الموت كأس

محمد أبوالفضل
2019 / 11 / 1

قال الشاعر :
فكم من صحيح مات من غير علة

وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

الموت كأس والكل شاربه ... فالموت لا يفرق ولا يعرف صغيرا ولا كبيرا، لا يفرق ولا يعرف غنيا ولا فقيرا بل الجميع سيتجرع كأسه والجميع إلى فناء وسيذهب ومعه عمله فقط ، ولن تبقى إلا السيرة الحسنة الطيبه ، ومن يظن أنه مخلد فيها فهو مجنون، لأن الخلود لله وحده سبحانه وتعالى
" لمن الملك اليوم لله الواحد القهار "

حديث الموت هو جملة قالها ابن غني جداةلأمه مزحا وهي لم تمزح ردا على كلامه ، قال لها أمى موتي حتى أرثك، فنظرت إليه الأم وصمتت قليلا ثم قالت الموت لا يفرق بين المريض والمعفى ولا يعرف صغيرا ولا كبيرا يا بني، أي قد تموت أنت قبلي وأنا التى أرثك!

مما لا شك فيه أن هذه الأم قالت كلماتها تلك من وراء قلبها فليس هناك أم تتمنى أو تقبل وفاة أبنها فلذة كبدها قبلها، وليس هناك أم تقدر على تحمل موت أبنها قبلها، فالأم أرحم من كل الكائنات البشرية على فلذة كبدها بعد الله سبحانه وتعالى.

وأجمل ما في الموت أننا متساوون الغنى والفقير الملوك والرعيه، نخرج من الدنيا بأسمنا فقط، لا دكتور ولا وجيه ولا مسكين، الجميع سيخرج بأسمه وبلحافه الأبيض، فليس للكفن جيوب كلا ينتظر الحساب، إما جنة أو نار، فينقطع العمل إلا من ثلاث، دعوة خالصة من ولد صالح وعمل طيب وصدقة جارية.

ولكن علينا أن ندرك أن الموت النهائي أفضل ألف مرة من الموت ونحن أحياء، فهناك موت الكرامة والعلاقات الأنسانية والمروءة والأخوة وهناك موت المشاعر والأحاسيس وهناك موت الصداقة وهناك موت القرابة وصلة الأرحام وجميعها موت بطيء وصعب مرير ، ذلك أنك في بعض الأحيان تشتاق للأحياء وهم بعض منك ولا تصلهم، فيما لو كانوا أمواتا أنت مؤمن بأنهم عند رب رحيم كريم.

نتجادل نختلف ونفترق نتبغاض نتحاسد ونقتل بعضنا بعضا ونحن لا نعرف أن العيش بسلام ومحبه مع بعضنا أفضل مليون مرة من الجدال والتباغض والأنقسام ، ولا ندرك كم الحياة ستكون سعيدة مريحه في ظل التعايش مع بعضنا البعض.

نحن لا ندرك ولا نريد أن ندرك بأن النفس البشرية أمارة بالسوء ظالمة لصاحبها ولا تجعله يرتاح إلا إذا أخذته العزة بالإثم، ووأد العلاقات التي بينه وبين أحبابه ويا لمرارة الشعور والألم الذي يعيشه وهو بعيد عمن يحبهم ويحبونه ولكن هذا هو حال الدنيا، بالمقلوب دوما!

كلنا مسافرون والدنيا فانية ولن تدوم لأحد، ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله صل الله عليه وسلم حى وباق مخلد فالموت قادم قادم لا محالة، والعالم فقط، العالم الذي يعرف بنهاية الدنيا هو الذي ينشر السلام والمحبه والمودة والعيش الكريم بين الناس، وهو الذي يبدأ بالكلمة الطيبة الحسنه قبل كلمة السوء.

يحكى عن شيخ المرسلين سيدنا نوح عليه السلام: أنه جاءه ملك الموت ليقبض روحه بعد أكثر من ألف سنة عاشها قبل الطوفان وبعده، فسأله سؤالا : يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ فقال له عليه السلام : كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر......فليرحمنا ويرحمكم الرحمن الرحيم