واقعية الثورة

محمد ليلو كريم
2019 / 11 / 14

واقعية الثورة ..
المطلبان الأساسيان ودونهما تبع ..
ستمر الأحداث وتذهب الى مدونة التاريخ ، لا حدث يدوم ولا شئ يستمر في وجوده ، هذه سُنن الحياة ، وأن البعض يتطرف لصالح الحدث ، أو يتطرف بالضِد ، والبعض سيتأول فب مواقفه وكتاباته السابقة تملقًا لطلب الرضى أو المنفعة الشخصية من لدن الواقع الذي قد يفرزه الحدث ، وهذه ايضًا من السُنن ؛ سُنن البشر في مجرى الحياة ، وليس أفضل من موقف واضح يجلب لمن يتخذه الفخر بأنه لم يكن متلونًا ، ولم يتشدد في أي جانب مسوقًا بدفق العقل الجمعي أو النخبوي المهيمن ، وأحداث العراق الأخيرة ، المظاهرات ذات الطابع الشيعي التي عمت بغداد ومحافظات الأغلبية الشيعية ، ليست من الأحداث التي لا تستحق الوقوف عندها طويلًا وبتأمل عميق للخروج بمحصلة كبيرة تُترك كدرس بالغ ضخم للأجيال القادمة ، فأعداد ضخمة من شيعة الوسط والجنوب العراقي خرجوا بزحف مدوٍ للتنديد بفساد السلطة الحاكمة وتفرعاتها في المحافظات ، والمطلب الأساس الذي أطلق هذه المظاهرات هو احتياجات الفرد ، فالفرد الشيعي العراقي طالب بعمل وخدمات ، وبالمرتبة الثانية طالب بحرية الرأي وتغيير النظام ، والمطلب الثانوي ظهر نتيجة تلكأ السلطة الحاكمة في الاستجابة للمطلب الأول ، وكذلك كان للإعلام دور فعال في تغذية العقل الجمعي بقائمة جديدة من المطالب مستغلة فشل الحكومة في فهم الشارع المتظاهر ، الغاضب ، ولو أن المواطن المتظاهر تأكد من حصوله على عمل وخدمات لكف عن التظاهر ورجع للمنزل وما أضاف لمطلبين أي طلب آخر ، فالعمل والخدمات هما الطلبان الوحيدان للفرد الشيعي العراقي وغيرهما مما أضيف من مطالب ظهرت كتعبير عن الغضب من تأخر الاستجابة الحكومية والحالة تشبه شخص طالب بدين في ذمة شخص آخر فلما أمتنع المديون عن التسديد واجه تهديدًا ومضايقات ، وهذا ما جرى من قِبل الحشود المتظاهرة تجاه الحكومة .
أنا ابن الاحياء الشعبية الشيعية ، وبالتالي أعرف جيدًا مطالب الناس هنا ، وأفهم ما يطرأ من تحول في هتافات المتظاهرين ، فالشيعي العراقي - واغلبنا من جنوب العراق - لا يكترث بشكل النظام والدستور والقوانين ومن هو الحاكم مادامت هناك ثلاثة اشياء متوفرة : حرية ممارسة الطقوس ، عمل بمردود مادي جيد ، خدمات .. أما هتافات اسقاط النظام ، تغيير في الدستور ، انتخابات مبكرة ، كلها وغيرها كثير لا قيمة لها في ذهن المواطن الشيعي الجنوبي ، ولكي نصل الى تلك المرحلة حيث نتظاهر في شأن الدستور أو السياسة أو الحقوق فنحتاج أولًا لتجاوز مرحلة الحرمان ، والحرمان حالة عامة لا تقتصر على شح المال في الجيب ، فنحن محرومون من المستشفيات الجيدة في مناطقنا ، ومحرومون من التعليم الجيد ، ومن الخدمات ، والمكتبات العامة الفخمة ، والجامعات حيث نسكن ، ومتطلبات أخرى أن توفرت مع ما ذكرت سترفع من وعينا لكي نتظاهر حينها بخصوص قوانين ودستور وسياسة ، أما الآن فلا نرغب إلا بالمال والخدمات وكل ما عداهما مؤجل الى حين رفع هذا الحرمان الثقيل الضارب في اعماق نفوسنا .
أن دفع المواطن الشيعي للصراخ بشأن الدستور أو السياسة والسلطة والانتخابات سيجعله يتجاوز مطلبه الأساس وينشغل بستراتيجيات معقدة تحتاج الى فترة أطول من الوقت سيظل فيها المواطن محروم من المال والخدمات ، وأنا اقف بالضد من هذا الإستغلال والتضليل حيث تُزج مطالب في قائمة مكون من مطلبين : مال وخدمات . المال والخدمات سترفع الفقر والحرمان ، وأن رُفع الفقر الشخصي ، والحرمان العام ، سيتحسن ذهن الفرد ويصفو من كدر العوز وشح العمل والتوظيف وسوء التعليم وضغوطات الوضع الصحي والمناطقي والاختناقات الاجتماعية وعشوائيات التفكير والسكن ، فلا ننجر وراء المترفين والعاجيين والمتفلسفين ومن لا يسكن بيننا ويعاني ما نعانيه من حرمان كبير متشعب .
لنطالب بعمل يجلب أجر جيد ، وخدمات ، ونتجاهل من يريد دفعنا لمطالبة بحقوق اخرى ، ومع انها حقوقنا إلا أن للحقوق قائمة تفضيل وأولوية ، أما أن نطالب بما يخص تغيير الدستور أو احداث تغيير فيه وبصياغات قانونية معتبرة وشكل سياسي نافع للشعب فأغلبنا لا تخصص لنا في هذه الأمور مما يحتم الرجوع الى المختصين في المجال وفسح المجال لهم للتباري في الآراء وخوض نقاشات بمساحة زمنية تتيح تبلور بديل أفضل فحتى المختصين يختلفون في الرأي ولا نتوقع منهم أن يجمعوا وخلال يوم واحد على صياغة ورأي واحد ، فالدساتير والقوانين والنُظم السياسية كما الفلسفات والمذاهب تنضج بالتركم مما يتطلب زمن قد يطول ، أما من يوهمونا أن دستورًا ينضج ، وقانونًا ينضج ، ونظام سياسي ينضج في يومٍ ، أو شهر ، أو عام فهذا يريد بنا العسر وشتات الذهن وترك الأولى ، بينما الأجر الجيد والخدمات الجيدة هيما نطلبه حثيثًا في هذه المرحلة ، فلا ننساق لأصحاب الأحلام الناعمة والأصوات التي تُبالغ وتوهِم .
في البداية تحركت الثورة الفرنسية كثورة خبز تقودها النساء حيث سرت اشاعة بين الجموع الغاضبة أن في قصر فرساي كميات ضخمة من القمح تحتكرها زوجة الملك ماري انطوانيت فتوجهت الحشود الغاضبة نحو القصر موضوع الإشاعة ومن ثم تطورت قائمة المطالب لتدعو الملك للكف عن اعاقة وظائف الجمعية الوطنية التي تصب في مصلحة الشعب ، ولكن ؛ استغرق القضاء على تبعات وعناصر النظام الملكي ٨٨ عام ، وبعد يوم الثورة لم يبزغ فجر اليوم الثاني ليعم الرفاه ويتوفر الخبز ويُعدَل الدستور وتتحول فرنسا لدولة تعتني بمواطنيها ، ولم يتحقق ذلك في اليوم الثالث ، ولا بعد انقضاء عام الثورة ، ولا حتى بعد عقد أو اكثر ، ولهذا أرى ضرورة التركيز على العمل والخدمات كمطلب رئيسي ، وإلا فالدستور مثلًا لا يتغير بين ليلة وضحاها فيكون مطابق لمصلحة المواطنين ومنسجم مع عادات وتقاليد سائدة ومن غير المنطقي أن نختصر منجز اعادة صياغة الدستور في الجانب المعيشي فالدستور روح القوانين وليس قرار توظيف أو أمر اداري صغير وهذا ما يجب أن يلتفت له الناس ولا داعي للخوض في مغامرات خاسرة والاندفاع الغير واع ، وكما قلنا يُفضل فتح نقاشات بين مختصين في المجال وفسح المجال لهم لبلورة دستور معتبر يناسب المرحلة الاجتماعية ولا يمتنع عن التطور في المستقبل ضمن ضوابط ، ولننظر للمختصين كبرلمان اجتماعي مهمته انضاج مسودة دستور ليصوت عليها البرلمان الرسمي ، أما في موضوعة اللغاء النظام البرلماني واستبداله بنظام رئيس فلا افهم ما هي العصى السحرية والنزعة الملائكية التي سوف تتوفر في شخص الرئيس ، وكيف ندعو الى حكم انفرادي ، وكيف للمكون الشيعي القول بهذا المطلب مع عدم الرجوع للمكونات الأخرى للتأكد من رأيها في هذا الخصوص ، ولما لا نُسمي الاشياء بمسمياتها ، ونأتي البيوت من أبوابها ، ولما نتجاهل الجغرافيا في حين أن العراق مُقسَم الى ثلاثة اقاليم جغرافية ؛ أقليم شيعي ، واقليم سُني ، وأقليم كردي ، مع احتمالات لظهور اقاليم أخرى لربما تكون أصغر ، أو اكبر ، فقد تظهر اقاليم صغيرة تجمع كل منها مكون صغير ، أو يبرز اقليم كبير تقتطعه منظمة جهادية ، وعليه لا يجوز النظر بسطحية أو عدم اكتراث لهكذا تفاصيل ، ولنركز على مصلحتنا كمواطنين شيعة مع الانسجام مع مصالح بقية المكونات .
لم يكن عامة الروس يكترثون بالإصلاحات التي أتى بها النخبة السياسية التي وصلت للسلطة بعد الثورة في آذار ١٩١٧حيث انتهى عهد الحكم المطلق ، فتلك النخبة تحدثت بلسان روسي ولكنه غير مفهوم للناس الذين يطالبون بالأرض وإنهاء الحرب ، بينما النخبة تحمل عقلية أجنبية قادمين من بلدان أوربية سبقت روسيا في الإرتقاء الاجتماعي والسياسي إذ ( لم يكن هولاء من يكونوا من ذوي الثقافة السياسية التي كان ينتمي اليها معظم سكان روسيا آنذاك ، .. ، لقد وصل الى السلطة اشخاص تعلموا وفق النمط الأوربي ، ويسترشدون بالقيم الديموقراطية الأوربية ، ويعولون على المؤوسسات الديموقراطية الأوربية اساسًا ، أما كتلة الشعب الأساسية فمن الطبيعي انها لم تكن تفهم هذه القيم & فلاديمير بولداكوف ، كبير الباحثين بمعهد التاريخ الروسي التابع لأكاديمية العلوم الروسية ) .. اعتذر عن الإستشهاد للأكاديمي الروسي فالمقال اصلًا وفي جانب منه نقد للنخبوية ، والفوقية الحالمة ، ولا بأس به دون الاستفاضة أو الأستزادة ، فحسبنا أن نطالب بعمل وخدمات كمطلب أول ، ومن ثم يتطور الحال بفعل توفر الفرص المعيشية الجيدة للفرد ، والخدمات العامة للمجتمع ، فتحدث بفعل هذين العاملين دفعة اجتماعية نحو الأمام .

١٣ ت٢ ٢٠١٩

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير