النبيل محمد جمال الدين الأيوبى

محمد أبوالفضل
2019 / 12 / 7

أبن منفلوط عضو مجلس النواب حضرة الشاب النبيل والأستاذ الضليع محمد بك جمال الدين الأيوبي

من بات ظرفًا للظرافة وارتدى برداء حسن خلائق وسداد

متهذب الأفكار والفرد الذي ذكرت لطائفه بكل بلاد

رشدت مسالكه وحاد ضميره عن طرق كل دنيئة وفساد

يبدي البشاشة باسمًا من لطفه يا حبذا الوجه البشوش البادي

وإذا ذكرت صفاته في منتدى يغشى عبير العطر ذاك النادي

متواضع وهو الجليل مقامه بين الأنام حواضرًا وبوادي

كسب الثنا بصفاته الحسنى كما ورث العلى عن أكرم الأجداد

يغني الزمان وما لناشد وصفه إدراكه أو منتهى لنفاد

ما من صعيدى على وجه الخصوص تظله سماء الصعيد وشرب جرعة من نيله إلا وقد اتصل بمسمعه ما عليه بيت جمال الدين الأيوبي في منفلوط محافظة أسيوط من الرفعة، والمجد، وشرف المحتد، والنبل، والجاه العريض، والأريحية الشماء والكرم الحاتمي والغيرة على الدين والوطن، ويمكننا أن نقول بلا جدال: إن هذه العائلة الشريفة هي الوحيدة التي حازت رضى جميع أصحاب السمو الخديويين السابقين وعموم أمراء الأسرة المالكة فعند زيارتهم لصعيد مصر كانوا يعرجون على قصرهم الفخم المعروف بمنفلوط فينزلون فيه على الرحب والسعة، ويلاقون من أفرادها كل إخلاص وولاء وإجلال واحترام وكرم حاتمي يليق بمقامهم الرفيع، ولا يمكن أيضا لمن احتك بأفراد هذه العائلة النبيلة وعرف جليل صفاتهم، ودرس أخلاقهم، وشاهد كرمهم، إلا الاعتراف بفضلهم، ونبلهم، وجدير بأهل الصعيد والأمة المصرية أجمع أن تفاخر بهذه العائلة التي هي أفضل قدوة لمن يريد عبور هذه الحياة تاركا من ورائه ذكرى خالدة، وعملا مجيدا يدوم في بطون التاريخ ما دامت السماوات والأرض.


وهنا نحب أن نسلط الضوء على حياة فرد أصيل نبيل من أفراد هذه العائلة الشريفة، ألا وهو حضرة الشاب المهذب القانوني الضليع الأستاذ محمد بك جمال الدين الأيوبي المحامي الشهير بأسيوط، وسنذكر لمحة وجيزة عن مناقبه، وغزارة أدبه، وسمو تربيته ودماثة أخلاقه،وإننا نكتفي بإثبات قطرة صغيرة من بحر أدبه وكماله وفضله فنقول:

ولد هذا الأستاذ الأديب ببندر منفلوط مديرية أسيوط في ٥ نوفمبر، سنة ١٨٩٢ في وسط هذه العائلة الشريفة حسبًا ونسبًا فرباه والده الجليل المرحوم أحمد بك صالح جمال الدين كبير أعيان منفلوط على بساط العز والدلال، أو كما تتربى أولاد الأعيان فأرسله أولًا لمدرسة أسيوط الابتدائية الأميرية، فأرتشف من بحر علمها قسطًا وافرا وكان في مدة دراسته آية من آيات الذكاء والنبوغ وموضع إعجاب أساتذته، وحاز منها على شهادة الدراسة الابتدائية، ثم أدخل المدرسة الخديوية الثانوية بالقاهرة فشمر عن ساعد الجد والإقدام وأحرز شهادة الكفاءة وكذا نال شهادة البكالوريا بتفوق يذكر، ومن ثم التحق بمدرسة الحقوق الملكية ومنها تجلت مواهبه السامية بما كان يبديه من الجدة والغيرة على ارتشاف العلوم حتى فاز منها بشهادة الليسانس.
وعند نواله تلك الشهادة لم يشأ الالتحاق بالوظائف الحكومية، بل فضل خدمة بلاده من طريق الأعمال الحرة، فاحترف تلك المهنة الشريفة ألا وهي مهنة المحاماة والدفاع عن حق الضعيف، والأخذ بيد المظلوم وفي الوقت نفسه ليكون قريبًا من مركز دائرته ومباشرة شؤونها العديدة بنفسه، فكان في مهنته شأن يذكر إذ كم من حق ضائع أظهره، ومتهم تلاعبت به يد الظلم فبرأه، وكم سعى للصلح بين الناس فوفق إليه بصائب رأيه، وحسن بصيرته، وذلك بفضل كمال نشأته وغزارة علمه ووفرة أدبه.
ونظرا لكفاءته الشخصية قد عهد إليه إدارة شئون أوقاف العائلة الواسعة، وأمسك بزمام وقفيتين منها، الأولى وقفية الأمير علي كاشف جمال الدين، حيث ضم بقيه مع الانفراد إلى أحمد أفندي شفيق الناظر السابق، ثم ضم أيضًا ناظر ثقة إلى سعادة حفني الطرزي باشا النظار السابق لأوقاف المرحوم الطيب الذكر خالد الأثر أيوب جمال الدين، وذلك في بحر ستة أشهر، وها هو الآن يعمل بجد ونشاط وأمانة على إحياء ذكرى عائلته المجيدة وإخراج أولئك الأغراب، الذين عبثوا بهاته الأوقاف فسادًا وغنموا من ورائها مغنمًا كبيرًا واستباحوا لأنفسهم هضم حقوق المستحقين لذاك الوقف دون أن يجدوا من أنفسهم ما يردعهم عن هذا العمل الدنيء أو يزجرهم زاج، وسوف يعلم أولئك الظالمون إلى أي منقلب ينقلبون.
كان رحمة الله عليه جلي في صورته الشريفة جميل الخلق لين العريكة، لطيف المحادثة، وديع الأخلاق، كريم النفس عضد لكل مشروع خيري، يلبي نداء المروءة والإنسانية، وقد امتلك حبات القلوب بفصاحة لسانه، وبراعة منطقه، وقوة حججه.
ولما كان حضرة صاحب الترجمة من شبان مصر الأذكياء الأكفاء، المتحلين بالعلم الغزير، والأدب الجم، ومشهورًا بسداد الرأي، فقد رشح نفسه لعضوية مجلس النواب المصري وانتخب فعلاعضوا عن دائرة منفلوط الوسطى ولكن حل المجلس فى ديسمبر ١٩٢٤م، ولو أتاح الله لهذا المجلس البقاء لرأينا من همته غيرة على مصالح البلاد ما تلهج الألسن بالشكر والثناء عليه.
ومن مآثر عائلة جمال الدين الخالدة
ومما يخلد لهذه العائلة المجيدة بقلم الشكر والإعجاب قيامها بتشييد أكثر من عشرة مساجد فخمة البناء، ثمينة الأثاث لإقامة الشعائر الدينية بها، وهي قائمة في منفلوط، وأبي تيج، وأسيوط، وصرفها الأموال الطائلة على الفقراء، والمحتاجين من أبناء السبيل وغيرهم.
وبالإجمال فإن هذا البيت الكريم شيد على دعامة السخاء، والكرم، ونشأ أهله على حب الخير ومواساة الفقراء فألبستهم التقوى والزكاة ثوب البهاء والجلال.