شعلة تشرين

ساطع هاشم
2019 / 11 / 29

تركت المنزل ظهراً وذهبت الى جوف المدينة، وجلستُ في أحد اركان المقهى الذي تعودت الجلوس فيه، أراقب الوجوه من حولي، فرأيتُ ابتساماتٍ على بضع وجوه، وكآبات على أخرى لمن هو منهوك القوى يبدو وكأنه في حداد دائم ويحمل آلام العالم اجمع.
ثم تركت كل وجه يعتني بنفسه وفتحت صفحتي على الفيس بوك من تلفون الآي فون وقلبت امري، لاني كنت دائماً أتوقع أني سأبقى مشدوداً لهذه الأحداث الثورية المستمرة في بلادنا والتي انتظرناها طويلاً، وبعد ساعة كاملة مع الصور الكثيرة للشهداء الجدد وافلام الفيديو القصيرة والرعب والقتل اليومي للشبيبة الطموحة وتظاهراتهم السلمية اعتقدتُ جازماً بأن كل ما هو مطلوب اليوم لننتهي من هؤلاء السفلة وحكمهم الجائر وعالم الامس والى ابد الآبدين هو بإختصار:
قوة هجوم كافية لمواجهة حكومة اللصوص القتلة ودناءتهم او ندمهم الكاذب، ثم ينتهي كل شيء.

لان الحرية لم تعد شبحاً في عقول الناس بعد اليوم، والكراهية لم تعد صفة سائدة في بلادنا، فالنفور الطبيعي للمواطن العراقي من العصر الديني الطائفي الإرهابي وقبله البعثي الفاشي، ذلك النفور المعزز بالوعي السياسي العالي وبالفن الرفيع والثقافة الجادة والحرة انما هو ثمرة جهود الناس الطيبين والفعّالين بالمجتمع، وكلمة الحرية المنتشرة حالياً بالمجتمع والتي تنطوي على اممية الانسان المعاصر الذي لا تحده حدود او سلاسل، انما هي التعبير العالمي لعصرنا الراهن كونها موقف للحوار والعمل والبناء وليست جسراً لطموح السفلة رجال الأعمال النصابين والساسة الفاسدين المتآمرين.

ولِدت الحروب الطائفية والعنصرية في بلادنا وعموم الشرق الاوسط بصورة ضرورية كنتيجة طبيعية لتحول رجال الدين الى قادة سياسيين وحكام، وتطبيق عملي لعقيدتهم الدينية وعقليتهم الرجعية، وهذا ما قاد شعوب الشرق الى الهاوية بسرعة قياسية، أدى الى دمار المدنية الناشئة وهلاك الملايين، وتم ذلك بواسطة السلطة التي تمارسها على الجماهير فصائل الاسلاميين المسلحة المنفصلة عن الناس، بأفراد تم وضعهم فوق الشعب، مدعومين من موظفين بيروقراطيين بالدولة لتمشية معاملاتهم الإدارية، بينما الشرق يغط في نوم مزمن وعميق.
وفي عصر اليقظة الجديد الذي جاءت به الثورة العراقية المجيدة، ليس من مخرج بعد الان سوى إزالتهم تماماً من الوجود وتدميرهم مع عقائدهم وافكارهم العفنة والأيديولوجيات الرجعية التي بنوا عليها فاشيتهم ونازيتهم.

لا شيء يرعب رجال الدين وقبلهم البعثيين مثل الفنون الجميلة والفكر الحر، قد لا يخشى هؤلاء القتلة قصف القنابل ولا الدبابات لكنهم يرتعدون امام كل معرض تشكيلي جاد او عرض مسرحي او قصيدة او أغنية تمجد الانسان او عمل خيري سلمي حتى وإن كان تنظيف شارع وتاريخنا في السنين الأخيرة شاهد على ما نقول.

ومع هذه الحوارات الداخلية ذهبت في الأفق غير المرئي للمقهى المعتم، وشعرت بالنعاس بسبب التركيز الشديد على اضوية هذه الأجهزة الإلكترونية الملعونة، وتراءئ لي طيف خيالٍ زارني ومضى وكأنه حقيقة امامي، ثم افقت من حلمي ضعيفاً، كأني مُرمىٰ على الأرض، ونهضت مثلما يستيقظ أي حالم من كابوس، وبدأت استعرض في مخيلتي ما رأيته خطوة إثر خطوة في هذا الحلم المجنون، وانا اجلس تحت جنح الظلام إلا من شعاع ضوء خافت ينبعث من لا مكان ليبدد ذلك الحلم العابس، وبدأت اشعر ببداية كل شيء ونهايته بشكل أكثر تركيزًا، وكأني استمع الى ما قاله الألماني غوته:
على الانسان في سبيل التراحم والحب ان لا يدع للموت سيطرة على فكره.

مثل هذه المشاعر موجودة في ثقافات جميع الشعوب، ويخيّل لي في بعض الأوقات باني منغمسٌ فيها دون جدوى، فكل حيّ سيلاقي حتفه، وكل من يُفنىٰ لن يستحدث من العدم ابداً، ويا للأسى، حينما ترحل السنوات سريعاً هكذا قبل ان تصل بنا الى خط النهاية، وفي حالتنا اليوم فأن خط النهاية هو نهاية القتلة طبقة رجال الدين الفاسدة والمفسدة وأحزابهم ومافياتها.

ثم تراكمت في ذهني أسئلة العالِم الأبله:
كيف سيعود المرء/الفرد الى ذاته بعد كل هذه الاضطرابات التي تحيط عالمه الاجتماعي اليوم، وهو وحيداً محاطاً بالغموض والاندفاع ويفكر فيما تُرك له من ألم السنوات العصيبة، من فقدان الأحبة والأصدقاء ومن ودعهم قتلى وشهداء وهاربون وسجناء ومن اختار المنافي والاغتراب؟
ثم ان لا أحداً يريد للوقت ان يمر ساعتها دون ان يرى ما عجز عن رؤيته الراحلون، غير انه يمضي بعيدا دون مشقة.
هل هذه تغيرات تسلب المرء قوته ام تزيدها؟
هل الدولة أساس البلاء ام طبقة رجال الدين وحدها؟

يقينا ستنتصر إرادة الثوار الأحرار الجدد آجلًا ام عاجلًا على العقل الطائفي والديني الرجعي، وستحل الأيام المجيدة، وستخلق الانعكاس الفني والحقيقي للروح الجديدة ولكل مجالس السلام والحرية والانتفاضات والرأي الحر والاقتصاد المُنَظم واحلام الناس المكبوتة، وسيكون بوسع كل إنسان ان يعبر عن نفسه وخياله انطلاقاً من مبدأ الحرية الأممي المنتشر بيننا وحول العالم.
وسيشق الناس طريقهم وسط الخراب والدمار الذي خلقه أعداء الانسان، إسلاميين انجاس رجال دين، بعثيين قوميين عنصريين واجلاف مستعمرين إيرانيين وأتراك ومن كل حدب وصوب، وسيرفعون رايات الحرية والعقل المنير لتعاد الى الانسان العراقي صفاته الناصعة وعقله التقدمي الوضاء، وتقام الاحتفالات الصاخبة للثورة

ام ان كل ذلك لا يعني شيئاً بعد الان ولن يغير شيئاً، مادام كل شيء قد تغيّر وهُزم القديم ولصوصه، وشعبنا قد وحده الالم والامل، ومنذ انتشار شعاع شعلة الأول من تشرين؟