التضخم النقدي في مصر

احمد البهائي
2019 / 11 / 5

أعلن الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء، تراجع التضخم السنوي لأسعار المستهلكين بالمدن المصرية إلى 4.8 % في سبتمبر2019، من 7.5 % في أغسطس من نفس العام ، مسجلا أدنى مستوياته تقريبا منذ ديسمبر 2012، عندما بلغ 4.7 % ، وهذا ما أكده البنك المركزي المصري.
اتعجب ممن يصرحون ان التضخم في مصر يواصل مساره النزولي ، لكن عندما تهبط للأسواق وتطلع على الاسعار تلاحظ عكس ذلك تماما ، ما يزيد التعجب ان نفس الاشخاص هم من يصرحون بان ميزان المدفوعات الكلي حقق عجزا في النصف الاول من العام المالي الحالي قيمته 1.7مليار دولار، وميزان المعاملات الجارية حقق عجزا بقيمة 8.2 مليار دولار، لنتساءل : كيف يحدث إنخفاض في التضخم بهذا الشكل الهبوطي كما يقولون مع حدوث عجز متوالي في ميزان المدفوعات !! ؟، جميعنا نعلم أن وجود زيادة في حجم الطلب الكلي على السلع والخدمات عن العرض الحقيقي منها، يـؤدي إلـى اخـتلال توازن في ميزان المدفوعات، حيث أن الزيادة في حجم الطلب الكلي على السلع والخدمات عن العرض الحقيقـي منها، تعد نتيجة للزيادة في حجم السيولة بنسبة أكبر من الزيادة في نمو كمية السلع والخـدمات فـي الاقتصاد ، إذاً ، كيف واصل التضخم مسلسل هبوطه على اساس سنوي ، وبناءً عليه تم إتخاذ قرار بخفض اسعار الفائدة !؟.

مر بالفعل ثلاث سنوات على برنامج الإصلاح الإقتصاي ، الذي فرض على مصر من قبل صندوق النقد الدولي، وذلك من أجل الحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، إلا ان البرنامج فشل فشلا ذريعا في علاج الإختلالات الهيكلية التي يعاني منها بنيان الاقتصاد القومي ، فالإقتصاد المصري مازال يعاني من إختلالات هيكلية ودورها في تغذية الضغوط التضخمية ، وعلى رأسها الإختلال الناجم عن الزيادة في حجم السيولة المحلية ، وارتفاع نسبة النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي إلى إجمالي السيولة المحلية، حيث تؤدي الزيادة في كمية النقود في الاقتصاد بنسبة تفوق الزيادة في الناتج المحلي الحقيقي إلـى حـدوث ارتفاع في مستويات الأسعار المحلية ، وذلك نتيجة لاختلال علاقة التوازن بين تيار الإنفاق النقدي والتيار السلعي، مما يؤدي الى فائض طلب نتيجة الزيادة في حجم الطلب الكلي على السلع والخدمات بنسبة تفـوق مقـدرة العرض الحقيقي منها، مما يدفع بالأسعار نحو الارتفاع .
يمتاز التضخم الذي تعاني منه مصر بتعدد أنواعه (تضخم الطلب ،التضخم الرأسمالي،التضخم الربحي،تضخم نفقات الإنتاج ، تضخم الأرصدة النقدية ، تضخم النقود المصرفية ،التضخم النقدي ) ، كذلك بأنه تضخم مركب ، وما يزيد التميز ، أن تلك الأنواع من التضخم تشترك في خاصية واحدة ، وهي عجز النقود عن أداء وظائفها أداء كاملا ، ورغم ما قيل عن نجاح السلطة النقدية المصرية في معالجة التضخم ، إلا أنها لم تصل بعد الى معالجة نوعه الأصعب وهو التضخم " النقدي " الراجع في الاساس إلى الإفراط في إصدار النقود ، التي ينتج عنها زيادة كمية النقود في الاقتصاد عن تلك النسبة التي يرغب الأفراد الاحتفاظ بها في صورة نقديـة ، وبالتالي يصبح هناك فائض فـي المعـروض النقدي .
حيث يمكن معرفة ذلك من خلال إستخدام معيار" الإفراط النقدي " لقياس الفجوة التضخمية ، وحساب كمية النقود الزائدة عن المستوى الأمثل اللازمة للمحافظـة علـى ثبات مستويات الاسعار، ولتطبيق ذلك على سنة مالية ولتكن 2018 يمكن التأكد من ذلك إعتمادا على بيانات البنك الدولي والارقام مقدرة بتريليون جنيه، يمكن معرفة ان كمية النقود المثلى لعام 2018 ليست 3.63 تريليون جنيه ، بل هي 2.98 تريليون جنيه ( وذلك من خـلال حاصل ضرب متوسط نصيب وحدة الناتج من كمية النقود المتداولة 0.81756 في إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الثابتة 3.65 تريليون جنيه ، حيـث يـتم حساب هذا المتوسط من خلال قسمة إجمالي السيولة المحلية لعام2018 المعلن عنها 3.63 تريليون جنيه،على الناتج المحلي الإجمـالي بالأسـعار الجارية لنفس العام تريليون جنيه4.44 ) ، والتي تعد ضروريةً لتحقيق الاستقرار في مستويات الأسعار، اي ان حجم الإفراط النقدي يساوي 0.650 ( وهو محصلة طرح كمية النقود المتلى 2.98 تريليون جنيه من إجمالي السيولة المحلية 3.63 تريليون جنيه )، هذا يعكس مدى إفراط السلطات النقدية في حجم إصداراتها النقدية، مما ساهم في دفع مستويات الأسعار المحلية نحو الارتفاع ، وهذا ما تبينه نسبة الإفراط النقدي خلال 2018 التي كانت 17.6% (حاصل قسمة حجم الإفراط النقدي على الناتج المحلي بالاسعار الثابتة مضروب في مائة)، مما يؤكد الدور الذي مارسته الزيادة في حجم السولة المحلية في تغذية الضغوط التضخمية في الاقتصاد ، وحدوث ارتفاعات متوالية في مستويات الأسعار المحلية، بحيث يمثل حجم الإفراط النقـدي هنا قـوة شرائية زائدة في السوق لا يقابلها زيادة في حجم العرض الحقيقي من السلع والخدمات ، مما تؤدي الى إرتفاع في الاسعار المحلية ، فما بالكم من حجم الإفراط النقدي لعام 2019 ،خاصة إذا علمنا ان حجم السيولة المحلية 3.90 تريليون جنية ،أي بزيادة قدرها 12% .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا