المطعم التركي ، ونبي

محمد ليلو كريم
2019 / 11 / 15

وقفَ نبيٌ ، معصوم بفضيلتهِ ، على سطح المطعم التركي وراح يجول ببصره في الأرجاء ، رأى الناس متجمهرة غضبى ، وأبصر الجُندَ مدججين بالسلاح والحيرة ، وشاهد من بعيد عشرات السلاطين وقد طوحهم الحنق ، فراعه كل ما رأى ، وبرمية من يده وزعَ في الهواء آلاف القصاصات الورقية ، والعجيب أن الناس راحت تتلقف القصاصات الطائرة وتلتقط ما وصل منها للأرض ، وبعد دقائق عشر صرخ الجميع كصوت واحد : فوق سطح المطعم التركي نبي كذاب ، أحرقوه أو قطعوه ، أو ليُقذف من فوق لتتكفل الأرض بدك عظامه .
بكى النبي .
سمع اغلب المتظاهرين صوت نحيبه ، ورقّت القلوب ، إلا قلوب السلاطين ، وظل الجُند في حيرتهم .
" أأرجع من حيث أتيت عبر نهر دجلة ، ولكني وعدت الأسماك بأن هذا الدفق الباعث للحياة لن يتوقف ، ووعدت العصافير وتلك الحمامة التي تنظر لي متوسلة بأن الجمال لن يؤخذ بجريرة القُبح ، ولكن قلبي الشفاف وشغافه الرقيقة لا تحتمل هذا العتو والغلظة " ما إن أنهى النبي كلامه حتى عاد للنحيب ، فزاد نحيب الناس .
اقتربت مروحية فيها رئيس الجند وخاطب النبي عبر مكبر للصوت : كيف وصلت للسطح ؟
اومأ النبي نحو السماء وأطال نحوها النظر حتى غابت المروحية وضجيجها ، وعلى ركبتيه جلس النبي عند طرف سطح البناية وراج يجول ببصره في المتظاهرين ، وأما المتظاهرين فقد انشغلوا به لدقائق قبل أن يستعيدوا هتافاتهم ورغبتهم بعبور الجسر .
هتفت الجموع بعد أن سقطت من جهة النبي قصاصات قليلة قرأها القليلون ولكنهم نقلوا ما فيها للجمهور : هذا مدعٍ للنبوة ، مُندس ، فلما لا يحاسبه الجُند أو يقمعه الحُكام .
" هم لم يطلبوا معجزة " قالها النبي وأكمل : " لو أنهم استجابوا لي وافرغوا الساحة للأطفال ، وللأطفال فقط ، لكان بينهم والخلاص ليلة واحدة "
امرأة تُدعى ( جدائل ) صرخت بأعلى صوتها صوب النبي متوسلة : " ليس هذه المرة ايضًا ، فامكث بيننا يا كريم ، وها انك ترى ؛ عدد الاطفال أكثر ، وأما ما سمعت من سوء بحقك من هذه الأفواه فلا تلتفت له ، فالناس يا نبي ما عادت تُصدّق بأرضٍ ولا سماء "
ينقل أحد الرواة ، والعهدة على القائل أن النبي سيمكث ايامًا أخرى بعد أن بدى انه مغادر .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير