الثورات بين إستبدال النخب وتغيير آليات النظام

رابح لونيسي
2019 / 12 / 17

يرى عالم الإجتماع الإيطالي فلفريدو باريتو الذي بحث كثيرا في قضية النخب بكل أشكالها، بأن هناك دائما صراع بين نخب حاكمة ونخب مهمشة وصاعدة، ويرى بأنه عادة ما تتماهى هذه الأخيرة مع الطبقات الشعبية المحرومة، فتثورها، ثم تركب عليها للإطاحة بالنخب الحاكمة، لتأخذ مكانها، فتقوم بنفس ممارسات النخب السابقة، إن لم يكن بشكل أبشع، وتتخلى عمليا عن كل تلك المباديء والأهداف والأحلام التي كانت تعد بها الطبقات الشعبية. نعتقد أن ما يقوله باريتو قد ثبت عمليا وتاريخيا، فكل الثورات تعود إلى نقطة الصفر بعد إنتصارها، ويعيش بسطاء الشعب مأساتهم كأنهم لم يقوموا بشيء، بالرغم من أنهم هم وقود تلك الثورات، هذا ما جعلنا نولي إهتماما كبيرا بهذه المسألة، وفكرنا في أساليب وآليات منع ذلك وتحويل الدولة إلى دولة كل المجتمع وفي خدمته بدل دولة طبقة أو مجموعة أو أيديولوجية أو نخبة محددة، وقد أبرزنا ذلك بشكل جلي في كتابنا "النظام البديل للإستبداد- تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-" وكذلك في مقالات أكاديمية وصحفية عديدة لتبسيط تلك الآليات والميكانيزمات للقراء، والذي تحتاج طبعا إلى نقاش واسع لتطويرها وسد أي ثغرات فيها(انظر مثلا مقالتنا "أسس جديدة لدولة ديمقراطية وإجتماعية-من أجل نظام سياسي بديل" في الحوار المتمدن عدد 4504 بتاريخ6/7/2014).
أن مقدمتنا هذه هي تمهيد للحديث عما يحدث اليوم في منطقتنا من ثورات ضد الأنظمة الحاكمة، ومنها الجزائر التي تعددت التفسيرات حولها، ولو أني أعتقد أن وراءها الإستغلال الرأسمالي العالمي الذي يؤثر في هذه المجتمعات، لكن لم ينتبه الكثير لذلك بسبب تغييب المناهج الماركسية لتفسير الظواهر الإجتماعية والسياسية والإقتصادية بفعل تأثير الإعلام الرأسمالي الذي يخفي ذلك الإستغلال الذي تتعرض له الشعوب بشكل ناعم، فهذه الثورات هي بوادر ثورة عالمية يشهدها العالم ضد إستغلال عالمي رأسمالي يتم عبر أنظمة كمبرادورية تابعة تخدم الرأسمالية العالمية ومرتبطة بها على حساب الشعوب التي تعيش بؤسا كبيرا’ وهو ما يتطلب التفكير في قطيعة وفك إرتباط بهذه الرأسمالية العالمية بتحويل الكمبرادور أي إستيراد-إستيراد إلى إستثمار منتج يخلق الثروة ومناصب الشغل بدل ما تكون هذه البلدان مجرد موردا للمواد الأولية وأسواقا لسلع الرأسمالية العالمية، فهناك صراع طبقي أفقي وعمودي في هذه البلدان، ويتمثل الصراع العمودي في إستغلال الطبقات الحاكمة للمحكومين بنهب ثرواتهم مستخدمة أجهزة الدولة لذلك، ونجد إلى جانبه أيضا صراعا أفقيا بين برجوازية وطنية تريد تصنيع بلدانها بالإستثمار في القطاعات المنتجة، لكنها ضعيفة بحكم العراقيل التي تضعها طبقة الكمبرادور لها، والتي تشكل قاعدة أساسية للأنظمة السائدة، وهي مشكلة على أساس هرمي حيث نجد مستوردين كبار لسلع العالم الرأسمالي الصناعي على رأس الهرم، ويستخدمون وسطاء الذي يستخدمون بدورهم التجار الصغار، أغلبيتهم في الأسواق الموازية، وكل هؤلاء مرتبطين بالمستوردين في قمة الهرم، ويدعمون الأنظمة الكمبرادورية.
ونجد أيضا من ضمن تفسيرات هذه الثورات من يرى أنها نتيجة صراع نخب، وأن إنتشار التعليم جعل الكثير من النخب تعتبر نفسها أنها مقصاة من الحكم من نخب قديمة أستولت على الدولة، ولاتريد انت تفتح لها أي باب، كما نجد من يراها صراع أجيال حيث جيل من الشباب يرى نفسه مقصى، ويريد أن تفتح له الأبواب أيضا، والدليل ما يقع في الجزائر اليوم، لكن حتى ولو كانت هذه القراءة صحيحة أيضا، إلا أن الحل لا يجب حصره في إستبدال نخب بنخب أخرى أو جيل من الشيوخ والكهول بجيل من الشباب، لأنه في الأخير لن يتغير أي شيء في هذه البلدان طبقا لما يورده باريتو حول حركية النخب، فحتى لو أستبدلنا، وسمحنا بصعود نخب جديدة إلى سدة الحكم، ونركز على الشباب مثلا، فهذا ليس معناه سنحقق تغييرا إيجابيا في المجتمع إذا لم نغير قبل ذلك كله آليات عمل النظام كما وضحناه في مقدمة هذه المقالة، فهذه النخب عندما تصعد، وتتولى السلطة، فإنها ستدعم أكثر الآليات القائمة إن لم تغلقها أكثر لأنها الآليات التي ستخدم مصالحها كما خدمت مصالح النخب السابقة، وستسمح لها بالنهب حتى هي كما كانت تنهب النخب السابقة، فهل يعلم الجزائريون مثلا بأن من أخذ السلطة في الجزائر في1962 هم شباب حارب الكثير منهم الإستعمار الفرنسي، لكن فضلوا وضع آليات نظام تخدم مصالحهم على حساب الشعب كما كان يحدث تقريبا ونسبيا في العهد الإستعماري، وهي آليات تسمح لهم بالنهب والسلب لدرجة إعتبار شباب اليوم ان هؤلاء المجاهدون نهبوا الجزائر تحت غطاء الوطنية والشرعية الثورية، ولهذا فإن لم نغير آليات النظام قبل أي حكم جديد، فسننتج نخبا إستغلالية جديدة التي سترفض بدورها أي تغيير لها في حالة صعودها إلى السلطة .

سألني صحفي حول وعد الرئيس الجزائري الجديد عبدالمجيد تبون بوضع شبان في حكومته، فقلت له"يجب ان نتفق منذ البداية على أن المشكلة في الجزائر ليست مسألة أشخاص بقدر ما هي قضية آليات عمل النظام، فمن المحتمل أن تكون نوايا تبون أو غيره ممن حتى هم في السلطة حسنة، لكن هم مضطرون للخضوع لآليات عمل نظام فاسدة ومهترئة، وتفرز الفساد والرداءة والظلم وغيرها، فكلنا نتذكر كيف جاء بوتفليقة إلى السلطة في 1999، وهو كله حماس لإحداث تغييرات جوهرية لدرجة قوله ستصبح الحريات وحقوق الإنسان في الجزائر أحسن من الحريات في الغرب، كما فتح ورشات في مجال القضاء والتعليم والإدارة وغيرها، لكن لم تجد أي واحدة من توصيات هذه اللجان طريقها إلى التطبيق، ولهذا فنحن حتى ولو لانشك في نوايا تبون، لكن من الممكن جدا أن يجد أمامه عراقيل كبيرة ناتجة عن آليات نظام لاتقبل ما يطرحه، أما بشأن الحكومة، فحتى لو جيء بشباب أكفاء، فإن آليات النظام ستبتلعهم، وتجعلهم ينفذون سياسات مناقضة حتى لقناعاتهم، هذا إن لم يصبحوا حتى هم فاسدين، فآليات النظام عندنا تشبه مجاري مياه توسخ المياه التي تمر عبرها لأنها وسخة ومهترئة جدا، وكل من يعمل في إطار هذه الآليات فإما يتسخ، فينبذه الشعب أو يصبح معارضا، ويخرج من النظام لإنقاذ نفسه، فحتى الخروج الذي هو إستقالة مرفوض في الكثير من الأحيان، ويمكن أن أشبه ذلك بسيارة أهترأ محركها، وحتى ولو جيء بسائق ماهر، فإنه سيفشل في سياقتها، ولهذا يمكن جدا أن يأتي تبون بأشخاص نزهاء وأكفاء وشباب، لكن هل بقدرة هؤلاء تنفيذ السياسات التي هم مقتنعون بها أم سيخضعون لآليات عمل النظام الفاسدة والمنتجة للفساد والخادمة لمصالح جماعات لوبيات ترفض أي تغيير جوهري في عمق النظام ذاته، ويمكن أن تقبل تغييرات شكلية لاغير وتحسين الصورة لفترة محددة بوجوه جديدة، لايمكن لنا الجزم الآن مما سيحدث، لكن قادم الإيام ستظهر كل شيء، لكن يجب أن نضع في الأذهان أنه مادام لم تتغير آليات عمل النظام جذريا، فلن يتغير الكثير بإستثناء الأشكال فقط، وستفرز لنا هذه الآليات أويحيى وغول وحداد وغيرهم لكن بأسماء أخرى لآغير". أن هذا كله يطرح أمامنا مالعمل؟ وهل هناك إمكانية تحقيق ذلك بعد فرض النظام رئيسا بإنتخابات مشبوهة وغير شرعية كما يقول البعض؟ ومامستقبل الحراك الشعبي في الجزائر بعد هذه الإنتخابات؟.
نعتقد أن مادام تبون أعطى يده للحوار لايجب رفضها، لأن ذلك سينقلب على الحراك الذي سيظهر كأنه حركة متطرفة وعدمية، فتفقده التعاطف الشعبي، فمخطط النظام هو تفتيته إما بطلب ممثلين عنه وطرح مقترحات تقسمه وتفتته، ويمكن تغنانت الحراك وتطرفه سيدفع السلطة إلى إجراء إنتخابات محلية وتشريعية، فيضعف الحراك أكثر لأن الكثير من الإنتهازيين بداخله سيدخلون في لعبة الإنتخابات التي ستكون مزورة، لأنها ستقام بنفس الآليات دون أي تغيير للنظام، ونعود إلى نقطة الصفر وإلى نفس الوضع السائد من قبل، فمادام السلطة لم تقم بذلك بعد، فممكن أن تكون نيتها حسنة، فيستغل الحراك الفرصة دون أن يتنازل عن هدفه الإستراتيجي وهو تغيير آليات عمل النظام، ولهذا فليقبل الحراك الحوار الشامل عبر ممثلين منبثقين من سجناء الحراك كي يغلق الباب على أي صراع حول ممثلين للحراك أو إنتهازيين يريدون ركوبه، وقد أبرزهم الإعلام الذي يتحكم فيه المال الفاسد كي يسوقهم للرأي العام، فيجب أن يضع الحراك في آليات النظام الجديدة التي يطرحها منع إستبدال نخبة قديمة بنخبة أخرى ستقوم بنفس ممارساته، وقد سبق لنا أن تحدثنا عن ذلك من قبل، كما يجب على الحراك أن لا يترك أي مساحة للسلطة كي تختار هي الممثلين كما فعلت مع لجنة كريم يونس من قبل، كما أن تقديم هؤلاء السجناء هو تكريم لهم وطريقة ذكية لإطلاق سراحهم وإعتراف السلطة بظلمهم لها، وسيكونون مجرد همزة وصل بين السلطة والحراك الشعبي مع ابقاء الضغط الشعبي بقوة أكبر حتى تحقيق وتجسيد عملي لكل أهدافه.
من المؤكد أن الرئيس الجديد سيتعرض إلى ضغط كبير، وسيحاول دخول التاريخ من بابه الواسع بتحقيق نقلة في آليات النظام الجزائري، ولهذا فمن المحتمل ان يظهر اثناء الحوار التناقض بين السلطة الفعلية والواجهة الممثلة في تبون، وهو ما سيخدم الحراك، ويضعف النظام أكثر، وممكن إستقالة تبون كما وقع لزروال في1998 وعودة النظام إلى نقطة الصفر، كما يمكن للحراك تحقيق مكاسب كبيرة مع تبون شريطة إستمراره وبقائه حيا وقويا، ويضغط بقوة أكبر أثناء المفاوضات، لكن رفض الحراك كل شيء دون بدائل أخرى هو عدمية وانتحار له في نظرنا.
يجب على الحراك أن يكون واقعيا، ويتعامل مع سلطة واقع، كما أن تبون لا يستطيع أن يتذرع بعدم وجود صلاحيات لديه لتغيير آليات عمل النظام الذي هو هدف الحراك، فلنذكر الجميع أنه منذ سنين والمعارضة تطالب بحوار جدي لحل شامل للأزمة في الجزائر، ولم يسمع لها أحد أو يولي أهمية لمطلبها لأنها ضعيفة ولاتمتلك وسيلة ضغط على السلطة القائمة، لكن اليوم هناك أداة ضغط قوية هو الحراك الشعبي الذي يجب الحرص عليه وعدم تضييعه بتغنانت والإهتمام بشرعية أو عدم شرعية تبون وغيرها من الأمور الممكن تجاوزها من أجل تحقيق الهدف الاستراتيجي وهو تغيير جذري لآليات عمل النظام، كما يمكن أن يجد الحراك مساعدة من عناصر وطنية من داخل النظام ذاته، لأنه لايجب علينا ان ننظر إلى كل عناصر النظام بنفس النظرة، ونضعهم كلهم في نفس السلة، فهناك من هم وطنيون فيهم يريدون إنقاذ الجزائر، ويعرفون جيدا أن إستمرار هذا الوضع سيؤدي إلى خروج الجزائر من التاريخ وخسارة الجميع دون إستثناء.