تشرين الجبار

ساطع هاشم
2019 / 10 / 25

وجدت نفسي هذه الايام وكأني اصرخ من أعماقي عبر رسوم قليلة رسمتها بالحبر نشرتها هنا وهناك، طالباً قليلا من النور، نور الأحرار الجدد القلائل الذين يحاولون ويفشلون، ثم يفشلون ويعودوا يحاولون ان يقودون بلادنا اليوم نحو مملكة الإنسانية المنيرة، للخلاص من رجس الظلاميين أعداء الانسان، الذين خلفهم لنا البعثيون ورائهم وسلطهم علينا المجرم بول بريمر والغزاة الايرانيين، وكأن نضالهم العنيد هذا في دوامة (الخير الذي لا سبيل اليه والشر الذي لا خروج منه -طه حسين).

كم يبدو ذلك العمل صعبا في بيئة أصبح الكتاب والمدرسة بها عدوا، والاصرار على التخلف موقفا، وفي مجتمع تسلطي حقير كل اعلامه بلا ثقافة، ووسائله تغذي بذرة الانحطاط والسطحية والتخلف العقائدي في النفس الانسانية وبلا هوادة يوميا، وتنشأ لنفسها جموع الهمجية والرذيلة والفساد في مهرجانات دينية تحول نفوس الناس وبشكل مدروس ومنظم وعلى مدار الساعة الى وسائل للدمار والخراب، التي هي وباستمرار وقود حروبهم الهمجية والعنصرية تلك التي نعرفها، ويعرفها ابناء هذا الجيل منذ الولادة.

وفي الطرف المقابل يقف هذا العدد الصغير من الثوار الجدد محاولين اعادة الحياة الى مجراها الطبيعي، فتخَيل كم ان هذا العمل مر وقاسي، ويبدو شبه مستحيل هناك، حيث نمت وارتقت غرائز الموت والدمار، وتحولت الى مزارع قضت على كل امل بالرجاء، وتحول مجرى الماء ومجرى الزمن ومجرى التاريخ، فنبتت اخلاق جديدة وعادات جديدة وافكار جديدة، دمرت كل ما للخليقة من نفوس، فلا ذاك الصديق قد بقيَ، ولا تلك النفس الابية قد بقت ولا تلك الربوع الخضراء، ولا، ولا، ولا،
واين نحن الان من كل هذا؟
أنبكي؟ ام ننسى؟
ام نقاوم؟

نعرف كما يعرف الثوار الجدد بان عليهم العيش، والاستمرار، لأنهم انما يسيرون ضمن تيار الانسانية الكبير، وان لهم مؤيدين ولو بصمت وخفية، وسيأتي اليوم الذي يتحول به كفاحهم ضد الخطيئة والشر والجريمة الى نار حامية، تلتهم الطغاة
اقول هذا وكأني استمع الى النداء الذي يخرج من الظلمة الى النور، باحثاً عن الحرية والكرامة الإنسانية الخافية والتي غيبها عن الوعي والحياة الطغاة القدامى والجدد، حيث يرتفع ندائهم مخضبا بالدم من كل ناحية ليسقط كالرعد جهوراً ومدوياً على إسماع كل القتلة وفي مقدمتهم رجال الدين الانجاس واحزابهم ومنظماتهم، أينما حلوا او ارتحلوا.

فالعاصفة التي خيّل للقناصين انها هدأت، تشحن قواها خلسة وعلناً من جديد وستستمر ولا بد لها ان تستمر لمقاومة الظلمة الحالكة التي مازالت أقوى وأعظم من القوى الشابة العزلاء، بعد ان هجعوا مكسورين في الجولة السابقة، واستمروا في هذا الهدوء المظلم يؤدون صلاة الغائب على من فقدوا من اخوتهم وأصدقائهم وأحبتهم، عرفاناً منهم بالتضحية الجسيمة لأولئك الأبرار
هذا العرفان بمثابة صرخة الأمل لهذا الجيل الجديد، الذي شاهد مثل جيلنا نحن مصير أصدقائه ورفاقه وأحبائه وهم يصرخون ملأ حناجرهم ضد الظلم والتعسف والعدوان ويُقتَلون علانية بالمئات، هذه الصرخات هي نفسها ما سمعته ورأيته شخصيا طوال حياتي بينما كنت اصارع وانظر للشموع، واسمع للصرخات الجديدة والمتجددة خلال الأيام الماضية للثوار الجدد منذ الأول من تشرين الجبار.