كيف التَعامل بين اليساريين والإسلاميين؟

عبد الرحمان النوضة
2019 / 10 / 25

قبل تحديد التعامل المطلوب بين اليساريين والإسلاميين، لِنَبْدَأ بتحديد الأُسُـس العَامَّة لِتَعَاوُن اليساريين مع أيّة قوّة سياسية أخرى. وأُسَمِّيها: «الشُرُوط العامّة لِتَعَاوُن الأحزاب اليسارية مع أيّ حزب سياسي غير يساري». وأبرز هذه الأسـس، الالتزام المكتوب، والرَّسمي، والعَمَلِي، بالمبادئ الأساسية التالية: «الديموقراطية»، و«حقوق الإنسان» كما هي مُتَعَارَف عليها عَالَمِيًّا، و«الفصل بين الدِّين والدولة»، و«الفصل بين الدِّين والسياسة»، و«الفصل بين القانون والشريعة الإسلامية»، و«حُرِّيَة العَقِيدَة»، و«حُرّية العِبَادَة»، و«حُرّية عدم العِبَادَة»، و«التَسْوِيَة بين الأُنْثَى والمُذَكَّر»، و«الدِّفَاع عن الاستقلال الوطني»، و«مناهضة التَبَعِيَة للإمبريالية»، و«مُعارضة النظام السياسي» المَخْزَنِي الاستبدادي والفاسد، و«العَدَالَة المُجتمعية»، و«مُكافحة الرأسمالية المُتَوَحِّشَة»، و«صِيَّانَة البِيئَة». فَكُلّ قوّة سياسية تـلتزم بهذه المبادئ، يُمكن أن يُرَحِّب بها اليساريون، وأن يقبلوا التَـقَرُّبَ منها، أو التعاون معها، أو التنسيق معها، أو خوض النضالات الجماهيرية المُشتركة معها، وربما حتّى الانخراط معها في تحالف سياسي. وكلّ قوة سياسية ترفض الالتزام بهذه المبادئ، يَتَوَجَّبُ فَوْرًا على اليساريين أن يحذروا منها، وأن يَرْفُضُوا التعاون أو التحالف معها.
وسبق لعبد الله الحريف (وهو من قيادة "حزب النهج") أن دافع عن أطروحة التعاون مع "حزب العدل والإحسان" (الإسلامي الأصولي) بِدَعْوَى أن أعضاء هذا الحزب «إسلاميون مُتَنَوِّرُون». وبالنسبة لي، وفي إطار تَدْقِيق الأمور، لَا يَصِحُّ أن نَعْتَبِرَ أيّ شخص إسلامي أصولي «مُتَنَـوِّرًا»، إلَّا إذا اِلْتَزَمَ بالمبادئ المذكورة سابقًا. أَمَّا إذا رفض الالتزام بتلك المبادئ، فإن «تَنَوُّرَه» سَيَبْـقَى بَاطِلًا، أو مُزَيَّفًا، أو كَاذِبًا.
وكتب عبد الله الحريف: «أليس دورنا، في مجتمع مسلم، [هو] أن نناقش مع الحركات الإسلامية التي تناضل في الساحة، وتبدي استعدادا للحوار، ولا تعادينا، بعيدا عن شيطنتها واستعدائها». وعلى خلاف رأي الحريف، ورغم أن مُجتمعنا مُسْلِم، فإن دور القوى التَـقَدُّمِيَة والثورية هو، أَوَّلًا وقبل كلّ شيء، نَـقْد الفكر الإسلامي الأصولي، وليس مُهَادَنَتُه، أو الاِسْتِسْلَام له، أو التعايش معه بشكل خَاضِع، أو مُسَايِر، أو فَاتِر، أو لَا مُبَالٍ.
ولا يمكن لقوى اليسار أن تَنْمُوَ بشكل مُوَازٍ لِنُمُوّ قوى الإسلام الأصولي، في إطار نوع مِن التَسَاكُن، أو من المُهَادَنَة، أو من المُسَايَرَة الفَاتِرَة، أو مِن التعايُش الـلَّامُبَالِي. على خلاف ذلك، يستحيل أن يَدُوم نوع من التَوَازُن المِثَالِي بين قوى اليسار والقوى الإسلامية الأصولية. كما لا يمكن لقوى اليسار أن تَنْمُوَ بشكل مُتَسَاوٍ مع قوى الإسلام الأصولي. بل الحلّ الوحيد المقبول هو أن يكون نُمُوُّ قِوى اليسار على حِسَاب القِوَى الإسلامية الأصولية. وما تحتاجه قوى اليسار، ليس هو التعايش المُهادِن للفكر السياسي الرّجعي، المُغَلَّف بالإسلام الأصولي، وإنما المطلوب هو نـقده، والتَصَارُع معه، بهدف هَزْمِه، وتَجَاوُزِه. وتَكْمُن مصلحة الشعب في غَلَبَة العَقْل على النَّـقْل، وفي انتصار الديمقراطية على الاستبداد المُتَخَـفِّي في لِبَاس دِينِي، حتّى وَلَوْ كان جُزء من الشعب لَا يُدرك بَعْدُ مصالحه الحقيقية.
وحِينَمَا تُرَوِّجُ الأحزاب الإسلامية الأصولية أفكارًا خاطئة، فإن هدفها هو التَلَاعُب بالجماهير الشعبية، والمُنَاوَرَة بها، لإدامة خُضوعها، ولِتَسْهِيل استغلالها. ومن بين أَدْوَار الثوريين، نَـقْد كلّ الأفكار الخاطئة، وفضحها، ونشر الأفكار الثورية البَديلة. والنَـقْد العَقْلَاني هو صِنْـفٌ من بين أصناف المساهمة في تهييئ الثورة المُجتمعية، وخوضها، وإنجاحها. وكُلَّمَا زَعَم إسلاميون أصوليون مثلًا أن الأَرْزَاق، أو الفَوَارِق الطبقية، هي «قَدَرٌ إِلَهِيّ مَحْتُوم»، غَدَى فَوْرًا واجب الثوريين، أن يشرحوا للجماهير: أن حياة الأفراد والشعوب ليست قَدَرًا مَكتوبًا بشكل مُسْبَق؛ وأن الإله لَا يتدخّل في شؤون المُجتمع؛ وأن البشر هم وحدهم مَنْ يُنْتِجُون مُجتمعهم، وهم وحدهم صَانِعُو تاريخهم، سَوَاءً كانت أفعالهم وَاعِيَة أم غَافِلَة، إِيجَابِيَة أم سَلْبِيَة.
وعندما تكون الأحزاب الإسلامية الأصولية، في مُجتمع مُسْلم مُحَدَّد، أقوى من أحزاب اليسار، أو تحظى بأعداد أكبر من الأعضاء، أو الأنصار، فهذه الظاهرة تعني أن الفكر الدِّينِي المُحافظ هو الذي غَلَبَ الفكرَ التَـقَدُّمِيّ (أو الديموقراطي، أو الثوري، أو الاشتراكي). كما تعني هذه الظاهرة، أن البِنْيَة الفَوْقِيَة القائمة في هذا المُجتمع، تُعوق نُمُوَ القوى السياسية التقدّمية (أو الثورية، أو الديمقراطية، أو الاشتراكية). وفي هذه الحالة، تَبْرُزُ مُهِمَّةٌ مِن بين المهام المُلْقَاة على عاتق الثوريين، وهي القيام بأعمال فكرية، أو بِحملات تَثْـقِيفِيَة، لِنَـقد الفكر السياسي المُحافظ، سواءً كان مُغَلَّـفًا بِفِكْر «اللِّيبِيرَالِيَة الرأسمالية»، أم بِـفِكْر الإسلام الأصولي. وهدف هذه الحَمَلَات التَـثْـقِيـفِيَة، هو تَعْوِيضِ الفكر الإسلامي الأصولي بِفكر سياسي عَقْلَاني، وتـقدّمي، وديمقراطي، وثوري.
وبدلًا من أن تتحالف أحزاب يسارية مع أحزاب إسلامية أصولية، وبدلَا من أن يُهَادِنَ الفكرُ الثوريُّ الفكرَ المُحافظَ، المُغَلَّف بالإسلام الأصولي، يجب نَـقد هذا الفكر السياسي الإسلامي، وفضح طبيعته الرجعية، وَتِبْيَان أنه يُؤَدِّي حَتْمًا إلى الرِّدَّة، ثم التَخَلُّف، ثم الاِنْحِطَاط، ثم الحَرب الأهلية. ومهمّة الثوريين هي نقد وفضح الأفكار الخاطئة، أو المُغَلِّطَة، أو المِثَالِيَة. وتجب المُساهمة في تهيئ شروط تغيير المُجتمع، بهدف إنجاز الطموحات التحرّرية. وبدون تَـقْلِيص، ثم هَزْم، تأثير الفكر الإسلامي الأصولي، سَيَصْعُب على القوى الثورية أن تنشأ، أو أن تَتَـقَوَّى، فَبِالْأَحْرَى أن تَنْجَح.
ومِيزَةُ الفكر الديموقراطي، أو الثوري، أو الاشتراكي، هي مُيُولُه إلى خوض الصِّراع المُتَوَاصِل ضدّ الفكر السياسي الإسلامي الأصولي. ومِيزَةُ الأحزاب الديموقراطية الحَـقَّة، أو الثورية، أو الاشتراكية، هي مُيُولُها إلى خَوض الصِّراع ضدّ الأحزاب الإسلامية الأصولية. وبدون هذا الصراع الفكري، يستحيل على أحزاب اليسار، (التي هي حاليا ضعيفة)، أن تتحوّل إلى أحزاب قويّة. وبِفَضْل هذا الصراع الفكري، سَتَتَحَوَّل الأحزاب الإسلامية الأصولية (التي هي حاليا قوية)، إلى أحزاب ضعيفة.
وهل رَفْضُ اليَساريين «لِلتَعَاوُن»، أو «لِلتحالف»، مع الإسلاميين الأصوليين يَعني، أو يُبرر، القَطِيعَةَ التَامَّةَ فيما بينهم، إلى درجة رفض حتّى الكلام فيما بينهم؟ الجواب هو لَا. لأن كِلَا الطَرَفَين (اليساريين والإسلاميين الأصوليين) يحتاجان بالضرورة، في إطار تنافسهما، أو تصارعهما السياسي، إلى حَدًٍ أدنى من الكلام، أو من التواصل، فيما بينهما. وغاية هذا الحد الأدنى من التواصل، ليست هي البحث عن إمكانية عَقْدَ «تحالف» سياسي فيما بينهم، بل الهدف هو فقط تمكين كل طرف من اكتشاف عَالَمِ الطَّرَف الخَصْم، وتَجَنَّب حمل أفكار مُسْبَـقَة (préjugés) وخَاطِئَة حَوله. ومن واجب كل طرف، في هذا الصراع السياسي، أن يَتَوَخَّى المَعرفة الدَّقِيقَة لِآرَاء خَصمه. كما يحتاج إلى إدراك مشاريعه السياسية. ويتوجّب على كِلَا الطرفين أن يَتَـلَافَيَا سُوءَ التفاهم فيما بينهما. كما يجب على كِلَا الطرفين الحِرْصَ على تَجَنُّب الصِّدَامَات العَـفْوِيَة والعنيفة فيما بينهما. لأن هذه الصّدامات العنيفة، تُعَمِّق سُوء التفاهم، وتَشْحَنُ العَدَاوَة المُسْبَـقَة، ولَا تَحُلّ أيّ مشكل. ولَا تُـفِيد، لَا اليساريين، ولَا الإسلاميين الأصوليين. فَالغَايَة، ليست هي مُحَاربة الأشخاص الإسلاميين الأصوليين، ولَا هي القضاء عليهم كأشخاص، وإنما الغاية هي فقط نَـقْد أطروحاتهم المتخلّفة، وهَزْم أفكارهم الرِّجْعِيَة، أو المُضِرَّة بالمجتمع، وتعويضها بأفكار تَـقَدُّمِيَة، بِـهَدَف المُساهمة في تحويل الأشخاص الإسلاميين الأصوليين، هم أنفسهم، إلى مواطنين ديمقراطيين ومتضامنين. الشيء الذي قد يتطلّب جِيلًا أو جِيلَيْن. والوسيلة السَّلِيمَة التي يجب على كِلَا الطرفين (اليساريين والإسلاميين الأصوليين) أن يَلْتَزِمَان بِاستعمالها في صراعهما المُتبادل، ليست هي مَنطق القُوَّة، وإنما هي قُوَّة المَنطق. ويجب على كِلَا الطرفين (اليساريين والإسلاميين الأصوليين) أن يلتزمان بمشروعية اختلاف المواطنين في الأفكار، وأن يَتَـقَيَّدَان بالطُّرُق السِّلْمِيَة لِمُعَالَجَة المشاكل، وبضرورة الاِحْتِكَام إلى الشعب الحُر والمستقل. ومن واجب كِلَا الطرفين أن يَتَـقَيَّدَان بهذه الحُدُود الحضارية. وينبغي على الإسلاميين الأصوليين خُصُوصًا، أن يَتَحَرَّرُوا نِهَائِيًّا مِن مُيُولِهم إلى الكلام باسم الله، وإلى استعمال أساليب التَعَالِي، والغُرُور، و«التَكْـفِير»، و«الإِرْهَاب».
أمَّا إذا فَضَّلَ الإسلاميون الأصوليون البقاء في غُرُورِهِم، وإذا أَصَرُّوا على استعمال «التَـكْفِير»، و«الإِرْهَاب»، و«الجِهَاد»، و«العُنْف المُـقَدَّس»، واغتيال المعارضين، فإنهم سَيَجُرُّون حَتْمًا مُجْمَل المُجتمع إلى حرب أهلية عَمْيَاء، ومتوحّشة، وقَاتِلَة. وَلْيَعْلَم جَيِّدًا الإسلاميون الأصوليون، أن شعب التقدّميين والديموقراطيين واليساريين، لن يقبل أبدًا، ومهما كان الثمن، فرضَ «الشريعة الإسلامية» المُتخلّفة على المُجتمع، سواء كان ذلك بواسطة «العنف المقدّس»، أم بواسطة الانتخابات والبرلمان. وإذا أراد الإسلاميون الأصوليون أن نُعِيد إنتاج الحروب الأهلية التي وقعت في بلدان أوروبا خلال القرون الوُسطى، فَلْيَتَحَمَّلُوا كامل مسؤولياتهم. وَلْيَعْلَم الإسلاميون الأصوليون، أن «الدولة الإسلامية الوَهَّابِيَة»، أو «الطَالِبَانِيَة»، أو «الدَّاعِشِيَة»، لن تتحقّق أبدًا. ولو أدّى ذلك إلى حرب أهلية طاحنة. وعندما سيكتشف أكثر الإسلاميين الأصوليين عَقْلًا أن الحرب الأهلية لا تـقدر على حلّ مشاكل المجتمع، وعندما سيريدون إيقافها، فإن الأَوَانَ سيكون قد فَاتَ، لأن معظم مُكَوِّنَات المُجتمع ستكون قد اِحْتَرَقَت، وَتَخَرَّبَت، ولم يبق منها سوى أطلال لَا تصلح لِشَيْء. وسيكون الإسلاميون الأصوليون، في آخر المطاف، إن بقوا على قيد الحياة، أو إن لم يُهاجروا، سيكونون مُرغمين على القبول بالفصل بين الدّين والدولة، وبحرّية العبادة، وبحرّية عدم العبادة. وسيصبح آنذاك واجب المواطنين النَاجِين من الحرب الأهلية هو إعادة بناء المُجتمع، انطلاقًا من الصِّفْر، مثلما حدث، مع الأسف، في لُبنان (بين سنتي 1975 و 1990)، وفي الصُّومَال (بين سنتي 1978 و 2019)، وفي السُّودان (بين سنتي 1955 و 1972، ثم بين سنتي 1983 و 2005)، وفي الجزائر (بين سنتي 1991 و 2002)، وفي سُوريا (بين سنتي 2012 و 2019)، وفي اليمن (بين سنتي 2014 و 2019)، إلى آخره.
ولِتَلَافي السُّقُوط في فَخِّ «فَرِّق تَسُود»، ولِتَفَادِي تَضْيِيع الطَّاقات في تَـقَاتُل هَامِشِي وغير مُفِيد، يُصبح من واجب كِلَا الطَرَفَيْن (اليساريين والإسلاميين الأصوليين)، العمل على تَلَافَى أَيِّ منهج يُؤَدِّي إلى تَأْجِيج العداوة فيما بينهم، أو يَسُوقُ إلى تصعيد الصِّدَامَات العنيفة فيما بينهم. فَلَا بُدَّ إِذَن من حَدٍّ أَدْنَى من «الدّيموقراطية» في التدبير المَدَنِي، أو الحَضَرِي، للخلافات، عبر الاحترام المتبادل، والحوار الهادئ، والتشاور الاحتياطي، والعمل بقواعد العمل السياسي الديمقراطي، والأساليب السِّلْمِيَة المتحضرة. «»
وعلى عكس بعض تصوّرات "حزب النهج" اليساري، فإن النضال من أجل «الديموقراطية»، لن يكون عبر «التَـقَرُّب» من الأحزاب الإسلامية الأصولية، أو عبر «مُهَادَنَتِها»، أو «التعاون» معها، أو «التحالف» معها، وإنما سيكون أَوَّلًا عبر خَوْض الصراع الفكري السِّلًمِي ضدّ فِكْر مُجمل هذه القوى الإسلامية الأصولية! لأن «الديموقراطية» هي من بين أهم القضايا التي تختلف حولها أحزاب اليسار مع القوى الإسلامية الأصولية.
والأشخاص المُدَافِعُون عن أُطْرُوحة «التعاون»، أو «التحالف»، بين اليساريين والإسلاميين الأصوليين، لَا يُدْرِكُون أن نضالهم من أجل «دَمَـقْرَطَة» (démocratisation) الدولة والمُجتمع، يستحيل أن يَنْجَح، إذا لم يَخُوضُوا، في نفس الوقت، نِضَالًا صَارِمًا، ومتواصلًا، ضِدَّ الفكر الرّجعي للحركات الإسلامية الأصولية.
وإذا بحثنا عَـمَّا أنتجته أحزاب اليسار الأربعة بالمغرب في مجال نَـقْد الأَيْدِيُولُوجِيَة الإسلامية الأصولية، خلال العشرين سنة الأخيرة، فَلَن نَجِدَ شيئًا ذي أهمية (باستثناء قِلَّة قليلة من الكتب والمقالات، من ضِمْنِهَا مَا نشرتُه شخصيًّا(1)).
ولِتَلَافي أيّ سُوء تَـفَاهُم، فإن الدَّعْوَة إلى خوض هذا الصراع الفكري بين اليساريين والإسلاميين الأصوليين، لَا تعني، ولَا تُبرّر، تحويله إلى صدام يحتوي على الكَرَاهِيَة، أو الحِقد، أو العُنف، أو التَـقَاتُل. لأن هذا الصراع ليس صراعًا عَسْكَرِيًّا، أو دِينِيًّا، أو طَائِفِيًّا، بين مَذَاهِبَ دِينية. وليس مواجهةً بين مجموعات دِينية مُختلفة. ولا بين مُتَدَيِّنِين وَغَيْر مُتَدَيِّنِين. وإِنَّمَا هو، في جوهره، صراع فِكْرِيّ وسياسي حول مَشروع المُجتمع البَدِيل. وهو جزء من الصراع الطبقي الجاري في المُجتمع. ولَا يهدف اليسار إلى اِسْتِئْصَال الدِّين من المُجتمع (مثلما تزعم الحركات الإسلامية). بل يُؤَكِّدُ اليسار، ومنذ زمان، أنه يَلتزم، ويضمن، بأن تبقى دائمًا، قضايا الدّين، والإيمان، والعبادة، ضِمْنَ قَائِمَة الحُرّيات الشخصية المُبَاحَة. ويتعهّد اليسار بِدَسْتَرَة «حُرِّيَة العَقِيدة»، و«حرّية العِبَادة»، و«حرّية عدم العبادة»، و«التَسْوِيَة بين الأُنْثَى والمُذَكَّر». وكل شخص يريد أن يكون «إسلاميا أصوليا» في أفكاره الشخصية، وفي أساليبه، خلال حياته كلّها، أو يريد أن يُطبّق «الشريعة الإسلامية» على نفسه، أو يريد أن يَعْبُدَ بطريقة خاصّة به، فذاك حَقٌّ مَكْفُولٌ له، بشرط أن لَا يُحَاوِلَ فرض عقائده الدِّينية على غيره. وبشرط أن لا تكون ممارسته لِلْعِبَادة مُزعجة، أو مُسِيئَة، أو مُضِرَّة، بمواطنين آخرين (مثلما هو الحال في مُشْكِل تَجْرِيم الأكل في رمضان في أماكن عُمُومية؛ وفي مُشكل مُكَبٍّرَات الصوت القوية والمُزْعِجَة، الموجَّهة من داخل المساجد إلى خارجها؛ وفي مشكل ارتداء "النقاب" الذي يخفي الوجه في الأماكن العمومية؛ وفي مشكل لجوء البعض إلى محاولة فرض، وتعميم، الفَصْل بين الجِنْسَيْن؛ وفي مشكل إجبارية تدريس الدِّين الإسلامي في المدارس العُمومية، بدلًا من أن يكون تدريس الدّين اِخْتِيَارِيًّا في مدارس دِينية خُصوصية؛ إلى آخره). وفي مثال «حركة النهضة» الإسلامية في تُونُس، فقد اضطرّت الأطراف المُتطرِّفة في هذه الحركة إلى تَـقْلِيصِ أَطْمَاعِهَا «الوَهَّابِيَة»، أو إلى التَخَلُّص من مُيُولها إلى «الدَّاعِشِيَة». والتطوّر الاِيجابي لِهؤلاء الإسلاميين الأصوليين في تونس، في بعض هذه القضايا، لم يَحْدُثْ نتيجةً للحوار فقط، أو للمُهَادَنَة، أو لِـ «التحالف»، وإنما وَقَعَ على الخُصُوص، نتيجةً للصراع الفكري، وللضغط الجماهيري، ولِتَغيير موازين القوى السياسية.
ولَا يدعُو اليساريون إلى قتل أيّ شخص، ولا إلى تَعْنِيف أي فرد، ولو كان إسلاميا أصوليا رِجْعِيًّا. بل يَحْرُصُ اليساريون على مُمَارسة النَّـقْد السِّلْمِي لأفكار الأَيْدِيُولُوجِيَة الإسلامية الأصولية. ويعمل اليساريون على فضح الطبيعة المُتخلّفة، أو الرِّجعية، لمشاريع القوى الإسلامية الأصولية. وَغَايَةُ اليساريين، ليست هي مُعَادَاة الدِّين، ولَا إلغاءه، ولَا اِسْتِئْصَالُه من المُجتمع، وإنما هي تحرير أكبر قدر ممكن من جماهير الشعب من التأثير السياسي اليَمِينِي، أو المُحافظ، أو الرِّجْعِي، أو المُتَخَلِّف، لِأَيْدِيُولُوجِيَة الحركات الإسلامية الأصولية. ولا يرضى اليساريون بأن تُلْغِيَ بعض جماهير الشعب عُـقُولِهَا نَتِيجَةً لِتَغْلِيبِهَا للمُـقَدَّس. ولا يتحمّل اليساريون بأن تُـفَكِّرَ جماهير الشعب بِـقِيَمِ «المَصِير المَكْتُوب»، أو «دولة الخِلَافَة الإسلامية»، أو «الشَّرِيعَة الإسلامية» المُتَخَلِّفَة، أو «التَكْـفِير»، أو «الجِهَاد العَنِيف»، أو «القَتْل باسم الدُّين». ويُـفَضِّلُ اليساريون بأن تُـفَكِّر جماهير الشعب بِـقِيَم «الاستقلال الوطني»، و«الحُرِّيَة»، و«العَدْل»، و«الدِّيمُوقرَاطية»، و«حقوق الإنسان»، و«المُسَاوَاة»، و«الكَرَامَة»، و«التَضَامُن المُجتمعي»، و«التحرّر من الاستغلال الرأسمالي»، و«الاشتراكية». ولا يقبل اليساريون بأن يُؤَدِّيَ التعايش السّلمي مع الإسلاميين الأصوليين إلى التَـفْرِيط في هذه القِيَم التَـقَدُّمِيَة.
ومِمَّا يُميّز اليساريين عن الإسلاميين، هو أن اليساريين يطلبون من كلّ مواطن، ليس نوعًا من الإيمان، ولَا صِنْفَا من العِبادة، (لأن الإيمان والعبادة يبـقيان شَأْنًا شخصيا)، وإنما يطلب اليساريون من المواطن أن يُشارك في مجهود التكوين الشخصي، وفي مجهود العمل المُنتج، وأن يخضع للقوانين التي تَحْكُمُ التوزيع العادل للثروات المُنْتَجَة جماعياً، وذلك طبقًا لمبادئ الديموقراطية والاشتراكية.
وَيَسْتَدْعِي هذا الصّراع الفكري السِّلمي بين اليساريين والإسلاميين أن نربطه قَدْرَ المُسْتَطَاع بالنضالات الجماهيرية الملموسة، الجارية على أرض الواقع. ونتمنّى أن تهتم مُجمل جماهير المناضلين القاعديين، ومن كِلَا الطرفين المتصارعين، بِتَتَبُّع هذا الصراع الفِكْرِي، والمساهمة فيه. ويدور هذا الصّراع بين أفكار، وليس بين أشخاص أو جماعات. ويجري هذا الصراع حول مَدَى صِحَّة أفكار سياسية، أو حول مَدَى مُلَائَمَة مشاريع مُجتمعية، لِخدمة مصالح الشعب. والفرز بين الأفكار الصحيحة والأفكار الخاطئة، يكون بِقُوَّة المَنْطِق، وليس بمنطق القُوَّة.
وحينما يتعلّق الأمر مثلًا بمظاهرات جماهيرية، أو وَقَـفَات احتجاجية، أو إضرابات مشتركة، إلى آخره، تُنَظِّمُهَا بعض قوى اليسار، وتكون مَـفْتُوحَة لمشاركة عَامّة المواطنين، يمكن أن تظهر الحاجة إلى الكلام فيما بين مناضلين من اليسار مع حَرَكِيِّين إسلاميين أصوليّين، لنقاش وتحديد أشكال مشاركة هذا الطَّرَف أو ذاك. ويحقّ لِمُنَظِّمِي هذه المظاهرة أن يُناقشوا مع القِوَى الإسلامية المعنية (سواءً قبل انعقاد المظاهرة، أم أثناءها)، بعض القضايا، أو الإجراءات، المُتعلّقة بتنظيم المظاهرة. وهدف هذه النقاشات هو تلافي وُقُوع صدامات عفوية، وغير مرغوب فيها، فيما بين مناضلين يساريين وإسلاميين. وهذه التنسيقات الميدانية المعزولة، لا ترقى إلى مستوى تَنْسِيقَات سياسية حول التكتيك، أو ما يشبه التحالف بين القوّتين. وإذا بَادَر مثلًا تنظيم يساري إلى الدَّعْوَة إلى مظاهرة جماهيرية، وقام بالسَهَر على تنظيم تَطَوُّرِهَا، وإذا جاء إلى هذه المظاهرة أشخاص من تنظيم إسلامي أصولي للمشاركة في هذه المظاهرة، وإذا أراد التنظيم الإسلامي استعمال أساليب تُؤدِّي إلى الاستحواذ على هذه المظاهرة، أو تؤدّي إلى ظُهُور هذه المظاهرة كأنها من تنظيم الإسلاميين، أو إذا حاول التنظيم الإسلامي فرض شعارات تتنافى مع طبيعة هذه المُظاهرة وأهدافها الأصلية، فإنه لَا يحقّ في هذه الحالة للتنظيم الإسلامي أن يستوليَ على المظاهرة، أو أن يَخْطِفَهَا، أو أن يُحَرِّف طبيعة هذه المظاهرة. ويصبح من حقّ منظمي المظاهرة اليساريين أن يطردوا منها العناصر المُشَاغِبَة. وفي مثل هذه النضالات الجماهيرية المفتوحة، يمكن للإسلاميين الأصوليين أن يُشاركوا كمواطنين أفراد، لكن ليس كمؤسّـسات حزبية، أو حَرَكِيَّة. ويُمكن لليساريين المُنَظِّمِين للمظاهرة أن يناقشوا مع مسؤولين إسلاميين، سواءً قبل بداية هذه المظاهرة، أو بعد انطلاقها، لِتَنْبِيه الأطراف المُختلفة، وحَثِّها على احترام حَدٍّ أدنى من قواعد الجِوَار، أو التَسَاكُن، أو التعايش السِّلْمِي.
وعلى العموم، يعتبر اليسار الأشخاص الإسلاميين الأصوليين كَمُوَاطِنين يَمِينِيِّين. لكنه لا يُعَادِيهم. ولَا يحمل أيّة كَرَاهية مُسبقة ضدّهم. ولَا يُريد اليسار للإسلاميين الأصوليين أَيَّ ضَرَر. وإنما يَـنْـتَـقِدُ فكرهم المُسْتَلَب. ويَنْتَـقِدُ مشروعهم السياسي الرِّجْعِي. ويتصارع معهم فكريّا وسياسيا. ولَن يترك اليسارُ الإسلاميينَ الأصوليين يُغَالِطُون الجماهير الشعبية بأوهام سياسية تَـضُرُّ المواطنين. ويتمنّى اليسار من الإسلاميين الأصوليين أن يتحلّوا بالتَوَاضُع، وأن يُطَوِّرُوا أفكارهم، وأن يأخذوا بعين الاعتبار ضرورة التزام جميع المواطنين بالحرّيات السياسية، والدِّينية، التي يَسْتَوْجِبُهَا العَيْشُ المُشترك، في مجتمع مُشترك. وهذه المهام (المعروضة سابقًا) ليست مطروحة فقط في مجال التعامل مع الإسلاميين الأصوليين، وإنما هي مطروحة أيضًا في مجال التعامل مع أطراف أخرى، مثل الحركات الأمازيغية.
وقد كتب عبد الله الحريف: «الرفيق نوضة يعتبر أنه لا يمكن القيام بأي عمل مع [حزب] العدل والإحسان والحركة [الإسلامية] الأصولية بشكل عام» (انتهت مقولة الحريف). بل أنا أعتبر أن العمل الواجب القيام به مع التنظيمات الإسلامية الأصولية هو، على الخُصوص، نَـقْد فكرها، وفَضْحُ رِجْعِيَةِ أيديولوجيتها، وإقناع جماهير الشعب بِأَنّ هذا الفكر الإسلامي الأصولي يؤدي حتمًا إلى إلغاء العقل، وإلى تَـقْدِيس الجَهل، وإلى فرض أَسْلَمَة الدولة، وأَسْلَمَة المُجتمع، ويَدْفَع إلى فرض «الشريعة الإسلامية» المُتَخَلِّـفَة، ويَسُوق إلى الاستبداد، ثم إلى الحرب الأهلية، ثم إلى التخريب الشَّامل لِكُلّ المُجتمع. هذا ما أوضحتُه في كتابي «نـقد الشعب». وهو ما أِّكَّدَتْهُ تجارب الكثير من البلدان المُسلمة التي وُجِدَت فيها حركات إسلامية أصولية قوية. ومنها مثلًا بَاكستان، وأفغانستان، وسُوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، ومصر، والسودان، والصومال، وليبيا، وتونس، والجزائر، وشمال مَالِي، وشمال النيجر، وشمال نِيجيريا، إلى آخره. أَلَا تَكْفِيكُم كُلُّ هذه الكَوَارِث والمَآسِي؟
وقد دافع "حزب النهج" اليساري على ضرورة «التَـقَارُب»، أو «التعاون»، أو «التحالف»، مع "حزب العدل والإحسان" الإسلامي الأصولي. لكن مَا ينساه مناضلو "حزب النهج"، هو أن هذا «التَـقَارُب»، أو «التحالف»، سَيُجَرِّدُهُم بالضرورة من حقّ نـقد الأيديولوجية الإسلامية الأصولية. لأنه ما دام مناضلو "حزب النهج" ملتزمين بِـ «التـقارب»، أو «التعاون»، أو «التحالف»، مع "حزب العدل والإحسان" الإسلامي، سَيَحْجِمُون تِلْقَائِيًّا عن نـقد الأيديولوجية الإسلامية الأصولية التي يُرَوِّجُها حُلَفَائُهم في "حزب العدل والإحسان". وذلك على الأقل لِتَـفَادِي إِحْرَاج أصدقائهم الإسلاميين. وإذا بحثنا عن إسهامات "حزب النهج" في ميدان تحليل، ونـقد، الأيديولوجية الإسلامية الأصولية، خلال العِشْرين سنة الماضية، فسيكون من الصّعب العثور على إسهامات مُعَمَّقَة، ومُكْتَمِلَة، وجذرية، وفعّالة. (ويمكن أن نقول كلامًا مُمَاثِلًا عن أحزاب اليسار الثلاثة الأخرى). وإن كنتُ مُخْطِئا، فَلْيُـعَرِّفْنَا الرفيق عبد الله الحريف بِلَائحة هذه الوثائق التي يَنْتَـقِدُ فيها "حزب النهج" (أو أحزاب اليسار الأخرى) الأيديولوجية الإسلامية الأصولية. [وَيُمكن آنَـذاك أن نُـقارن وثائق أحزاب اليسار، الناقدة للأيديولوجية الإسلامية الأصولية، بمضمون النقد الوارد في كتاب "نـقد الشعب". ويمكن أيضًا أن نبحث هل ناضلت فِعْلًا أحزاب اليسار بالمغرب من أجل تَرْوِيج مثل هذه الانتقادات لِلْأَيْدِيُولُوجِيَة الإسلامية الأصولية المنشورة مثلًا في كتاب "نقد الشعب"].
رحمان النوضة.
[ هذا النصّ هو مُقـتـطف من كتاب جديد لِـ : رحمان النوضة، يحمل العنوان: "نقد تعاون اليساريين مع الإسلاميين". وموضوع الكتاب هو: هل تعاون، أو تحالف، أحزاب يسارية، مع أحزاب إسلامية أصولية، مَـقْبُول، أم مَرْفُوض؟ ].
(1) نشر رحمان النوضة نَقْدًا للأيديولوجية الإسلامية الأصولية في كتابه: "نقد الشعب". ونشر أيضًا انتقادات متخصِّصة، مثلًا في كتاب: "العلاقة بين الدّين والقانون"، وفي كتاب: "العلاقة بين الدِّين والجنس". ويمكن تحميل هذه الكتب بالمجان من المُدَوَّنَة: https://LivresChauds.Wordpress.Com.

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي