مفاتيح لفهم طريقة الإستغلال في الأنظمة الريعية

رابح لونيسي
2019 / 10 / 25

ان ظاهرة الإستغلال قديمة قدم البشرية، لكن رغم تنديد الكثير بها، لكن لم يسع إلا القليل من المهتمين بالمسألة إلى تفسير طريقة تتمتها علميا، ونجد ضمن هؤلاء جون جاك روسو الذي حاول تفسير ذلك بظهور الملكية وقول أول إنسان: "أن هذه القطعة من الأرض هي ملكي"، وذلك في كتابه "أصل التفاوت بين الناس" قبل مجيء كارل ماركس بنظرية "فائض القيمة" التي تعد من أهم الإكتشافات في المجال الإقتصادي.
تقول نظرية فائض القيمة لماركس بأن العامل ينتج قيمة معينة من عمله، لكن لا يأخذ إلا جزء ضئيل جدا منها، ويأخذ مالك وسائل الإنتاج أو صاحب العمل كل تلك القيمة من الإنتاج بعد ما يعطي للعامل المنتج جزء ضئيل جدا كي يجدد طاقاته فقط، وسماه ماركس ب"الأجر الحديدي"، وهو ما يؤدي إلى تفاوت طبقي كبير جدا ناتج عن هذا الإستغلال، ولحل هذه المشكلة دعا ماركس إلى إلغاء الملكية نهائيا لأنها سبب الإستغلال وتحويلها إلى ملكية جماعية أو في أيدي العمال المنتجين، ليأخذوا كل قيمة عملهم المتمثل في كل الإنتاج، ويوزعوا الأرباح فيما بينهم بعد ما يخصصون جزء منه لتجديد آلات مصانعهم، فمن هنا جاءت فكرة "لكل إنسان حسب عمله"، أي يأخذ كل ما أنتجه من عمله. فما استغربته أن نفس هذه الفكرة وردت في القرآن الكريم عندما يقول "لكل إنسان ماسعى"، فإن فسرها الجميع بأن لها علاقة بالآخرة، لكن لو قرأنا الآية القرآنية إقتصاديا، فيمكن لهنا فهمها بأن من حق الإنسان أن يعود عليه كل ما أنتجه سعيه وعمله، فنجد توافقا كبيرا بين هذه الآية وهذه المقولة الماركسية.
يشير ماركس أن المالك الإستغلالي أخفى هذه الحقيقة التي اكتشفها عن مستغليهم، ويبرر لهم فقرهم وبؤسهم بعوامل طبيعية ونفسية مثل الكسل، وأن غناه هو يعود إلى نشاطه وذكائه وتفانيه في العمل، ولكي لايجتمع العمال، ويتفقوا ضد الرأسمالي المستغل لهم يلجأ هذا الأخير إلى إثارة الفتن بينهم بتوظيف الطائفية والدين والقوميات والعرقيات وغيرها لدرجة أن أعتبر ماركس أن فكرة القومية هي منتوج رأسمالي لجعل بروليتاريا العالم لاتتحد ضده، ويتقاتلون بإسم هذه الأفكار، ويشاركون في الحروب، ويموتون من أجل مصالح الرأسماليين الذين يتلاعبون بعواطفهم، والتي لاتعود في الأخير إلا لصالح الرأسماليين في إطار صراعاتهم، وهو ما جعل فلاديمير لنين يطالب الجيش القيصري الروسي بعدم المشاركة في الحرب العالمية الأولى لأنهم لاناقة ولاجمل لهم فيها، ونجد نفس الطرح اللنيني لدى الإشتراكي الفرنسي جون جوريس عشية الحرب العالمية الأولى، مما أدى إلى إغتياله بسبب خطورة أفكاره على الرأسماليين في فرنسا بإسم الوطنية الفرنسية والعداء لألمانيا.
ان كان ماركس قد وضح هذه المسألة بالنسبة للعالم الغربي الرأسمالي، إلا أنه لاحظ إختلاف في نمط الإنتاج في المناطق الأخرى كالعالم الإسلامي مثلا، فحاول الخروج من المأزق بطرح فكرة نمط الإنتاج الأسيوي التي تطرقنا إليها في مقالات سابقة (انظر مقالتنا "ماعلاقة التوسع الرأسمالي بتخلفنا-عودة إلى نظريات التبعية-" في الحوار المتمدن عدد5931 بتاريخ12/07/2018)، لكن مقالتنا هذه ليست خاصة بمناقشة هذه المسألة بقدر ما نحاول فيها فهم مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فهما آخر وتشريح عملية الإستغلال فيها، ففي الحقيقة إقتصاديات وأنظمة هذه المجتمعات هي إقتصاديات وأنظمة ريعية تعتمد في الكثير من الأحيان على الريوع التي تدرها عليها تصديرها للمواد الأولية والطاقة، وعلى رأسها النفط، فهي لاتنتج، وليست مصنعة كي نطبق عليها بشكل عام ووحيد فكرة فائض القيمة لماركس لتفسير عملية الإستغلال، لكن سنطبقها عليها بشكل آخر، ففي الحقيقة لاوجود لفائض قيمة بإستثناء أن الطبقة الحاكمة المستولية على أجهزة الدولة تأخذ الإنتاج العام للمجتمع، وتعطي للمحكومين أجورا حديدية، أي تقوم بعملية سرقتها بواسطة الضرائب والأجور الضعيفة جدا مقابل أجور عالية ونهب وسلب من موارد النفط من الطبقة الحاكمة حسب سلمها ودرجتها وأهميتها في أجهزة الدولة، ففي الأنظمة الريعية يتم توزيع الريع بشكل هرمي، فإن كان الريع مرتفعا يتم رفعه سواء في القمة أو القاعدة، لكن إن أنخفض ينعدم تماما في القاعدة، أي عند الطبقات الشعبية، ويتم تعويضهم بالحريات والكلام الفارغ مع رشوة بعض المثقفين والإعلاميين وقيادات الأحزاب والتنظيمات النقابية لإسكات أعضائها وعموم الشعب المستغل بأكاذيب ومراوغات سياسية مقابل مشاركة هؤلاء المخادعين في الريع بنسب متفاوتة وحسب قيمة الخدمات التي يقدمونها للأنظمة الريعية، ولهذا نجد أغلب ما يسمى بالطبقة السياسية سواء معارضة أو غيرها تقف ضد أي تغيير جذري للأنظمة، لأنها حتى هي مستفيدة من الريع.
يتبين لنا مما سبق أن المجتمعات الريعية منقسمة إلى طبقتين كبيرتين وهما: الطبقة الحاكمة بمستويات متفاوتة، لكنها مستفيدة من الريع بشكل كبير، لكنه متفاوت حسب المكانة في أجهزة الدولة مقابل الطبقة العامة أو الشعبية التي لاتستفيد منه إلا فتاتا، لكن كي لاتثور الطبقة الشعبية على الطبقة الحاكمة، ويتواصل الإستغلال تلجأ هذه الطبقة الحاكمة إلى إثارة صراعات أيديولوجية وهوياتية ودينية وقبلية وجهوية في صفوفها كي تبقى منقسمة فيما بينها، وتنسى مستغلها الحقيقي ومن وراء بؤسها ومآسيها، أي تقوم بنفس ما يفعله الرأسمالي في الغرب مع العمال الذين يستغلهم، كما تمن الطبقة الحاكمة على المحكومة بأنها بنت لها مستشفيات ومدارس وطرقات وغيرها، وكأن ثروات الشعب هي ملك للطبقة الحاكمة، وتتناسى الطبقات الشعبية أن أغلب تلك المشاريع الضخمة تنهب منها الطبقات الحاكمة أضعافا مضاعفة بحكم تزوير فاتورات الإنجاز، أي هي وسيلة للنهب تحت غطاء خدمة المجتمع، ولولا ذلك النهب لما قامت بتلك المشاريع.
كما تلجأ الأنظمة الريعية للحفاظ على نهب ثروات الشعب إلى رشوة الغرب الرأسمالي بإعطائه أسواقا وثروات ومناطق للإستثمار في الصناعات الإستخراجية فقط كالنفط مثلا، وبتعبير آخر تحقق الأنظمة الريعية للدول الرأسمالية نفس أهداف الإستعمار الأوروبي التقليدي الذي ظهر حسب البريطاني هوبسن الذي قال في كتابه "في الإستعمار" في 1902 بأن من أهداف الإستعمار الأوروبي الحديث هو ضمان المواد الأولية ومناطق للإستثمار وأسواق واسعة لسلعها، وهو نفس ماذهب إليه لنين في كتابه "الإستعمار أعلى مراحل الرأسمالية" مستندا على كل من هوبسن والنمساوي رودولف هيلفيردنغ بكتابه "الرأسمال المالي".
أما بشأن توسيع الأسواق يدفع الغرب الرأسمالي الأنظمة الريعية إلى تفشي الفساد بهدف خلق طبقة الكمبرادور، أي طبقة في حوزتها أموالا كبيرة أخذتها بأساليب خفية للنهب والسلب والتوزيع الكبير للريوع عليها كي يتحول هؤلاء إلى مجرد وكلاء لتسويق سلع الرأسمالية الغربية في بلدانهم، وتربطها بقوى الرأسمالية الكبرى، فتصبح في خدمتها ضد أوطانها بسبب مصالحها الخاصة، فتتفشى البطالة في المجتمع لأنها تقوم بعملية الإستيراد فقط، ولاتستثمر في القطاعات المنتجة التي تخلق الثروة ومناصب العمل.
فحديثنا عن البطالة يدفعنا إلى القاعدة الثانية التي وضعها ماركس، والقائل بأن ملاك وسائل الإنتاج في الغرب يخلقون البطالة بهدف خلق ماسماه ب"الجيش الإحتياطي للعمال" الذي يضغط بها مالك وسائل الإنتاج على العمال الذي يهددهم بالتعويض بعمال بطالين إن أشتكوا أو لم يرضوا بأجورهم الزهيدة، فيستسلم هؤلاء المساكين لوضعهم المزري والمذل والإستغلالي البشع، لكن يختلف الوضع في الأنظمة الريعية التي لايمكن لها القيام بنفس مهمة مالك وسائل الإنتاج لأنه لاوجود للإنتاج أصلا، لكن تفشي البطالة بحكم عدم إستثمار الكمبرادور في الإقتصاد المنتج، سيشكل خطرا على النظام الريعي، ولهذا فما يسمى بالجيش الإحتياطي للعمال في الغرب يتم في الأنظمة الريعية بإدخال جزء منه داخل الجيوش والأجهزة الأمنية، وتوزع لهم ريوع صغيرة، ومنها ضمان العمل، فبذلك تتضخم الجيوش وقوات الأمن في هذه البلدان، فمثلا السعودية تضم أكبر الجيوش والأسلحة، وهي غير قادرة حتى على الدفاع عن آراضيها، فلماذا؟، الهدف من ذلك هو خلق قاعدة إجتماعية للنظام الريعي يتشكل من عدد ضخم كبير من القوات العسكرية والأمنية التي تفرض عليها القوانين الإنضباط وعدم التمرد، وإلا ستتعرض للإعدام بتهمة الهروب من الخدمة وغيرها من القوانين التي تحمي الأنظمة الريعية، مما يسمح لها بمواصلة إستغلال الطبقات الشعبية بنفس الطريقة التي يستغل بها الرأسمالي مالك وسائل الإنتاج في الغرب عماله، والذي يستدعي قوات الأمن أيضا في حلة أي إضراب في معمله في القرن19م، إضافة إلى توظيف هؤلاء في قمع الثائرين من الطبقات الشعبية ضد الطبقة الحاكمة.
لكن يمكن أن يقول البعض مايمنع هذه الأنظمة الريعية من تخفيض الإنفاق الأمني والعسكري بإستثمار الأموال في القطاعات المنتجة، فيخلقون الثروة ومناصب العمل، فيجنبون أي ثورة شعبية ضدهم؟، أن طرح هذا السؤال ينم عن جهل بطبيعة هذه الأنظمة، ومنها أن الطبقة السادئدة فيها ليست طبقة برجوازية لها ذهنية الإستثمار المنتج مثل الطبقة البرجوازية في الغرب الرأسمالي، فهؤلاء الذي نسميهم بالكمبرادور حازوا على الثروات ليس بالعمل بل بالنهب والسلب بحكم سيطرتهم على أجهزة الدولة، وتجدهم يحاربون كل من يحاول الإستثمار في القطاعات المنتجة، أما الطبيعة الثانية فهي أنها أنظمة جاءت كنتاج لتوافق بينها وبين الإستعمار السابق لبلدانهم بهدف تحويل الإستعمار التقليدي إلى إستعمار ناعم يحقق نفس أهداف الإستعمار الأوروبي التقليدي(أي المواد الأولية ومناطق للإستثمار وتوسيع الأسواق)، فأي محاولة للتنصل من ذلك تكون قد فقدت كل دعم من الإستعمار السابق وحلفائه التي نصبت هذه الأنظمة، أما الطبيعة الثالثة فهي أن صناعة الأسلحة تعد من أكثر الصناعات جلبا للأرباح وتوظيفا للعمال في الغرب الرأسمالي، وحتى روسيا، فلهذا إنشاء جيوش ضخمة في الدول ذات الأنظمة الريعية معناه تحريك مصانع الأسلحة في هذه الدول، وإلا فكيف نفسر الإستيراد السعودي الكبير للأسلحة الأمريكية، ونفس الأمر مع شاه إيران في سبعينيات القرن الماضي لدرجة تشجيع أمريكي لرفع أسعار النفط في 1974 إلا كي تتم شراء الأسلحة الأمريكية، خاصة من إيران، وهو ما سماه أول رئيس لجمهورية إيران الأول أبوالحسن بني صدر ب"تدوير الدولار" في تحليله للإقتصاد الإيراني في آواخر عهد الشاه، أي بيع النفط مقابل شراء الأسلحة الأمريكية وسلعها بأمواله.
فبناء على ذلك كله، فإنه من الضروري إن كان ماركس أو لنين قد دعا العمال إلى الإتحاد كي يأخذوا السلطة، فإننا ندعو كل شرائح المجتمع وفئاته المهنية إلى أخذ السلطة كاملة بواسطة ما نسميه برلمان إجتماعي تكون له السلطة الفعلية، وبتعبير آخر بناء نظام سياسي تمثيلي جديد تمثل فيه كل شرائح المجتمع وفئاته المهنية بتحويل النظام الإنتخابي المبني على دوائر إنتخابية محددة على أساس جغرافي(ولايات، عمالات ومحافظات) إلى دوائر إنتخابية مبنية على أساس شرائح المجتمع وفئاته المهنية كي تمثل كلها على عكس الأول الذي يمكن أن تغيب عنه الكثير من الفئات والشرائح المهنية، ويبقى نظامنا السياسي البديل مصالح كل ممثلي الشرائح الإجتماعية والمهنية مرتبطة بمصالح شريحتهم وفئتهم المهنية مع منع أي إمتيازات لهم أو شراء ذممهم من السلطة أو رجال المال بتطبيق مبدأ "من أين لك هذا؟، وتكون من مهام هذا النظام البديل في البداية التوزيع العادل للريع كخطوة أولى قبل ان تصدر قوانين وآليات تفرض على أصحاب الأموال الإستثمار في القطاعات المنتجة بهدف خلق الثروة ومناصب الشغل، وهو ما من شأنه فك الإرتباط نهائيا بالرأسمالية العالمية، فتخرج دولنا من أنظمة ريعية إستغلالية تتحكم فيها مجموعة صغيرة من الإستغلاليين بشعارات شتى، والتي حولت أجهزة الدولة في خدمتها على حساب الشعب إلى أنظمة يسيطر عليها كل المجتمع بكل شرائحه وفئاته المهنية، وتكون أجهزة الدولة في خدمة المجتمع كله دون أي إستثناء(أنظر مقالتنا:"ضرورة تحويل الكمبرادور على الإستثمار المنتج" في الحوار المتمدن عدد6000 بتاريخ21/09/2018، وكذلك مقالتنا: "أسس جديدة لدولة ديمقراطية وإجتماعية-من أجل نظام سياسي بديل-" عدد4504بتاريخ12/06/2014 ) .