خليل بدوي وفعل الإفاقة .. عودة لبحيرة الوجع

محمد ليلو كريم
2019 / 12 / 7

خليل بدوي وفعل الإفاقة ..
كم من مرة غرقت في سكرةٍ منتشيًا كمن يُجذَبُ مطوحَاً بمدارِ حلقةٍ صوفية ، ولا من سبيل اليَّ حينها فملكاتي كلها تُغمَرُ بثمالةٍ ، وأغدو مُسيرًّا ، ليس لي مني شيء ، فالجذب موت وتلاشي ، وذوبان في كينونة غيرية نحياها بإستلاب ، والجاذب نشوة من لذة خالقة ، وأن من الخليقةِ ما لا يدوم إلا نزرًا من الوقت ويقذف بنا الى حيث ما كنا .
مازلت أعتقد وبقوة أن ليس من عملٍ ابداعي إلا ونشوة فوق حسية تصاحبه في اثناء ما ينكب المبدع لتحقيق منجزه ، ولربما نكون كمتلقين مجذوبين عبر العمل لنشوة المبدع ، فنتواصل معه عبر نشوته التي في العمل الابداعي ، وهذا شعور خاص بي ولستُ اعلم ما إذا كان قد تحقق في غيري من المتلقين ، فأنا وفي كل مرة أصاب بشعور عجيب عند الثوان الأولى للإستماع لموسيقى تشايكوفيسكي ، بحيرة البجع ؛ فيُخيل لي وبقوة أنني أسير وسط مقبرة روسية والضباب الثلجي كثيف ، وأحساس خفيف بخوف وتيه وحزن ، وما إن تمر ثانيتين أو ثلاث حتى يتلاشى الشعور والمشهد .
التذوق المكثف ، والتفاعل المافوق حسي تواصل فعّال مع المبدع عبر عمله الإبداعي ، ولا يقتصر التلقي على التفاعل بالأحاسيس فرحًا أو سعادة أو ضحكًا ، فردة الفعل الحسية لا تضاهي ردة الفعل المافوق حسية ، فقد يتسبب عمل ابداعي بأرق يمنع عنك النوم ، ولكن متلقٍ آخر قد يدخل في حلم مكثف يجد نفسه أمام الساحر فون روتبارت بمشهد لا يتميز عن المشاهدة الواقعية ، ولك أن تعرف الفارق عبر هذا المثال الثنوي بين ردة الفعل الحسية وردة الفعل مافوق الحسية .
لا اعلم لما قفز ذهني الى فيلم بحيرة البجع وغاب عنه الرائعة الموسيقية ، وقد تنبهت متأخرًا ، بل متأخرًا جدًا الى هذا الفوات العجيب ، والغريب أن الأخ خليل بدوي وبتعليقاته المميزة لفت انتباهي ، بل تنبهت بعد تكرار قراءة التعليقات ، وكأن في ذهني رأي له الخيار ولي الغفلة ، وهنا اسجل أن الجمع المتلقي للعمل الإبداعي يحقق تفاعل نقدي يتحرك بين نفس المتلقين ويصوب انطباعاتهم أو يخفف من تطرفهم الإنطباعي ، فرغم أن بحيرة البجع هي أولًا رائعة تشايكوفيسكي وأن فيلم بحيرة البجع وصل لحواسي عبر فيلم كارتوني ورغم معرفتي بالتحفة الموسيقية واستغراقي المافوق حسي مع الثوان الاولى لها إلا أن ذهني جهلها تمامًا وتمادى زمنيًا في تجاهلها لحساب فيلم الكارتون وكأن قوة عظيمة تفوق الحواس والذهن تمكنت مني وجاء خليل بدوي كالبحار الماهر لينتشل ذهني من الإغماءة الطويلة ، وفي الحقيقة أن هذه الواقعة تستحق التأمل والدراسة .
ألعل دواخلي التي رفضت بحيرة الوجع تشتاق لبحيرة البجع التي زرتها طفلًا عبر شاشة التلفاز ؟.
عمل فني ، لم أعرف عنه غير عنوانه ودقائق معدودات فجّر فيَّ المعارض القابع في زنزانة القمع والترهيب والتابوات والنظرات الحادة فكان احتجاج غاية بالسلمية ولكنه متطرف بإحتقار وتجاهل قوى بحيرة الوجع ، وقد يفشل الأهل والمدرسة والمثقفون في تخليص معارض من الزنزانة ويتكفل بذلك عنوان فيلم ودقائق معدودة منه (( فما عسى أن تكون طفولتنا لو أننا تُركنا وشأننا نفعل ما نشاء . إذن لكُنا نطير من لذة الى لذة . لكن حاجزًا لا يُرى ولا يُلمس ، كان ينبثق في وجهنا ، وأعني به النهر والزجر . وكنا نذعن له ، ولا نتسائل لِمَ الأذعان ، فقد درجنا على طاعة الآباء والمعلمين / منبعا الأخلاق والدين ، ص ٣٥ ، هنري برغسون )) وها أني اضع أمامكم الإعتراض بصيغة فلسفية ، ولي في هذا الإستشهاد قصد ، فما أراه أن حتى المعترضين بأغلبيتهم أصيبوا بوباء الحُكام ، فالفن وتفاصيله تجهد لتغذية الحس وما فوق الحس ، أي أن الفن يُفعّل فينا المادة والروح ، فالمسرح وجمال الله ثنائية أن وجدت بالفرد رفعته الى ما يليق بالإنسان ، وسيبلغ المجتمع ذرى السمو والإنسانية بهاته الثنائية ، ولكن أهلونا والمعلمين حالوا بيننا والنضوج عبر الفن ، والفن تربية ضرورية وغذاء للذهن لا بد منه ، فكان أن حتى من يعترض على الحكم الذي يُحرِم ويقمع الفن نجده لا يلتفت للفن ويسعى لإعادة المسرح - مثلًا - فهل وجدتم أن مسرحًا انتشر في ارجاء الجغرافية المعترضة على قبح السلطة ، وبرغسون يقول في ونفس الكتاب (( ألا إن الإبداع ليعني العاطفة قبل كل شيء . وليس هذا في مجال الأدب والفن فحسب / ص ٦٩ )) فالمعترض الذي لا يلامس اعتراضه الفن بأستشعار صوفي لن يتجاوز ارتقاءً الفشل الجمالي للسلطة القبيحة .
لعل الشعور المُركب والمشوش الذي حاولت شرحه آنفًا منع عني موسيقى بحيرة البجع وأنا وفي كل مرة أتخيل مقبرة روسية بضباب كثيف مما يتصل ببحيرة الوجع التي تكاثف فيها ضباب الموت ودخان الحروب وتضخم فوق عرشها فون روتبارت ، فتقهقرت الى طفولة وبجعات .
تحية للأخ النابه خليل بدوي .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير