسلطان ويتربعون على كرسي السلطة والقوّه الذي يعتقدون ان زواجهم منه بات مؤبدا !
في الاول من تشرين 2019 ، وبعد 16 عاما من سقوط نظام صدام ، تفجر مرجل الغضب الشعبي وانثال على مراكز التظاهر العشرات فالمئات وتبعهم الالوف دون تردد او كبير اهتمام بمن دعى وما هي الشعارات ومن يكمن خلفها وما هو البرنامج ، فالناس ، وخصوصا الشباب ، تملك من جمر نيران الغضب ما يكفي لكي يواجهوا الموت بلا مبالاة ، فنحن امام تراكم 16عام من الاحباط والفساد الذي اهلك الحرث والنسل والهدر والاستهتار واللامبالاة التي باتت تهدد وجود واستمرار المجتمع ، لا الدولة ومؤسساتها فقط !
صحيح ان الامر مخالف للمساطر الكلاسيكية والمعايير الميته التي نجدها في الكتب لكن الامر في الحياة يحصل هكذا دائما ويفاجيء من يحسبها على اساس المساطر والمعايير والظرف الثوري وتوفر شروطه والوعي الثوري ومدى عمقه واتساعه ...الخ فالناس حسب تعبير الشباب : قد ملّتْ واصبح الموت في نظرهم ليس اكثر سوءا من حياة ميّته او أفق مستقبل مظلم ! وصحيح ان ثمة اكثر من دليل على ان هناك اجندات وقوى تريد ان تركب الموجة او تحرف الثورة او تجيّرالنتائج وفقا لمصالحها الى جانب الغضب الحقيقي والاندفاع الشعبي المشروع لتحصيل الحقوق لكن الامور هكذا دائما فثمة ثورة وثورة زائفة ، في كل التجارب والوقائع المشابهة والامر صراع وسجال حتى يحسم بحسب موازين قوى وضرورات وصدف ايضا !

سمّتْ قوى واحزاب السلطة الانتفاضة باعمال شغب ونعتت المتظاهرين بالغوغاء والمجرمين والجوكرية والبوكرية...الخ وقالت ان وراءها الامريكان والخلايجة ولسان حالها يردد ما ردده صدام من قبل : ما الذي يحتاجه العراقيون لكي ينتفضوا ؟!
لا اعرف لماذا يتحول جميع من يمسك بكرسي السلطان الى ماري انطوانيت اخرى ويتمسك ببلادتها كعقيدة ... فيعيد تكرار سؤالها الصفيق عما يمنع الجموع الثائرة من اجل الخبز عن تناول الكيك ؟!
يا اخي دع التدخلات والاجندات والاغراض الخبيثة ، فانا اقول لك انها كلها موجودة وانظر الى الظرف الذي يدفع بالالوف اوعشراتها او مئاتها الى ساحات المواجهة والموت والملايين الى التعاطف معها ومساندتها ، هل يحصل كل هذا بسبب دعاية برنامج تلفزيوني سخيف ، او تغريدات اعلامي فرد او بيانات السفارة الامريكية او توجيهات القنصل ديفز ؟ واسأل نفسك هل تفجرت انتفاضة 1991 لان ايران ارادت ذلك ام لان الشعب العراقي كان قد طُحن في معاناة رهيبة واراد ان يستغل فرصة هزيمة النظام في 1991 ؟ رغم ان ايران ارادت الافادة من ذلك وركوب موجته وتوجيهه لصالحها وهذا شيء طبيعي جدا في ظروف العداء القائمة بين النظامين يومذاك ... نفس الشي يمكن ان يحصل الان فكل القوى الخارجية والداخلية التي تناؤك تحاول ان تستفيد مما يحصل وتجيره لصالحها لكن ذلك لا ينفي ان هناك اسباب عميقة لتذمر وغضب واحتجاج بل وثورة العراقيين تكمن في معاناتهم طوال 16 عاما والتي يرون ان هذا النظام وارتباطاته ورموزه وسياساته وآالياته هم من تسبب بها !
اذن فالشجاعة الحقيقة تكمن في التصدي لتلك الاسباب العميقة والاخلاص الصادق يتمثل في ان تكون جزءا من الحل لا ان تقف الى جانب المشكلة !

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي