أردوغان المهرتل..هل تعرف شيء عن قونية ونسيب والقرم؟

احمد البهائي
2019 / 12 / 17

اذا عندما استرجع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ، بشأن مصر الحضارة ، على مر السنوات السبع الماضية ، والتي اقل ما توصف بالتصريحات الهوجاء والرعناء ، والتي تنطوي على جهل ورعونة وعدم إدراك من جانبه لفهم حقائق الأمور، بل وإصراره على العيش في أوهام مرتبطة بتغليب مواقفه الشخصية وأطماعه ونظرته الإيديولوجية الضيقة للأمور ، حيث لا يخلو اي حوار او لقاء او منتدي كان اردوغان حاضره ، وقد طل علينا منه بالهجوم والافتراء على مصر وشعبها وجيشها وحضارتها ، إلا وازداد هذا الامر تأكيدا بمدى حجم الواقعة عليه ، التي جعلته يفقد صوابه ويهرتل ، بعد أن حطمت مصر طموحاته وأطماعه الإستعمارية في المنطقة ، وتبخرت بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، من فينا لا يتذكر زيارته لمصر عقب تورة 25 يناير في 12 سبتمبر 2011،والتي كان يمهد من خلالها بوضع اقدامه في مصر، لتحقيق حلمه الكبير ، تحت ما يسمى " النموذج الأردوغاني " ، حيث دعا وقتها المصريين بالإقتداء بالنموذج العلماني التركي حسب وصفه ، الذي هو في حقيقته ستار لتحقيق اطماعه وطموحاته على غرار اجداده العثمانيين ، يقينا هذا ما كان يحلم به اردوغان ويتمناه ويريده،ان يحكم مصر تحت اي مسمى وفي اي صورة ،ومنها السيطرة على المنطقة بأكملها ، ولكن جاءت مصر لتقتل هذا الحلم الاردوغاني ، وتحوله الى كابوس مزمن يطارده اينما ذهب او حل .

مشكلة اردوغان انه لم يقرأ التاريخ جيدا بل قرأ منه سطور تستهوي غروره وحلمه الواهم ، لدرجة ايقن منها بانه الوريث الشرعي للارث العثماني البغيض ، فهو يعتقد ان اجداده (الانكشاريين) فتحوا مصر وانتزعوها من المماليك وفرضوا سيطرتهم عليها بالقوة العسكرية نتيجة لضغف الجيش المصري ،هذا كذب وافتراء على التاريخ ، لأنه في هذا الوقت لم يكن هناك جيش لمصر من أبناءها ، بل قوات من المماليك والخونة ، ومن هنا علينا ان نذكره بباقي صفحات التاريخ التي لا يريد ان يعرفها ، انه عندما اصبح لمصر جيش من رجالها وأبناءها، ماذا حدث لأجداده الانكشاريين؟ ، على يد هذا الجيش العظيم ، فمصر دائما تحب من يحبها وترحب به على ارضها ، حينها يصبح مصريا حتى وإن لم يكن مصريا ، فصفحات التاريح تتحدث عن ذلك ، وهذا ما لا يدركه اردوغان ، وخير مثال محمد علي باشا ، فالرجل لم يكن مصريا ولكنه احب مصر ، فاحبه المصريين وخاضوا معه الحروب من اجل مصر ،فقد ايقن الرجل ان لمصر ابناء اشداء يمتازون بالجلد والقوة والدهاء ،فكون بهم جيش إستطاع ان يهدد به عرش الخلافة في اسطنبول ، بل ارعب به العالم ، وهنا نذكر اردوغان بالحروب التي خاضها المصريين ضد اجداده العثمانيين الانكشاريين ، حيث حاربوا جيوشها في الشام والأناضول، وكان النصر دائما حليف الجيوش المصرية ، وكادوا يسقطوا الدولة العثمانية ذاتها ، فبعد أن حقق الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد على قائد الجيش المصرى العديد من الانتصارات على الجيش العثماني في أكثر من معركة منها معركة حمص في يوليو 1832 ومعركة بيلان في 30 يوليو 1832 واستولى على سوريا ، بدأ الجيش المصري الزحف على الأناضول ، حيث نخص بالذكر معركة " قونية " 1832م التي وقعت داخل الاراضي العثمانية، نسبة الى مدينة قونية التركية ، والتي دام القتال فيها سبع ساعات فقط انتهت بانتصار الجيش المصري وإنهيار الجيش العثماني ، فهى من المعارك المدونة في التاريح ، لأنها فتحت أمام الجيش المصري الطريق الى الأستانة ، فقد احتلوا مدن تركية " كوتاهية ومغنيسيا وأزمير" عديدة، إذ أصبح المصريين على ابواب البوسفور ، حيث ارتعدت فرائض السطان العثمانى ( محمود الثانى ) بعد هذه الواقعة ، إذ رأى قوائم عرشه تتزلزل أمام ضربات الجيش المصري وانتصاراته المتوالية، فستنجد وقتها بالقوى الغربية ومنها دول اوروبية كبرى ، ولولا تدخل تلك القوى الغربية لكان الجيش المصري داخل الاستانة اسطنبول لإسقاط الخلافة العثمانية ، واصبح محمد على او ابنه ابراهيم باشا هو السلطان والحاكم الفعلي، كذلك نذكره بمعركة " نسيب " 1839م ، نسبة الى مدينة نسيب او نزيب التي تقع في جنوب تركيا حاليا ، والتي انتصر فيها الجيش المصري المصري على الجيش العثماني انتصرا مدويا ، حيث فتحت هذه المعركة أبواب الأناضول مجددا امام المصريين ، وحالف النصر فيها المصريين وتقهقر الجيش العثماني تاركا في أيدي المصريين 166 مدفعا و20.000 بندقية وغيرها من الذخائر والمؤن، فقد وصل عدد القتلى 15000 من الأتراك ، و15000 وقعوا أسرى بأيدي الجيش المصري ، ووافق الاف الاسرى علي نقل ولائهم إلى الجيش المصري فتم تسييرهم إلى مصر، وهكذا صار الطريق مفتوحا امام إبراهيم باشا من جديد لدخول العاصمة العثمانية اسطنبول، وعلم الاسطول العثماني بهذا الامر ، فتوجه إلى الاسكندرية بمصر ليقوم قائد الاسطول بتسليم اسطوله كاملا إلى محمد علي ، ليكون تحت امرته ولكن كالعادة الدول الأوروبية وعلي رأسها بريطانيا كانت تأبي أن تقوم امبراطورية قوية في الشرق بقيادة مصر، تهدد طريق تجارة بريطانيا إلى مستعمراتها في الهند ، فتجمعت الاساطيل الأوروبية كلها وتم ابرام معاهدة لندن 1840م، والتي انتهت بحرمان مصر من ثمرة انتصارها ، وبالفعل انتهي الامر إلى سحب القوات المصرية. ليتكرر المشهد مرة اخري ويتراجع المصريين بسبب ضغوط غربية ، ويكتفوا بالسيطرة فيها على سوريا.

بل علينا ان نذكره بصفحة اخرى من صفحات التاريخ ، لتكون ارشادا وخير دليل وتأكيد على ما نقول ، ونخص هنا حرب القرم 1853م ، هي حرب قامت بين الإمبراطورية الروسية والدولة العثمانية واستمرت حتى 1856م ، بهدف القضاء على الدولة العثمانية الضعيفة والمريضة وقتها ،وتحقيق الحلم الذي ظل يراود القياصرة الروس فترة طويلة من الزمن وهو الوصول الى المياه الدافئة ، وبالفعل بدأ باحتلال الروس شبه جزيرة القرم ، وبات الطريق مهيا وممهدا لدخول الاستانة ، عندها أيقن السلطان العثماني عبد الحميد ان مصر بجيشها هي الوحيدة التي ستحجم وتوقف النفوذ الروسي الطامع ، طالبا من مصر الجيش لنجدته ، وكالعادة لم يتأخر المصريين في عون كل من يستنجد بهم ، فأرسلت مصر اسطول مكون من 12 سفينة مزودة ب 642 مدفعا 6850 جنديا بحريا ، وجيش بري قوامه 12872جنديا ، ودارت اعنف المعارك استطاع الجيش المصري ان يسجل اروع البطولات ويسحق الجيش الروسي ويحجم نفوذه ، ويقضي على حلمه وهو وصوله الى المياه الدافئة ، وكان ذلك بشهادة الجميع وقتها ، حيث قال الجنرال الفرنسي اسمون عن الجندي المصري " ان الجنود المصريين احسن الجنود ، وكان لهم شهرتهم في نهر الدانوب وأن المصريين جاءوا للمعاونة في الحرب .. وكانوا متفوقين عن الفرق الاخرى من الجنود في مهارتهم القتالية " . وشهد لهم الاميرال الانجليزي سليد قائلا " هؤلاء هم الجنود الذين خرجو من ديارهم وانتقلوا من ضفاف فروع النيل المضيئة بنور الشمس الى نهر الدانوب القاتمة ومع هذا فقد ظلوا الى نهاية الحرب محتفظين ببسالتهم وقوة روحهم العسكرية.. انهم امتازوا ببسالتهم دوما سواء أكان ذلك في بلغاريا او غيرها من الحروب " . هذا ما يجهله اردوغان ، بل ومتطاول على مصر وشعبها وجيشها وحضارتها .

لنقول ان اردوغان لم يعد صانع الازمات فحسب بل هو صانع الارهاب وقائد الارهابيين في المنطقة ، فهو لم يتأخر او يتوانى عن اي عمل هدفه زعزعة الاستقرار وتدمير الدول العربية والاسلامية ، حيث لم تحدث اي كارثة إلا وتجد له يدا فيها ، فهو زعيم داعش والتنظيمات الجهادية والارهابية في سوريا والعراق وليبيا ،واصبحت تركيا في عهده ولاية قضائية للأنظمة المارقة، وملاذا لقوى الشر والجماعات الإرهابية الإقليمية وغسيل الأموال ، هذا ما أكدته احدث التقارير الدولية والاستخباراتية ، أليس هو من صرح خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية من أنقرة إن " الإرهابيين الذين غادروا الرقة أرسلوا إلى مصر لاستخدامهم هناك فى صحراء سيناء " .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية