نقض برهان الصديقين لدى إبن سينا

هيبت بافي حلبجة
2019 / 11 / 12

بعد ما أنتقدناه في حلقة سابقة ( نقض مفهوم الماهية لدى إبن سينا ) نود أن ننتقده من خلال مؤلفاته الإشارات والتنبيهات ، والنجاة ، والشفاء ، في أجمل برهان على وجود الإله المفترض والمسمى برهان الصديقين الذي فيه تخطى إبن سينا الإطر الفلسفية المعتادة عليها ، وألتزم بروح الفلسفة الحقة وبما يمكن أن نسميها الخطوات العقلية البحتة دون أن يقارن مابين أوضاع المخلوقات والخالق أو مابين حيثيات الموجودات والوجود . ولكي ندرك ، تمام الإدراك ، ماهو الموضوع الفعلي لما يسمى جهلاٌ ببرهان الصديقين أو ببرهان واجب الوجود ( لدى بعض المفسرين ) لامحيض من إدراك القضايا التالية لدى إبن سينا ، وهي أربعة :
القضية الأولى : يقسم إبن سينا الوجود إلى ثلاثة أقسام ، واجب الوجود ، ممكن الوجود ، ممتنع الوجود ، والممتنع الوجود هو الذي لايقبل الوجود أصلاٌ وتعريفاٌ ومضموناٌ ، وبالتالي هو لايملك علة وجوده من ذاته ، ولايمكن ان يملك علة وجوده من غيره أيضاٌ ، ومن المحال أن يتقبل أي نوع من أنواع العلة ، لإنه من المحال أن يملك أي نوع من الماهية ، فلاماهية له ، ويفتقر في مستوى الوجود نفسه إلى قبول أي ماهية ، ومن هنا تحديداٌ يحتسب وجوده بمثابة العدم مع مفارقة إن العدم قد يقبل الوجود كنوع من النقيض له وكماهية خاصة به في حين إن الممتنع الوجود هو من لايمكن أن يتقبل لاماهو ممكن ولا ماهو مستحيل ولاماهو وجودي ولاماهو ماهوي .
والممكن الوجود هو الذي يطرأ عليه التغير والتبدل والحدوث ، ويخضع ، من الناحية الوجودية ، لقاعدة إنه قد يكون وقد لايكون ، وبالأدق ، حسب مجمل إطروحات إبن سينا ، إنه قد يوجد وقد لايوجد ، وهذه القدية خاضعة لثلاثة أمور : الأمر الأول إنه لايملك علة وجوده ، علة ذاته ، بمعنى إنه ليس من أوجد ذاته من خلال علته الخاصة به . الأمر الثاني إنه ، لكي يوجد ، لابد من علة خارجة عنه ، لابد من علة لوجود آخر ، بمعنى إن هذه العلة هي التي جعلت من وجوده ممكناٌ ، وبالتالي نقلته من مجال اللاوجود النظري إلى مجال الوجود الفعلي . الأمر الثالث إنه ، ولكي يتحقق وجوده ، لابد من أن يتناظر وجوده مع ماهيته ، فمن المحال أن يتحقق وجود فعلي بدون ماهية ، فالماهية هي التي تحض العلة على تحقيقها في ذاتها وفي الموجودات .
وأما واجب الوجود فهو الوجود الذي علته علة وجوده وليس علته سبباٌ لوجوده ، ولايفتقر إلى أي علة أخرى تظهره إلى الوجود ، وهو بالتأصيل والأصالة لايحتاج ولايفتقر إلى أي شيء خارج حدوده ، وطالما إنه هو وعلته شيء واحد فلايختلف أحدهما عن الآخر ولايتخلف أحدهما عن الآخر ولايتقدم ، بمعنى إن علة الوجود هي التي تجعله واجباٌ للوجود وليس العكس ، ومن هنا ، ومن هذا الإفهوم ، نستدل على مايلي ، ثلاثة أمور : أولاٌ إن ماهية هذا الواجب الوجود هي عين وجوده ، هي لاتتطابق معه ، كما يفهم البعض خطأ ، إنما هي ذات وجوده ، لإنها ماهيته هو ، هو فقط دون غيره . ثانياٌ إن واجب الوجود هو ضرورة ، لكن مع مفارقة ، إنه ليس وجوب الضرورة إنما هو ضرورة الوجوب ، والمفارقة قاتلة ، لإن وجوبه يجعله ضرورة وليس ضرورته تجعله وجوباٌ . ثالثاٌ إذا كانت الماهية تحض العلة بالضرورة على تحقيق ذاتها ، فإن الوجود يحض العلة ، هو الآخر ، على تحقيق الماهية ، فتأتي العلة لتظهر الماهية في عين ذلك الوجود ، وهذا هو بالضبط وبالتمام مفهوم واجب الوجود ، رغم إن إبن سينا لايدرك ، في الحقيقة ، هذا المعنى لواجب الوجود لإنه ، بكل بساطة ، يرمي ، من خلال هذا البرهان العقلي المزعوم ، إلى المفهوم اللاهوتي الإسلامي لمقتضى العلاقة مابين الإلوهية ووجوبها ، أي في جعل هذا الإله المفترض واجباٌ للوجود .
القضية الثانية : في العلاقة مابين العلة والمعلول ، وبصدد الأقسام الثلاثة للوجود ، أي الواجب الوجود ، الممكن الوجود ، الممتنع الوجود .
فأولاٌ الممتنع الوجود لايقبل لاعلة ولامعلولاٌ ، وهو غير مؤهل لتقبلهما بالأصل ، فهو خارج سياق المبحث الوجودي الأصيل والأصلي ، وفي الحقيقة هو يفتقر إلى الماهية فمن المحال أن يكون معلولاٌ لعلة أو تجلياٌ لعلة وجودية وجوبية .
وثانياٌ الواجب الوجود هو علة ذاته ووجوده ، وبالتالي هو ليس معلولاٌ ، لإنه لو كان معلولاٌ لعلته لأصبحنا إزاء ثلاثة أمور جميعها متناقضة مع مفهوم واجب الوجود . الأمر الأول المفارقة مابين الماهية والوجود ، ولايهم هنا من سبق من . الأمر الثاني المفارقة مابين الوجود نفسه ومابين مفهوم الأزلي السرمدي . الأمر الثالث إمكانية أن يتحول واجب الوجود إلى ممكن الوجود .
وثالثاٌ الممكن الوجود هو الذي يتقبل وجوده من علة خارجية ، وهي هنا علة واجب الوجود ، لكن أبن سينا لايروق له أن تتصرف علة واجب الوجود في تحقيق وجود الممكن الوجود ، لإن ، عندها وحسبه ، تتولد الكثرة من الواحد وهذا من الإستحالة الإلهية ، لذلك إبتكر مفهوم العقول المفارقة ، وهي بإقتضاب ، إن علة واجب الوجود هي علة العقل المفارق الأول ، أي الواحد يتولد من الواحد ، ومن ثم من علة المفارق الأول تتولد علة العقل المفارق الثاني ، وهنا أيضاٌ يتولد الواحد من الواحد ، وهكذا وبالتسلسل حتى نبلغ العقل المفارق العاشر الذي ، هو هنا ، أساس المادة والنفس ، وأساس الجماد ثم النبات ثم الحيوان ثم الإنسان ، وكإن إبن سينا كان حاضراٌ مع الواجب الوجود ، مع الإله المفترض ، وعددوا سوية العقول المفارقة حتى العقل المفارق العاشر وهو العقل الفعال .
القضية الثالثة : إن الوجود الأصيل كمفهوم وكمعنى ، وكصيغة إن الوجود هو الوجود ، هو ، لدى إبن سينا ، الوجود المتحقق فعلياٌ في الواقع ، هو الوجود المتحقق في الذوات ، فيما هو عيني ، فيما هو هو ، في الموجودات ، والموجودات هي في قرار سكينته ، الإنسان ، الحيوان ، النبات ، وبما إن هذه الموجودات كافة تتقبل الفناء والموت وتفقد خواصها ، ويطرأ عليها التغير ، فهي لاتستطيع ، إذن ،أن تكون علة ذاتها ووجودها ، لإن حينها ستكون قد وجدت قبل أن توجد ، وهذا تناقض محال .
القضية الرابعة : وبما إن هذا الوجود الأصيل ، وهذا الممكن الوجود ، وهذه الذوات العينية ، لاتملك علة وجودها ، فلابد من أن تتقبل الوجود من علة وجود ثان ، وهذا الوجود الثاني ينبغي عليه أن يتقبل الوجود من علة وجود ثالث ، ورابع وخامس إلى ما لانهاية ، وهذا محال لإن التسلسل في حده محال ، ولإن مفهوم الدور بنوعيه محال ، فلامناص ، إذن ، من أن ينتهي التسلسل وأن ينتفي الدور ، وبالتالي نحصل على وجود ، هو وماهيته وعلته ، متطابقة في كليتها ، وهذا هو تعريف الواجب الوجود الذي هو الإله المفترض .
إن هذا التصور متهافت ومتساقط ولايصمد لأي تحليل ونقد بسبب هذه المغالطات التالية:
المغالطة الأولى : في تعريفه لممكن الوجود ، إنه قد يوجد وقد لايوجد ، لماذا يوجد هذا الممكن ؟؟ وهل ثمة سبب ؟؟ ومهما يكن السبب وسواء أرتبط بواجب الوجود أو بممكن الوجود ، أو بأي مفهوم آخر ، فإن ذلك يخلق عدة متاهات وحتى مغالطات أخرى . ومن زاوية ثانية ، إن الممكن ، حسب إبن سينا ، قد لايوجد ، وهذه إشكالية كبرى من جانبين ، الجانب الأول إن هذه ال ( أو ) في جملة قد يوجد أو قد لايوجد ، تنفي ، بطبيعة أونطولوجيتها الخاصة وكمفهوم يتعلق بالعلة والمعلول ، وجود واجب الوجود والإله المفترض الذي إن وجد فهو لايقبل ، هو الآخر ومن طرفه ، لامبتغى ولا وجودية هذه ال ( أو ) ، الجانب الثاني طالما هذا الممكن قد لايوجد ، فليبق بدون وجود ، وليبق واجب الوجود والإله المفترض وحيداٌ في عدمية مطلقة ، وفي ظلام دامس أبدي ، وطالما إن الكون أو العالم غير موجود فلاقيمة أصيلة لواجب وجود ( في حالية وجوده المزعوم ) مستلقي في طرقات النسيان السرمدي ، والتعبير الفلسفي الدقيق هو طالما إنني لست موجوداٌ فلا إلهاٌ قبلي ولابعدي ولا واجباٌ للوجود ، وإذا كنت موجوداٌ فلا إلهاٌ معي ولاواجباٌ للوجود .
المغالطة الثانية : في تصوره للعلاقة مابين واجب الوجود وممكن الوجود ، يرتكب حماقة منطقية كبرى ، فالإنتقال من ممكن الوجود إلى واجب الوجود يتم عبر ، حسب إبن سينا ، مفهوم إستحالة التسلسل إلى مالانهاية ، لكن هل من الممكن أن يكون هناك أي إمكانية للتسلسل أصلاٌ ، أقصد حتى فرضيتها الجدلية ، مستحيل والسبب هو إن الممكن الوجود لايستطيع أن يكون علة لممكن وجود آخر ، فلو صدقت فرضية ، وهذا تناقض جدلي ممتنع ، إن ممكن الوجود يستطيع أن يكون علة لممكن وجود آخر لأانتفى ، أصلاٌ ، مفهوم ممكن الوجود .
المغالطة الثالثة : في تصوره للعلاقة مابين واجب الوجود وممكن الوجود ، يتناقض مع نفسه ، فمن زاوية يؤكد إن الممكن الوجود لايستطيع أن يتسلسل إلى ما لا نهاية ، لذلك لابد من أن ينتهي الأمر بواجب الوجود ، لكن من الزاوية المعاكسة ، يؤكد إبن سينا إن هذا الممكن الوجود قد صدر وفاض عن العقل المفارق العاشر الفعال ، الذي بدوره فاض وصدر عن العقل المفارق التاسع ، وعن العقل المفارق الثامن حتى العقل المفارق الأول ومن ثم عن الواجب الوجود ، فإذا كان إبن سينا قد رأى بأم عينيه إن الممكن الوجود قد صدر وفاض عن العقل المفارق العاشر الفعال فما هو السبب ، أصلاٌ ، في البحث عن موضوع إمتناع التسلسل إلى ما لانهاية وبالتالي أستنباط وجود واجب الوجود .
المغالطة الرابعة : إذا كان العقل الفعال الأول قد فاض عن واجب الوجود ، وعنه فاض العقل الفعال الثاني ، وهكذا حتى العاشر وحتى الممكن الوجود ، فلاضرورة ، أصلاٌ ، لا للعلة ولا للمعلول ، ومن المحال وجودهما ، لإن مفهوم الفيض والصدور هنا يلغي مفهوم العلة والمعلول ، وينفي وجودهما ، لإن إبن سينا يزعم ، وهذا هو منطلق مايسمى تهافتاٌ ببرهان الصديقين ، إن إفتقار الممكن الوجود لعلة ذاتية يقتضي علة واجبة وهي علة الواجب الوجود .
المغالطة الخامسة : وفي موضوع الكثرة والواحد يتناقض إبن سينا مع ذاته ، فالواحد يستحيل عليه أن ينتج الكثرة ، لذلك ذهب إبن سينا إن واجب الوجود ( واحد ) يفيض عنه العقل الفعال الأول وهو واحد أيضاٌ ، ثم عنه يفيض الثاني وهو واحد ، إلى أن نبلغ العاشر وهو واحد ، ثم عنه تفيض الكثرة ، الممكن الوجود ، وهكذا فما حاول إبن سينا أن يتفاداه أرتكبه ، فالكثرة فاضت أو نتجت عن الواحد في العقل الفعال العاشر .
المغالطة السادسة : في موضوع الواجب الوجود والممكن الوجود والعقول المفارقة ، فإنها قد فاضت وصدرت عن بعضها بالتسلسل كما رأينا ، لكن هذا الصدور يقتضي ، بالضرورة ، مفهوم التتابع ، إذ من المحال إن يصدر العقل الفعال الثاني عن الأول ما لم يكتمل صدور هذا الأخير عن الواجب الوجود ، ومن المحال إن يفيض العقل الثامن عن السابع قبل أن يكتمل صدور السابع نفسه عن السادس ، وهكذا إما أن نقر بالتتالي والتتابع أو أن نرفضه ، في الحالة الأولى يصبح مفهوم الفيض لاتزامنياٌ وحادثاٌ وبالتالي ينتفي مفهوم الفيض بالمعنى الحقيقي الموضوعي له ، ويكتسب هذا الحادث مفهوم الحدث ، الحدث الإرادي ، الرغبوي ، الغائي ، وفي الحالة الثانية يصبح الفيض أو الصدور جزءاٌ أنطولوجياٌ من واجب الوجود ، وبالتالي هو يصبح منه ، هو يصبح هو ، أي هو هو ، أي إن الكل يصبح واجباٌ للوجود ، وهذا لن يقبل به إبن سينا البته .
المغالطة السابعة : في موضوع القدم ، فإن الواجب الوجود وكل ما فاض أو صدر عنه ، حتى العقل العاشر وحتى الممكن الوجود ، قد أصبح مثله قديماٌ ، وإذا لم يكن كذلك فسنكون إزاء مفهوم الخلق والخالق والمخلوق وحينها لاضرورة أبدأ لمفهوم الفيض ، وإذا أصبح الممكن الوجود قديماٌ مثل الواجب الوجود فإن الموازنة التي إعتمد عليها إبن سينا تمسي مجرد هراء متهافت ، ويفقد ما سمي جهلاٌ ببرهان الصديقين قاعدته الأساسية في البناء ، وبالتالي يتهافت هذا البرهان ويهوي . وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة والثمانين .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول