جبهة اجتماعية أم جبهة شعبية ؟

الريكات عبد الغفور
2019 / 11 / 15

*اعقدوا ما شئتم من اتفاقيات، لكن إياكم والتنازل عن المبادئ.*
صار لزاما علينا أن نتبنى الوضوح في الطريق، حتى لا نجد أنفسنا لوحدنا من جديد مشتتين، والوضوح مع الجماهير .
حين نؤسس سلفا للجبهة، و ننتظر من عموم الجماهير الشعبية الكادحة أن تتفاعل معها دون أن نشركها في البناء، كالذي يكون عرسه و يحضر ضيفا في آخر اللحظات و قد لا يحضر.
إن إشعال الشموع في الظلام مهمة كل من يتبنى الديمقراطية و الجماهيرية، و من الضروري أن يسود تصوره في أي تنظيم، و الأساسي أن يكون الأفق السياسي لأي جبهة واضحة و ضرورة استثمارها في مسار و صيرورة الصراع الطبقي و تكون قاطرة و معبرا نحو جبهات أكثر شمولية .
إن تقديم الوصفات الجاهزة للجماهير سياسيا أو نقابيا أو حقوقيا، و انتظار التحاقها بالركب و يكون حضورها هامشيا هو طرح بورجوازي معادي لطموحات الجماهير الشعبية.
صحيح، أن أي متتبع تقدمي ينهال من المنهج الدياليكتي المادي لحركة الجماهير بالمستعمرات او كما تسميها البورجوازية الامبريالية، دول العالم الثالث، يكتشف تنامي الفكر التحرري و العداء للإمبريالية و الرأسمالية وسط الجماهير، بقدر ما يتبين له بالملموس ضرورة بناء اداة السياسية الملتحمة بالجماهير ، سياسيا وايديولوجيا.
على سبيل المثال:
اخفاق الحركات الاحتجاجية التي انفجرت مع مطلع 2011 راجع بالاساس، الى غياب تلك الاداة التي تصلب الجماهير ، حيث مع تنامي سخطها واحتجاجاتها، وجدت نفسها عارية، دون محصن سياسي، امام القمع السياسي المنظم للاوليغارشية الحاكمة: اغتيالات، اعتقالات، نفي....وغيرها من اشكال القمع الطبقي الكولونيالي.
إن أزمة ثقة الجماهير الشعبية الكادحة أو العشرينية إن صح القول، في العمل الحزبي أو السياسي. ينبعث من كيفية تدبير مرحلة اشتد فيها الصراع و خاصة ما بين فبراير و نونبر من سنة 2011، حيث وضع السقف النضالي مسبقا و هو ما عاكس طموحات شباب و شابات أصابهم الملل من كيفية إخماد الشرارة الجماهيرية، فتحولت بذلك القوى اليساروية، في اطار مجالس الدعم، الى ادوات كابحة لحركة الجماهير الشعبية.
اذن، فالجماهير الشعبية الكادحة ستفقد الثقة في العمل السياسي بمضمونه الاصلاحي، اليسرواي، المتوفر منه إن صح التعبير،و بالضرورة كذلك فهي ملزمة ببناء معبرها السياسي بمضمونه البروليتاري الثوري، الخيار الوحيد والاوحد ، بالنسبة لحركة التحرر الوطني.
إن التثقيف اليومي هو السبيل الوحيد لتفكيك تعقد الواقع و تبسيط المفاهيم و إزالة كافة الشوائب و النزعات البورجوازية، حتى تنتعش الذات البروليتارية من جديد.
و من الأخطاء الشائعة اليوم أننا ننتظر الجماهير الشعبية لتتلمس لوحدها موقعها الطبقي، و دورها في مسار الحركة، دون أن نكلف أنفسنا عناء توظيف العقل الجدلي في تكسير شوكة الخطوط التي تشتت الجماهير الشعبية أكثر ما هي مشتتة، و هي خطوط يمينية متطرفة تخدم مصالح نمط الانتاج الكولونيالي التبعي و تحافظ على بقاء الثروة في الضفة اليمنى و الفقر و البؤس في الضفة اليسرى.
إن عودة حركة الجماهير للتوهج سنة 2019، محليا أو اقليميا لا يمكن عزلها عن تأزم رأسمال المركز و عجزه عن الحفاظ على الأوهام التي صرفها للجماهير منذ القرن 19. يفرض علينا أن نكون جاهزين لتلك اللحظة نظريا و ممارسة، و حتى لا تكون الصدمات من جديد.
هذه التوطئة تفرض علينا أن نحدد طبيعة التنظيم، هل نكتفي بجبهة اجتماعية و أخرى اقتصادية و أخرى ثقافية، أم بحاجة لجبهة شمولية تجمع و توحد الجماهير على أرضية صلبة و الجبهة الشعبية هي الكفيلة للقيام بهذه المهمة و هي التي ستجمع الموظف و العامل و الفلاح و المعطل و الطالب ....
الجبهة الشعبية تسمح بتوحيد الرؤى بين عموم الجماهير الشعبية، و حتى لا تكون القيادة برجوازية من جديد و نعيد تجارب سابقة فاشلة، فمن الغباء أن نقوم بنفس التجربة أكثر من مرة و ننتظر نتائج مغايرة. و لنا في الائتلاف الوطني للدفاع عن التعليم العمومي خير مثال.
إن وضع الارضية الصلبة سيحدد طبيعة السرعة التي ستمشي بها الجبهة الشعبية، هل هي متوسطة أو فائقة السرعة؟ وما الخطوط العريضة لعمل الجبهة؟ و كيف تتشكل الجبهة بشكل ديمقراطي من القاعدة حتى إفراز لجنة وطنية مركزية؟
أما و الحال نؤسس جبهة اجتماعية و فقط و تستثني شرائح عديدة فسنكرر نفس تجارب الشموع المنطفئة.
لكن ،سنكون إيجابيين بالضرورة و نطمح لأن تكون هذه الجبهة الاجتماعية واضحة في المبادئ و الأفق ، الذي ينهل من معين تمرد الجماهير و التي صارت تعبر عنه في الفنون و الرياضة و الأدب بعيدا عن الخطاب السياسي الكلاسيكي .و أن تسمح ليونتها في علاقة بحركة الجماهير إلى التحول من الخاص إلى الشامل ويبرز فيها الدور الريادي للشباب دون أي تضييق أو ممارسات بيروقراطية، و أن لا تكون جبهة كلاسيكية في أشكالها النضالية الممركزة، و تسمح بتقعيد الفعل النضالي في الهوامش المنسية.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول