ما أصعب مواجهة الحقيقة (حول مقال الدكتور آزاد علي: نقد الرومانسية القومية الكوردية)

صالح بوزان
2019 / 11 / 28

قرأت مقال الصديق آزاد علي في موقع روداو العربي. وفي الحقيقة هو أحد الكتاب الكرد الجادين. وبإمكاني اعتبار مقالته نوعاً من المراجعة لتقييم الحركة الكردية، لا سيما أن الدكتور آزاد ليس مجرد باحث وكاتب كردي، فلديه تاريخ في النضال السياسي أيضاً. أتمنى أن يفتح مقاله هذا مدخلاً إلى اليقظة والتحرر من التراكمات التاريخية التي وضعت الشعب الكردي في سجن فكري وسياسي، ليس من صنع الأعداء فحسب، بل كان لأحزابه دور ما في بناء هذا السجن الذاتي.
وبمناسبة فيروس الرومانسية القومية أرى أن ليس الكرد وحدهم مصابون بها، وكذلك الترك والعرب والفرس. الفرق بين الكردي من جهة وكل من التركي والعربي والفارسي من جهة أخرى هو أن رومانسية الكردي تنطلق من واقع عبوديته، بينما رومانسية أولئك تنطلق من واقع أنهم أبناء دولة قومية قائمة، يرغبون تحطيم الواقع بالعودة إلى أمجاد إمبراطورياتهم المندثرة، بينما الرومانسية القومية لدى الكردي تتجه نحو التحرر من العبودية. وبالتالي نستطيع القول أن رومانسية التركي والفارسي والعربي هي رومانسية خيالية نحو الماضي، أما رومانسية الكردي فهي حلم نحو المستقبل.
لا يُفهم من مقال الدكتور آزاد علي ما المقصود بكلمة " نحن الكرد"؟ فهل هو يتكلم عن قضية الشعب الكردي في عموم كردستان كما يظهر في مقدمة المقال، أم عن الشعب الكردي السوري حصراً. لكنه لا يتركنا في الحيرة. فسرعان ما نجده يقول: " كل هذه الإطالة هي محاولة لقراءة المشهد السياسي الكوردي والسوري اثر الهجوم العدواني المتعدد الأوجه الذي تشنه حكومة أردوغان وحلفه الإرهابي الجهادي – العنصري على مناطق شمال سوريا".
أعتقد فصل القضية الكردية في كل من سوريا والعراق وتركيا عن بعضها بعضاً مسألة مفتعلة خاضعة لأهداف سياسية ضيقة. هناك فرق بين تداخل القضية الكردية فيما بينها وبين الولاءات. وبالتالي ليست الرومانسية القومية الكردية هي التي خلقت هذه العلاقة الديالكتيكية بين نضال الشعب الكردي في هذه الأجزاء الثلاث، وإنما وحدة العداء لحكومات تركيا والعراق وسوريا ضد حقوق الشعب الكردي. وأخر برهان على ذلك التوافق المبطن بين الحكومة السورية والحكومة التركية باحتلال الأخيرة لأجزاء من سوريا على حساب كردها، حيث ضربت حكومة دمشق "الوطنية السورية" عرض الحائط. فلدى هذه الحكومات إضافة إلى إيران شعار خفي وهو: بالإمكان التخلي عن جزء من تراب الوطن مقابل أن لا يحصل الكرد على حقوقهم. هل هذا استنتاج وهمي أم حقيقي؟
إن النجاح والاخفاق في كل جزء من هذه الأجزاء الثلاث من كردستان لهما تأثير مباشر على الأجزاء الأخرى. فلولا تحقيق الشعب الكردي في كردستان الجنوبية لفدراليته لما تعمق الايمان عند الشعب الكردي في الأجزاء الأخرى أن بإمكانهم تحقيق حقوقهم بأيديهم. لنتذكر كيف حاولت تركيا بشتى الوسائل افشال هذه الفدرالية بعد الاحتلال الأمريكي للعرق. لأنها كانت تدرك أكثر من الكرد ما ستخلق هذه الفدرالية من نشاط سياسي واستنهاض وعي قومي لديهم. وإذا كانت الحكومة التركية قد تصالحت مع فدرالية الاقليم، فهي مصالحة تخفي وراءها غدراً مبطناً رحلته للظروف المناسبة.
أتفق مع دعوة الدكتور آزاد بأن يتحرر الساسة والمثقفين الكرد من الرومانسية القومية والشعارات الشعبوية، بل عليهم الاعتماد على وعي صارم وعلى المعطيات التي تنشأ على الأرض، سواء على الصعيد الكردي أو الاقليمي أو العالمي. لست مع جلد الذات بدون مبرر على طريقة الشيعة في كربلاء. فبالرغم من أن الساسة الكرد وقعوا في أخطاء عديدة خلال قيادتهم للحركة الكردية خلال قرن من الزمن، فمن المنهجية العلمية وضع تلك الأخطاء في ظرفها وعدم جعلها أخطاء مطلقة. لا شك أن الساسة الكرد لم يستطيعوا تأسيس حركة كردية متماسكة فكرياً وسياسياً واجتماعياً. والسبب في ذلك لا يعود إليهم فقط، بل هناك عامل مهم وهو البنية الطبقية والاجتماعية والدينية للمجتمع الكردي، والساسة الكرد جزء من هذه البنية. ولهذا السبب وجدنا الصبغة العشائرية والعائلية والدينية للحركة الكردية منذ قرن، وتلازم الانشقاقات مع ولادة الأحزاب الكردية. من حق الشعب الكردي أن يتساءل هل ظهر مثقفون وكتاب كرد قدموا رؤية علمية وواقعية للحركة الكردية تجاوزوا فيها الساسة الكرد حتى الآن؟ لا أتجنى عليهم، وأنا واحد منهم، إذا قلت أنهم كانوا ومازالوا يتحركون خلف الساسة وليس قبلهم. وإذا وقف الساسة أو فشلوا، يدخل الكتاب والمثقفون الكرد في سبات أو انتاج أدب النحيب.
سأعيد القارئ إلى بعض صفحات التاريخ الكردي القريب، لأقول لم تدفع رومانسية الشعراء الكرد الساسة والزعماء الكرد إلى رومانسية قومية. فالشعراء في كل قومية هم هكذا مثل أحمد الخاني. لو أعدنا النظر إلى واقع الحركة الكردية في الأجزاء الأربعة من كردستان، فهل نصل إلى نتيجة أنها فعلاً كانت ومازالت حركة رومانسية؟ هناك فرق بين أن ننتقد أخطاء الساسة وأحزابهم وتدني مستوى وعيهم، وأن نصفهم برومانسيين يمارسون عشق رومانسي تجاه كردستان.
لم تكن ثورة الشيخ سعيد تستند إلى رومانسية قومية ولا ثورة سعيد رضا. كانت لهاتين الثورتين خلفية دينية وطائفية ملموسة أكثر من الخلفية القومية. فقد وقف شيخ سعيد ضد إلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة وإعطاء حقوق حديثة للمرأة. كانت خلفية انتفاضة سيد رضا طائفية علوية. كما لم يكن قاضي محمد شخصاً رومانسياً أبداً. فهو كان بالأصل قاضياً، والقاضي يتعامل مع الوقائع. لم يدع إلى تشكيل دولة كردية مستقلة عام 1946، بل كانت جمهورية ذاتية داخل إطار الدولة الايرانية، ساعدته الظروف الجديدة بعد احتلال الجيش السوفييتي لشمال إيران. بالرغم من كل الانتقادات لثورة برزاني الأب ولشخصيته، فقد كان زعيماً واقعياً أكثر من المثقفين الكرد العراقيين. لم يطرح يوماً استقلال كردستان. كان يحصر هدف ثورته بحكم ذاتي حقيقي للشعب الكردي. كما لم يدعي يوماً أنه زعيم للحركة الكردية في الأجزاء الأربعة من كردستان. كما ظهرت هذه الوصفة فيما بعد. صحيح أن حزب العمال الكردستاني وقع في شعارات رومانسية وطوباوية في بداياته بالدعوة إلى "تحرير وتوحيد كردستان"، لكنه سرعان ما تخلى عن هذا الشعار. وهو اليوم أكثر التزاماً بحكم ذاتي في كردستان تركيا ضمن إطار الدولة التركية. بالرغم من الانتقادات التي نوجها اليوم للأحزاب الكردية السورية، لو دققنا في برامجها وشعاراتها في القرن الماضي، نجد أنها قدمت برامج واقعية متواضعة تتناسب مع الواقع الكردي السوري.


لو تتبعنا سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي منذ تأسيسه وحتى الآن نجد أنه منذ البداية رفض بالمطلق مسألة الانفصال عن سوريا، بل لم يوافق على فدرالية قومية كردية لكونها غير قابلة للتحقيق في كردستان سوريا المجزأة إلى ثلاث أقسام متباعدة. وهذا ما دفعه إلى التركيز على الادارة الذاتية المشتركة مع العرب والسريان والآشوريين وغيرهم من مكونات شمال سوريا. وهي صيغة أكثر من واقعية.
إن مراجعة الذات من قبل الحركة الكردية في الأجزاء الأربعة ومن قبل الكتاب والمثقفين الكرد حالة صحية وجرأة تستحق التقدير والاحترام. ولكن يجب أن لا تكون هذه المراجعة مفتعلة وتستند إلى بعض الخصوصيات الحزبية أو الشخصية. نقرأ في السنوات الأخيرة مقالات وأبحاث لبعض الكتاب الكرد ينتقدون التاريخ الكردي البعيد والقريب المزور الذي كتبه أعداء الكرد. وهذا عمل جليل دون شك. ولكن عندما نتمعن في تصحيح بعضهم لهذا التاريخ نجد أن أغلبهم يفتقرون للعلمية والنزاهة في إعادة تصحيح التاريخ الكردي. بل إنهم يحرفون أحياناً ما هو محرف. يقلدون في هذا المسعى الكتاب والمثقفين الترك والعرب، الذين أبدعوا خيالاً قومياً رومانسياً في التحريف قلّ مثيله في الشرق الأوسط. فعلاوة على تحريفهم للتاريخ الكردي يقومون بتحريف تاريخ أمتهم. مازال الكتاب والمثقفون، وحتى المفكرون العرب، يجتمعون حتى الآن في مؤتمرات وندوات ويثرثرون بوحدة الوطن العربي، بل ينظّرون للقومية العربية كرديف للدين الاسلامي. يعتقدون أن للقومية العربية رسالة خالدة (أمة عربية واحدة- ذات رسالة خالدة). لم أقرأ لمثقف عربي واحد كتب عن هذا الشعار بأنه عنصرية بصبغة دينية. أقرأ لكتاب ومثقفين عرب سوريين نقدهم الشديد لاتفاقية سايكس بيكو، وأنها قسّمت جغرافية العرب والأمة العربية، ولكن لا واحد منهم أقرّ يوماً أن هذه الاتفاقية قسمت كردستان والشعب الكردي أيضاً. لا يقرون أن سوريا سايكس بيكو تحتضن عدة قوميات. إنما يصرون على عروبة سوريا، وأن القوميات غير العربية مجرد لاجئين فيها. بل أبدعت لنا المعارضة السورية اليوم مصطلح "دولة المواطنة"، ويقصدون من ورائها طمس حقوق الشعب الكردي السوري. وكأن الدستور الذي يريدون تغييره لا يقر بدولة المواطنة.
--------------
رابط مقال الدكتور آزاد علي
https://www.rudaw.net/arabic/opinion/17112019