بين المكسب والخسارة

محمد أبوالفضل
2019 / 12 / 4

أفرادا وشعوبا وأمما... كل منا فى هذا العالم المادى يبحث عن الربح وعن الأنتصار والفوز بالغنائم الكبرى، لكن أن يتعذر علي أى منا ذلك، فالبحث عن البديل السريع هو الأفضل والأنجح، بديل لا يتحمل فيه المرء الخسارة بأكملها، بل يذهب موليا وجهه شطر الخيار الأقل ضررا من مجموعة خيارات لاتحتمل التجربة، بقدر ما هي ذكاء فطرى وأصطياد للخيار الذي لا يكلف الكثير، ولا يرهق النفس إرهاقا شديدا في متاهات ما بين العودة للوراء والوقوف في منتصف الطريق، أي لا تكن متأرجحا بين العجز أو الألتباس فالأنتحار أو لا تكن فى حتلة أستسلام تام لأي تيار جارف.

حياتنا فى الأصل مجموعة من الخيارات الصعبة، فالإنسان بحاجة ضرورية تحت وطأة أى ظرف أى كان ، أن يراجع بعض قناعاته، والقناعات دوما تكون بخلاف الثوابت، فالعمر يمضي والأيام لا تعود، ولابد من أتخاذ القرارات ولو كانت مخالفه لبعض القناعات، ففي ذلك شجاعه وجرأة وإقدام، ولكنه خلاص وإنقاذ وإنفاذ تماما كقصة من قتل الضفدعة؟ إذ ظنت الضفدعة نظرا لقناعاتها، عندما وضعت في ماء يسخن، أنها تستطيع أن تضبط ﺩﺭﺟﺔ حرﺍﺭﺓ ﺟﺴمها بدرجة حرارة الماء تدﺭﻳﺠيا، ﻭﻟكن ﻋندﻣﺎ أقترب الماء من ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﻐﻠﻴﺎﻥ، عجزت ﺍﻟﻀفدعة عن التكيف مع الوضع، فحاولت القفز أكثر من مرة، ولكن دون جدوى، حتى خارت قواها فماتت، ليبقى السؤال من قتل الضفدعة؟ هل هو الماء المغلي، أم عدم قدرتها على أتخاذ قرار عاجل بالقفز قبل أن تنفذ طاقتها في محاولة التكيف مع الوضع الجديد، لكن هناك من يقول، أن السبب الرئيسى هو من صب عليها الماء المغلي لم يعطها أي خيارات سوى الموت لأنه أراد لها الخسارة، من قال إن الخصم يريد لمنافسه الربح بقدر ما تكون خسارته أنتصارا مؤزرا له، لذا قالوا عن الحقوق أنها تنتزع ولا تعطى.

هناك أيضا حكمة هندية تقول:
لا يوجد خيار إلا في شيئين: المكسب والخسارة ؛ وهذا يعني أن حياتنا مفتوحة على خيارات عدة، لكن لا خيار ثالثا بين المكسب والخسارة، فإلى أي مدى ترى ذلك صحيحا.
فهل نجعل حياتنا بين كفتي نشوة من ينتصر ومن يكتوي بنار ألم الهزيمة، وأمورنا معلقة بين خيارين لا ثالث لهما بين أن تتم أو لا تتم؟ فأين الخيارات ، فمن الوهم والوهن أن نستسلم ولا نجد بدائل ولا نخلق الفرص الجديدة التي كما يقال أنها قد تأتي متنكرة، وتذهب ساخرة، فهي سريعة الفوت وقليلة العود، فالأديب المصري يوسف السباعي كان كثيرا ما يقول:
أحكم الناس في هذه الدنيا رجل أستطاع ألا يحزن، فجعل كل عمره ربحا.

فما إن تعترف بكل شجاعه وأقدام بقرب خسارتك دون مكابرة، عندها فقط تستطيع أن تقلل من فداحتها بل ربما تكون قادرا على هزيمه خسارتك ذاتها في آخر فرصها فميزان المكسب والخسارة لا تقيمه الأعراف السائده ولا تخطه الناس ولا يأخذ بما هو سائد بقدر ما يرجع للمرء ذاته، فما يعده مكسبا يعده آخر خسارة، لكن لا توجد حالة أقسى ألما وأكثر مرارة من الخسارة التي يرويها لنا القرآن الكريم في قول الله تعالى «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»