نعم المصريات يختلفن عن الجارات

محمد حسين يونس
2019 / 10 / 25

كيف تريد أن تغير العالم .. دون أن تغير أفكارك .. أينشتين
الاسد يرقد في كسل بين أعشاب و شجيرات مرج من المروج حوله أشبال تتحرك ، تلهو ، تتعارك ومن بعيد ترى عدد من اللبؤات تراقب الصغار و مهمومه بأمر غير مفهوم .
كنت أراقب الفيلم المعد بواسطة ناشيونال جيوغرافيك مبهورا بقدرة المخرج، المصور و طاقم العمل علي نقل الحياة البرية لنا كما هي .. سرب من حمر الوحش (زيبرا ) يتحرك في المراعي بهدوء .. اللبؤات تزحف في اتجاه القطيع ، لبؤتين خلفه و أخريتين كامنتين بين الاعشاب العالية ترقبان .. الخافيتان تظهران نفسيهما فتجرى الحمر عدا واحدة تتلكأ غير دارية بالخطر .. اللبؤتان تتجهان نحو الحمار اللاهي .. الذى يجرى للحاق بزملاءه ..الحمار يجرى بسرعة و هما تلاحقانه ..من بين الاعشاب العالية تقفز لبؤة علي ساقي الفريسة الخلفيتين والاخرى الي رقبته فيسقط صريعا علي جانبه .. اللبؤات الاربع تقف وتنظر في اتجاه الاسد الذى يقف متكاسلا ينفض عن نفسه ما علق به من أتربة وحشائش ويذهب تجاه الضحية.. اللبؤات تبتعد قليلا يقفز الاسد علي جثة الحمار ينهشه ، يتناول طعامه ببطء و استمتاع سامحا لبعض من الاشبال التي تبعته بمشاركته عندما يشبع يحرك رأسه يمينا و يسارا و يترك المأدبة للبؤات لتتناول طعامها من الضحية التي اصطادتها .
لا أعرف تماما ما اذا كانت جميع الحيوانات تتصرف بهذا الصلف من عدمه .. و لكن أعرف أن الانسان كلما اقترب من البدائية حاكي سلوك ملك الغابة و خليلاته و اشباله .. الانسان عندما كان يعيش في البرارى يجمع الجذور و الثمار و البيض طول اليوم ليكفل حياته و أطفاله كان العبء الأكبر يقع على الأنثى التى ظلت تتحمل ما قدرته لها الطبيعة حتى زمن قريب فى منتصف القرن العشرين عاصرت هذا بنفسى فى ريف مصر .
ذكور خاملة وإناث نشطة تكد وتعمل طول اليوم.. فالفلاحة تستيقظ قبل الفجر تشعل الفرن وتخبز العيش وتملأ الأوانى بالماء وتجهز الافطار وتسقى البهائم وتحلب الجاموسة وتجمع البيض وتصنع الجبنة والقشطة والزبدة وتجهز غذاء الرجل تذهب به اليه فى الغيط ليتناوله وهو جالس تحت التوتة أو الجميزة دون ان تشاركه..
الفلاحة المصرية كانت تكد منذ الفجر حتى ترقد جثة هامدة بعد العشاء ، فيعتليها زوجها يفرغ طاقته بها وهى من التعب لا تدرى أو تتجاوب ، الفلاحة المصرية دائما مشغولة تحمل ، تلد ، ترضع ، تعتنى بالاطفال تعلمهم وتطعمهم وتغسل ملابسهم وتنظفهم وتعدهم لحياة شاقة أخرى .. تعد العشاء وتنظف المصابيح وتملأها بالوقود وتضيئها وتتأكد أن الفرشة نظيفة معدة للنوم ومع ذلك ، كانت فى الأفراح تغنى وترقص وتصفق وتطبل وتزغرد وتجامل وتبعث البهجة بين أصحاب السبوع أو الحنة أو الدخلة أو العائدين من الحج ..
المصرى والمصرية الى عهد قريب ارتضوا أن توزع الأدوار بينهما كما وزعتها الطبيعة بين الأسد وزوجاته ، يعيش الرجل فى كسل على أمل الدفاع عن أسرته فى حالة الاحتياج ، والمصرية تتعب وتسعى وترهق فى تضحية لا تعرف مدى قدر قيمتها.
المجتمعات البدائية لاتزال مصرة على شريعة الغاب ، كل الخير للرجل ، كل العناء والجهد للمرأة .. السؤال هل اختلف الوضع بعد مرور عقد من القرن الحادى والعشرين !! وبعد أن اعتمدت القرية على المدينة فى تلبية أغلب احتياجاتها ، فالفلاحة لم تعد تخبز أو تملأ لمبة الجاز أو تغسل بدون غسالة ، ولم تعد تحمى الفرن بل تشعل البوتاجاز وتسهر طول الليل تراقب التليفزيون وأحيانا الدش ، والرجل أيضا اختلف ، لم يعد مرتبطا بالأرض إنه يسعى إما بالسفر للخارج أو للعمل فى المصانع أو الخفارة تاركا زوجته تربى الأطفال وتتحمل مسئوليتهم ، هل تغير بذلك وضع المرأة ؟ .. لم يتغير ، لازالت مواطنة درجة ثانية تتحرك باشارات سيدها ( أبوها ، أخوها ، زوجها ، ابنها ) ولازالت تجهز الطعام وتتنحى عن المائدة حتى يفرغ الأسد من تناول وجبته .
المجتمع المصرى رغم دخول الكهرباء والماء النظيف وأفران الخبز العمومية الى كل قرية تقريبا الا أنه يعيش حالة من البدائية فى تعامله مع الأنثى ، سواء كان هذا فى القرية أو المدينة أو حتى الكومباوندز الحديثة ، الرجل مميزا عن المراة ويعتبر نفسه رئيسها ، سيدها المسئول عنها ، المسيطر على كل حياتها حتى بعد أن خطا خطوات واسعة منذ منتصف القرن الماضى نحو المعاصرة .
سبب تدهور العلاقة بين الرجل والمراة وتدنيها الى هذا المستوى البدائى ، هو نظرة رجال الدين لها ، فالسيدة المسلمة لا يحق لها ( فى نظرهم ) أن تصبح بشرا متساويا فى الحقوق مع الرجل .. لا حقوق لها وعليها كل الواجبات ، هكذا كانت فى الغابة وهكذا هى فى المجتمعات البدائية.

حول منتصف سبعينيات القرن الماضي .. كنت أعمل في شركة مقاولات قطاع عام .. رئيس قسم المشروعات .. و يعمل معي عدد من السيدات و الأنسات خريجات الجامعة .. أغلبهن أنيقات و كلهن نظيفات شكلا و موضوعا .. البعض منهن كن يهتممن بالموضة سواء في الملابس أو الإكسسوارات أو في الحرص علي إمتلاك أفضل العطور و أطيبها رائحة . لقد كان هذا هو الشكل السائد بين سيدات الطبقة الوسطي في ذلك الزمن
في يوم قال لي رئيسي .. أن (محي بك ) يريدك أن توجه المهندسة سلوى .. و مدام سوسن .. ليزيدن من طول جيبتهما ..
بالطبع كان ردى .. هذا شأن خاص بهما .. و لا أستطيع مناقشتهما فيه .. قم أنت أو سيادته بهذا الدور ...لم تمض نصف ساعة إلا و الفراش بطلبهما لمقابلة محي بك .
عادت سلوى ترغي و تزبد .. و عندما سألتها زميلاتها .. ردت ( رجل إنضرب في مخه .. الناس لما تكبر بتتهبل )) ...
أما سوسن فصمتت ليومين .. ثم قصت علي ما طلبه منها رئيسنا .. عندما سألتها و ما كان ردك ... قالتله (( أنا بشوف بنتك في النادى .. و جيباتها بطول جيباتي .. لما تطولهم .. حطول جيبتي )).

أرجو أن تتأملوا هذة الحدوته .. البنات لابسين علي الموضة ميني أو ميكرو جيب في العمل .. و لا يوجد أى إندهاش أو إستهجان .. و عندما أبدى أحدهم ( رئيس رئيس ريسها ) ملاحظة أعتبرنه مهفوف في عقلة .. و وجه بكل قوة لأن بنته من نفس الجيل .. و لم يستطع أن يغير ما كانوا علية ..
بل أنظر للرئيسين المباشرين .. لم يجروء أى منهما علي فتح السيرة أو مناقشة حرية الموظفتين الشخصية .
هكذا كنا قبل أن يحتل عقول الخلق السيد الوزير الداعية الشيخ شعراوى ..
بعد هذا الحادث بشهور قليلة.. وصلت الطلائع .. خريجة الأقتصاد و العلوم السياسية الأستاذة هند .. جاءت و هي محجبة .. ظننت للوهلة الأولي أن لديها مشاكل في شعرها .. و لكنها ردت بأن هذا سيكون مظهرها بعد ذلك ..
عندما قلت لها أن هذه الطرحة لن تجحب فقط شعرك و لكن ستحجب أيضا النور عن عقلك .. ردت بأن قدمت لي طلب بنقلها لقسم المخازن .. عندما إندهشت قالت .. هذه تعاليم دينا .. و أنا إمرأة مسلمة .
لم أطل الحديث معها .. و إحترمت وجهة نظرها .. و وافقت علي نقلها .. و لكن يظل السؤال هل علي
المرأة المسلمة مزاولة نفس طقوس القرن الثامن عشر و ما قبلة .. بنفس الشكل و الإسلوب .. أى التحجب أو التنقب وإطاعة زوجها حتى لو تزوج عليها ثلاث أخريات أو ملأ المنزل بالجوارى ..!! إذا كانت إرتضت المسلمة هذا فما هو موقف غير المسلمة .
مع مطلع القرن الماضي بدأت المرأة تخرج من السجن الذى فرضه الرجال عليها من خلال نضال مستمر ودائم لتتخلص فيه من الافكار المكبلة لانطلاقها
((ابسن في بيت الدمية )) من اوائل الذين أدانوا تحكم الرجل في زوجته و تحويلها الي لعبة أو دمية يلهو بها وتبعه العديد من المفكرين و المفكرات و الفلاسفة الذين ارّخوا لعلاقة الرجل بالمرأة ..
اشهرهم انجلز .. و سيمون دى بفوار ...ثم جاءت الحرب العالمية الثانية بكل مآسيها لتفرض علي أصحاب المصانع توظيف السيدات .. عمل المرأة في كل المجالات التي طرقها الرجل و باتقانها هذا العمل كتب لها شهادة الميلاد العصرى الجديد ..
المراة منذ ذلك اليوم لم تعد لعبة او عبدة.. اختارت ملابسها و زينتها و تعليمها و رغم تجبر الرجل باعطائها نصف اجره لنفس العمل الا انها قاومته و نافستة و اضطرته لان يعترف بانها انسانا مساويا ومماثلا رغم المعوقات الخاصة بالحمل والولادة والحضانة ..
في نهاية المسار كانت المرأة رئيسة وزراء حتي لبلاد متخلفة مثل بنجلاديش و باكستان و كانت لآلىء في سماء السياسة مثل انديرا غاندى (الهندية ) و تاتشر (الانجليزية ) و جولدا مائير (الاسرائيلية ) وأنجيلا ميركل (الألمانية ) و وزيرة في كل المجالات بما في ذلك الحرب، المرأة الاوروبية فنانة و ممثلة و مغنية وراقصة تلاقي الاحترام و التقدير وهي راهبة ورئيسة دير وعضو في البرلمان و جندى يقف في الحراسة الليلية علي حدود اسرائيل ..
المرأة حصلت علي جوائز نوبل والاوسكار وكانت سفيرة في الامم المتحدة لكل بلاد الدنيا .. سوداء صفراء بيضاء .. من امريكا اللاتينية .. الا في بلاد العرب المسلمين .. فالعربي يحتقرالمرأة و يرى نفسه الاسد و هي اللبوءة التي عليها خدمته
حتي بعدما خلعت الحجاب و حرقته في زمن ثورة 1919 سكت علي مضض لان التي فعلت هذا كانت هدى شعراوى وصفية زغلول .. ومن ساندها كان قاسم امين و كلهم لهم الاحترام و التقدير ..
المصرية و أخواتها اللبنانية ، الشامية ،التونسية ،المغربية والسودانية إنطلقن يتعلمن و يتدربن و يجاهدن لكي تصبح لهن مكانا.
الرائدات الاوائل عزيزة خليفة و نفوسة خليفة سافرن الي انجلترا للتدريب و عدن يربين اجيالا واجيال من الآنسات المتعلمات في كلية الاداب و الحقوق والمعلمات .. ثم تدريجيا بدأت رائدات في الالتحاق بالطب ثم الهندسة ولم يبق مجال لم تطرقه الفتاة او المراة .
عندما التحقت بكليه الهندسة عام 1956 كانت زميلاتي لم يتجاوزن أصابع الكفين الآن أكثر من نصف الدفعة آنسات ..
عبد الناصر قام بتمكين المراة فاصبحت برلمانية ومذيعة واعلامية في التلفزيون والمجلات والجرائد ووزيرة ، وكانت السيدات الاوائل مصدرا للالهام لجميع الاجيال التالية ،
رأيت هذه الصورة تتكرر في العراق ، سوريا ،لبنان وتونس حيث المدرسات في جامعة الزيتونة سافرات و هن يدرسن الدين و الشريعة .. المراة العربية منذ أن خلعت حجابها حتي اعادت ارتداؤة بعد ثمانينيات القرن الماضي عاشت نصف قرن من الازدهار و الحرية كادت أن تقودها للعصرنة حتي جاء الطاغوت .. الشيخ الوزير يقود الالآف من الدعاة المدرَبين علي تضليل الجماهير حركهم حقد مرضي علي الناصرية والقومية والحياة الحديثة
أود أن أوضح أنني لست بصدد التبشير بدين جديد .. و لا إنتقاد لما يعتقدة الأخرون .. بقدر ما أحاول أن أدرس أسباب صعود وسقوط الطبقة الوسطي في ظرف نصف قرن من الناحية الإجتماعية و الأخلاقية و السلوكية بما في ذلك تغيير القراءات الدينية لدى المسلم و القبطي .
إنني أبحث من خلال علاقة الشكل بالمضمون .. و تعارض القيم الجمالية المستحدثة مع المعطيات القديمة كيف تطورت الحياة علي هذا الكوكب
بمعني أن طراز الباروك أو الركوكو .. في الرسم و العمارة و الثياب .. كان قمة الجمال في زمنه .. في حين أنه اليوم يدعو للإبتسام .. نحن نقدره تماما في كنائس العصور الوسطي .. و لكن عندما نبني كنيسة.. سيكون لها طرزا مختلفة تتوافق مع معطيات العصر من مواد بناء و قيم جمالية و وظيفية و فلسفية.
أنا لا يهمني أن تخرج نساء مصر باكر منقبات و نتحول إلي إيران أو السعودية إذا كان هذا إختيارهن.. أو يسبحن بالبوركيني غريب الشكل ... بقدر ما يهمني لماذا سيحدث هذا .. لماذا إنتصر نموذج (هند ) و عم بيننا رغم أنه نموذج لعصور مرت ..علي نموذج ( سلوى و سوسن ) الأكثر حداثه بعد أن حصر نفسة بتعالي طبقي في منتجعات الساحل الشمالي .. و كومباوندات وكافيهات و بارات المدن الجديدة ..
من يعتقد أن تغطية الشعر جزء من دينه فليؤمن .. بذلك ..هو حر ..لقد غطت الفلاحة المصرية شعرها منذ قرون و لازالت تفعل بدون وعظ ديني .. و من يرى أن التغطية مجرد فعل متعارف علية (عرف) أو جزء غير أساسي من الدين فليؤمن بما يراه لقد كانت أمي و خالاتي و عماتي .. منذ نصف قرن حاسرات الرأس .. و توفتين عن عمر يناهز السبعينيات و هن حاسرات
لا دخل لي برؤيتكم الدينية او عقيدتكم مهما كان رأى أنها تتناقضت مع الزمن ... بقدر رصد تلك التغيرات الإجتماعية التي عاينتها خلال زيارتي بعد عشر سنوات لمقر عملي القديم .. فأجد أن أغلب المهندسات .. و الإخصائيات .. أصبحن محجبات . و إخترن أن يتقوقعن في خدورهن .. يعانين حياة المسلمة العصرية التي لا تتوقف عن العمل لخدمة أسرتها من الإستيقاظ حتي النوم .
ما جرى في مصر التسعينيات .. و اجهته شعوب عربية عديدة .. لقد حدث هجوم بدوى مدعوم بالبترودولار ..علي المفاصل الأكثر تحضرا بعد أن سقطت القومية العربية .. و الإشتراكية و العلمانية ومحاولات تمكين المرأة ..التي شهدناها في الستينيات .
المراة المسلمة كانت صيدا سهلا لموجات تلي موجات من التبشير بالفكر و السلوك الوهابي ..
ففي البداية إرتدى التبشير بردة الدافع الديني و جادلوهم بالتي هي أحسن .. و الخوف من عذاب قبر الشيخ كشك و أشرطته .. ثم الضغط علي الرجال لتحجيب عائلاتهم وحكاية الحلوى المكشوفة المعرضة للذباب .. ثم جاءت دفعة الزلزال ..يليها دفعات رشوة الطالبات ليتحجبن .. ثم الممثلات غير المتبرجات اللائي تحولن لدعاة بين أوساط الطبقة الهاى ..وإنتهي الأمر بالإرهاب عن طريق مضايقات الإناث و التحرش بهن من الأوباش و فاقدى القدرة علي ضبط النفس في الشارع و العمل
إختلف الوضع في بلاد عربية أخرى بسبب رد فعل و سلوك الأقلية غير المسلمة .. ففي لبنان إحتفظت المرأة (الفينيقية ).. بالشكل العصرى و كانت قوية و فعالة..و معاصرة لدرجة سمحت لها بمقاومة كل الاعيب الشيخ حسن نصر الله .
و نفس الأمر بشكل أقل في ألاردن .. أو تونس أو المغرب و الجزائر .. أما قبطيات مصر فلقد كانت قوة الدفع المضادة كاسحة ..لقد كن منفردات في الميدان بعد طرد الأجانب و اليهود و تحول القاهرة من مدينة كوزموبوليتانية تضم أجناسا متعددة إلي قرية ريفية يتحكم فيها كبير العائلة و فقية الجامع والذين إستخدموا أساليب غير ناضجة لترويض الأقلية .. مثل حرق الكنائس .. و خطف السيدات و البنات .. و تهجير العائلات .. وقطع الطريق علي أتوبيسات الرحلات للأديرة.. و فرض عدم الإتزان و الخوف الفردى و الجماعي ..فضلا عن أن الأقباط في حد ذاتهم متحفظين في إتباع الموضة .. فلم يقوموا بدور الموارنه في لبنان أو العلويين في سوريا أو الأكراد في العراق .. او الأمازيج في المغرب .
نوع الإستعمار له تأثير أخر
فالبلاد التي إستعمرها الفرنسيون (سوريا لبنان تونس الجزائر المغرب ) غيروا من طبيعة حياة شعوبها و لغتهم..مستنسخين ما يحدث في باريس و منها تقدير النساء و تمكينهن من أدوات المعاصرة ..
بعكس تلك التي إستعمرها البريطانيون( العراق مصر الأردن دول الخليج ) فلقد حرصوا علي ترك السكان علي بدائيتهم .. ما داموا يديرون سواقي الزيت و يملأون بنوك يوركشير و لانكشير .. بالاموال .

المرأة في الخليج كانت اثناء ازدهار اختها في الوديان العامرة لا زالت تعيش في خيامها الفعلية والنفسية حياة بدائية أقرب لحياة الاسد و زوجاته .. هو السيد المتحكم في كل تفاصيل حياتها .. وحتي عندما سكنت القصور ظلت تعيش في إطار فكر راعية الغنم
الا عندما تركب الطائرة وتغادر السجن الاعظم بلدها فتتحول الي شابة او امراة قاهرية بيروتية ، وفي بعض الاحيان باريسية مادام اهلها لا يدرون .
التوق لحياة طبيعية جعلت العديد منهن ينتفضن ضد ارادة الاسد رغم امداده لهن بالمال، لقد قابلت اكثر من سيدة سعودية أو خليجية ذوات ثقافة وسلوك حضارى يدعو للاعجاب ..
إسلوب حياة الخلايجة .. و علاقة الرجل بالمرأة إنتقلت مع العاملين لديهم من المصريين فعادوا بقواعد
و أساليب توقف المسيرة.. التي بدأت في مدخل القرن العشرين.. بعد أن طفحت قلوب الموالي بما علمهم اياهم اسيادهم فعادوا بالحجاب كملبس و كفكر لهداية لبنات هدى شعراوى .
و لان الامر جد لا هزل فيه ، دعنا نناقش هذا الفكر البدوى السائد بين سيداتنا اليوم .
يتصور البعض أن المصريين يحملون جينات مختلفة تجعلهم أكثر تحضرا بالنسبة لعلاقة الرجل بالمرأة
و يقدمون لنا صورا لموديلات خواجات يلبسن ملابس المصريات القديمات .. و يضعن ميك آب يجعل من هن (قمرات ) .. أو ينشرون صورا لفتايات في الصعيد بالشورت و هن يلعبن باسكيت بول .. أو تنس .. و أخرى لسيدات يسرن علي كورنيش الأسكندرية أو أروقة الجامعات أو يلتففن حول عبد الناصر أو لطاقم التمريض في المستشفي الإيطالي متناسقات نظيفات .. مبتسمات . و كلهن حاسرات الرأس و جميلات

نعم .. كل هذا كان صحيحا .. نصف مجمع الأرباب المصرى القديم كان ربات .. و منهن (نترات)مؤثرات .. مثل إيزيس و ماعت .. و نفتيس .. وتفنوت .. لقد ملكت علي مصر ما لا يقل عن عشر سيدات خلال عصور مختلفة .. و لكن كل هذا ضاع مع الوباء .. فعندما تتكلم عن الشموخ فإنك تركز علي بقعه زمنية دامت لفترة محدودة من تاريخ كميت .. منذ أن وحد مينا القطرين حتي إحتل قمبيز البلاد عام 525 ق. م

لا أريد أن أصدمك بأن المصرى عموما .. و المصريات خصوصا .. تخلفواخلال 2000 سنة إحتلال إلي درجة لا يمكن تصورها .. الجهل .. بجوار المرض .. و الفقر .. و الأوبئة .. و تلاعب النهر بين الفيضان المدمر و الإنخفاض الذى يؤدى للقحط .. ثم عسكر و جباة المستعمر .. و ضمور الصناعات .. و أصبح المصرى بدائيا لا يهتم بفن أو علم أو دين و لم يبق له إلا تراث يتناقلة شفاهة أبا عن جد .. لا يجدد فية .. بحيث تقولب السيدة إبنتها لتخرجها شبيهه بها و بأمها و جدتها دون أى تطوير .
الأمثال الشعبية و الأغنيات و إسلوب الطبخ و.. علاج الأمراض .. فضلا عن الملابس و الزينة .. كلها ثقافة .. شفهية تم تناقلها .. و تعديلها .. حتي أصبحت إسلوب حياة لقوم .. مطحونين قد يكون مستمر حتي اليوم في بعض قرى الصعيد و في المناطق النائية مثل سيناء و البحر الأحمر و أماكن بالدلتا .

فالمصرية مع الإستعمار الذى طال لقرون ..تحولت تدريجيا من سيدة حرة و ملكة ..لقن و جارية .. و إنكمش دورها .. و لم تعد تغادر مكانها .. تهتم بأن تشقي من الفجر حتي العشاء كي توفر سبل الحياة لزوجها .. و أطفالها و الحيوانات التي يربونها .. و لم تعد تلك الغندورة .. الجميلة الراقصة ..المضيفة .. المحبة للحياة ... التي نرى صورها علي جدران المعابد و في أوبرا عايدة أو فيلم كليوباترا .
في زمن الإحتلال الإغريقي ثم الروماني .. زاد الأمر سوءا .. لقد فقدت مصر لغتها .. و دينها .. وتحضرها بحيث عندما جاء الإحتلال العربي .. كانت المصرية كائنا خائفا مذعورا .. لا يمت بأى صلة لبنات حتحور و ماعت ..إيزيس .(هذا حق .. هذا واقع .. ) فما إمتلكة المصرى إسلوب حياة شفاهي مبني علي الخضوع و الإستسلام للطغاة .. و قهرهم .
في زمن المماليك إختلطت أجناس عن طريق إستيراد العبيد.. فتدهور الأمر حتي أن نابليون عندما كتب عن مصر في نهاية القرن الثامن عشر قال
((إن القاهرة التي يسكنها أكثر من 300000 شخص تضم أقبح ما تضم مدينة من الغوغاء )) ..
((أكثر الناس تعددا في الالوان من النوبيين السود إلي الجراكسة ناصعي البياض )).
((شوارع ضيقة غير مرصوفة بيوتا مظلمة متداعية ،أبنية عامة تبدو كالسجون و حوانيت أشبه بمرابط الخيل و جو عبق بعطر التراب و القمامة و عميانا و عورا و أشخاصا يرتدون أسمالا و نساء قليلات منكرات الصورة مقززات يخفين وجوههن العجفاء وراء خرق نتنة ..و يبدين صدورهن المتهدلة من أرديتهن الممزقة )) .
من يمتلك كتاب وصف مصر سيرى رسومات لموديلات من النساء اللائي كن يعشن أقرب للسائمة .. بسبب إستعمار دام 1850 سنة
المصرية التي عاصرها نابليون في نهاية القرن الثامن عشر .. كانت تنقسم لطبقتين .. ولا يوجد بينهما وسط....قلة من زوجات المماليك و المحتلين العثمانيين و كبار التجار يعشن في حرملك واسع.. (غراء فرعاء مصقول عوارضها .. تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل ).. و أغلبية من الجوارى .. و الفلاحات المنكوبات بالجهل و التخلف و سوء الحياة .
المصرية في كل الأحوال( في الطبقة العليا أو الأدني ) كانت مكسورة الجناح.. شقيانة .. مهزومة .. مواطن ذو درجتة متدنية عن الرجال ..و عندما كانت تتمرد علي حالها تتحول إلي ما يطلقون علية اليوم ( شمال ) ..عالمة أو راقصة أو من اللائي يقدمن المتعة للأغراب لقاء عائد مادى .. و هو أمر كان ساريا .. طول فترة حكم المماليك و العثمانيين بل كانوا يحصلون منهن ضرائب .. و مكوس .
المصرية الشامخة .. المعتزة الأنيقة الجميلة .. كانت في بداية القرن التاسع عشر ذكرى ..قد إنقرضت منذ زمن طويل .. و بقي هؤلاء المنكسرات .. المرهقات بالعمل الخائفات من العبودية .. و البيع في سوق النخاسة .
و هكذا عاشت المرأة المصرية.. فإذا ما تزوج عليها رجلها مثني و ثلاث و رباع .. فهو أمر طبيعي يكفي أنه لن يلق بها للشارع مع أطفالها ..أو يضربها و يؤدبها ..
و إذا ما ملأ البيت بملك اليمين.. فلا إعتراض .. الرجل لا يخطيء .. حتي لو كان من أفقر فقراء الكفر .
والسيدة لا تصيب حتي لو كانت شجر الدر إنها ناقصة العقل و الدين .. و جاهلة لا تعرف حتي قراءة القرآن .. و منكسرة بقلة الحيلة .. و عدم الإختلاط .. و لا تعرف إلا ما يريدونها أن تعرفة .
المصرية حتي نهاية القرن الثامن عشر .. لم تكن أبدا حفيدة حتشبسوت و كليوباترا .. بقدر ما كانت جارية منسحقة أو خادمة للمستعمرين أو فلاحة شقيانة .. منكسرة . لا صلة لها بالقرون الأولي لمجد كميت ( مصر ) .
عندما ذبح محمد علي المماليك بالقلعة و إستتب له الأمر .. كان المصريون بعيدا عن الصورة .. أسد و نمر يتصارعان علي الفريسة التي ترقبهما .. و لا حول لها و لا قوة . ففي كل الاحوال علي سكان هذا الوادى أن يعملوا .. و ينتجوا .. و يقدموا ما باليد لعسكر و جباة الغاصب المتحكم .
لم يمض وقت طويل حتي قنن محمد علي هذا الوضع .. فصادر كل الأراضي .. و جعل من المصريين أقنانا يزرعون القطن .. و يجنونه .. و يكيسونه .. و يقدمونه للتجار لتمتليء خزانة الوالي بالأموال .
في القصور .. كانت الجوارى و العبيد و ملك اليمين .. و اللغة التركية .. ثم الفرنسية .. و اليشمك العثماني .. و الجمال الأبيض الشرقي الذى يخبل عيون الأجانب .. و في القرى و النجوع .. و الأحياء الشعبية .. القمطة و الطرحة .. و الجلباب الواسع ذو الجيوب العديدة .. و الكحل البلدى .. و الكعوب المشققة والشقي من الفجر للعشاء .. و سوق النخاسة الذى لا تتوقف إمداداته أبدا .
في أزمنة تالية بعد أن زادت ثروة الباشا .. و بدأ في عمل مشاريع تخص مضاعفة ثروته .. و تسليح جيشة .. تم تمكين بعض المصريين من مناصب دنيا في الحكومة .. فنشأت حول نواة من الخواجات المغامرين القادمين للربح السريع طبقة متوسطة أغلبها من الضباط و التجار و السماسرة ..و مقدمي الخدمات و الترفية .. للأجانب .
نساء الطبقة الناشئة قلدن .. اميرات البيت المالك .. و بمرور الوقت توسعت هذه الطبقة لتشمل الحرفيين و الصناع .. و سكان الأحياء الشعبية .. في المدينة .. لتكون برجوازية مصرية .. بشرائحها المختلفة أصبح لها مطالب و إحتياجات منها التعليم و الصحة .
قرب نهاية القرن التاسع عشر .. كانت النساء بمصر طبقة عليوى تركية .. وأخرى متوسطة ملتفة حول اليهود و الأجانب .. و أغلبية معدمة في الريف و المناطق الشعبية .. و كلهن محجبات أو منقبات .
في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولي و نهاية الثانية .. حدث تطور درامي بالنسبة لساكنات المدن الرئيسية ( القاهرة و الأسكندرية ) إذ نزح لمصر أعداد كبيرة من الأوربيين و اليهود و شكلوا لانفسهم حياة خاصة أكثر تحررا ..
ناس تذهب لسباق الخيل و الملاهي و ترقص .. و تاكل و تلبس بشياكة و تتعامل النساء مع الرجال بحرية أوسع .
جذبوا أعدادا من الطبقة المتوسطة في شريحتيها العليا و الدنيا .. ليعملوا معهم في عجلة الإنتاج المحلية لتوفير إحتياجات الجيوش المحصورة بعيدا عن مراكز الإمداد ..
هذا المد المعاصر صاحبه سقوط الإمبراطورية العثمانية و خلافتها و معها اليشمك التركي و الملاة البيضاء .. و صعود القومية العربية ( والمصرية ) ثم تبني بعض المسلمين لوجهة نظر إحياء الخلافة بحيث جذبت الفكرة الملكين فؤاد ثم فاروق .. ليحدث صراعا ضاريا بين الحداثة .. و التمسك بالهوية .. أنتج جيل بدايات
القرن العشرين و ثورة 1919 .. و ما تلي ذلك من الإتجاه للتعليم المدني .. و إنشاء كلية الفنون الجميلة . .. و الدعوة للسفور .
في هذا الزمن .. كانت غالبية المصريات في الريف و الأحياء الشعبية إما محجبات .. أو يرتدين الملاية اللف و البرقع .. و أعداد محدودة أغلبهن من الأجنبيات و اليهود الشابات سافرات يرتدين ملابس عصرية و علي الشاطيء مايوهات.. و في الملاعب شورتات .
من لم يعش هذة الفترة لن يتصور كيف إنتشر الزى الإفرنجي بين سكان المدن إنتشار النار في الهشيم رغم مقاومة اليهوديات و القبطيات و المسلمات كبار السن له .. فقد كن جميعا يرتدين نفس الملابس .. المنديل ( القمطة ) علي الشعر .. و الطرحة الخفيفة .. و في الخروج الملاية اللف السوداء و البرقع أبو عروسة ذهب علي الأنف ... و يدرن صراعا يوميا مع الشابات اللائي يردن أن يتعلمن .. و يلبسن ملابس عصرية .. و يكشفن شعورهن بل يفردنها بمكوة شعر ..و يذهبن للملاعب و الشواطيء بل يقدن السيارات .. و يمكن أيضا الطيارات .
المشاهد لأفلام ذلك الزمن .. سيعرف أن غالبية المصريات كن محجبات .. ولكن يملن لتقليد الخواجات ...
هذا الصراع إستغرق من ثلاثينيات القرن الماضي .. حتي مابعد المنتصف عندما إنقلب العسكر علي الملك.
المصرية في منتصف القرن العشرين ..خارج القاهرة و الأسكندرية .. كانت تعيش حياة بائسة .. مهمشة .. تدور في ساقية الحصول علي لقيمات محدودة .. فلاحة أو عاملة ترحيلة أو خادمة أو تمرجية في مستشفي أو تاجرة دواجن و جبنة قريش و بيض .. جاهلة بالقراءة و الكتابة .. تكرر حياة أمها حتي في الأغاني التي ترددها أو الطبلة التي تنقر عليها أو الرقص الذى سموة بعد ذلك شعبي .
و كانت الهجرة من الريف للمدينة محدودة .. و الفلاح مكتفيا ذاتيا يستيقظ في الفجر و ينام بعد العشاء في حياة راكدة خاملة بدون أمل إلا البقاء علي ظهر الأرض رغم المعاناة من الأمراض و جور و نهب الحكام .
هل غير زملاء عبد الناصر الوضع .. هل خرجت الفلاحة من القوقعة ..
سلامة موسي في كتابة (( المرأة ليست لعبة الرجل )).. 1925 أوضح أن المرأة يجب أن تُترك لتتعامل مع المجتمع الخارجي لتصبح في ذكاء الرجل وأن المرأة لو أتيحت لها الفرصة ستصبح في عقلية الرجل.
لقد كان يعبر تعبيرا رائعا عن وضعها المتدهور.. بحيث كان كل أملة أن تستطيع أن تفك الخط و تقرأ الجريدة الرسمية حتي لا يزداد الفارق بينها و بين زوجها في الإتساع ..
و في نفس الوقت كان يعبر عن الطموح المجتمعي للخروج بالنساء من ضيق الحرملك .. لإتساع عالم يتطور بسرعة و ينتهي بحمل لواء حقوق المرأة و المساواة .. بين الجنسين .
من حمل هذا اللواء كن بنات الطبقة الوسطي من الشابات (البرجوازيات ) المتحمسات للدراسة ..بدون سقف للطموح.. و العمل و الإنتاج و المشاركة السياسية الوطنية بالإنضمام لتنظيمات مقاومة الإستعمار .
لا تستطيع أن تعرف بالتحديد زمن نقطة التحول في مظهر و سلوك سيدات الطبقة المتوسطة لقد حدث تدريجيا بحيث جاء اليوم الذى كانت فيه جميع المحيطات بي حاسرات الشعر ..و من الطبيعي السفور و الشاذ هو التحجب أو تغطية الوجة
في الفترة مابين 52 و 82 .. رغم أن أغلبية النساء كانت لازالت تعيش في أسر القرن الثامن عشر ..إلا أن بعض منهن مع كل مشاكلهن ..كن أقرب لنظيراتهن في باقي دول حوض البحر الأبيض الأوروبيات ..
لقد كان هناك إقبال علي التعليم عموما و النسوى أو الذى تتخرج منه المعلمات علي وجه الخصوص .. و بشكل أقل علي التعليم الجامعي في حدود كليتي الحقوق و الأداب ..
و كانت نماذج مثل سهير القلماوى و عائشة عبد الرحمن .. و صفية المهندس تشكل دافعا لعدد من الشابات للسير علي دربهن .
الأعمال الجالبة للشهرة مثل التمثيل ، الصحافة و الإذاعة ..كانت تجذب الطموحات .. أما المهن التي إستوعبت الأعداد الأكثر فقد كانت التدريس أو التمريض أو العمل كقابلة للتوليد أو سكرتيرات أو كعاملات في المحلات الكبرى .
لقد كانت هناك حركة صاعدة في المدينة أما الريف فقد بقي علي حالة .. أقصي ما كانت تطمع فية الفتاة أن تشارك أخيها في (الكتاب) لتحفظ بعض من سور القرآن ..و بالنسبة للقرى التي جاورت المصانع الجديدة أن تعمل عاملة يومية في واحدة منها .
يتصور البعض أنه قد حدث تطورا كبيرا في قضية تمكين المراة بمجموعة القرارات العلوية التي أصدرها الضباط في نهاية الخمسينيات و بداية الستينيات ..
و قد يكون هذا صحيحا مع موجات الحماس الأولي فالسيدات حصلن علي حق الإقتراع و من ثم الترشيح لشغل أماكن سياسية .. و نجحت بعضهن في ذلك مثل نوال عامر وفايدة كامل و غيرهن
و زادت أعداد مدارس البنات الإعدادية و الثانوية .. و وصلت للمدن الصغيرة .. بل إتسعت قاعدة التعليم الإبتدائي عموما و كانت مدارس القرى و المدن الصغيرة مشتركة ومختلطة . بين البنين و البنات ..

و أصبحت أغلب ساكنات المدن سافرات حتي في الأحياء الشعبية يرتدين ملابس عصرية مودعين المنديل أبو قوية .. و الملاية و البرقع لتلحق باليشمك التركي .. و تستبدل بضفيرتين تنتهيان بفيونكتين .. تحيطان وجه الشابة ..
و لكن الكتلة العريضة للمراة في مصرالتي تعيش في الريف لم يصبها أى تطوير لذلك فقد كانت هذه القرارات تبدو كمجرد مكياج ذاب مع أول موجة أمطار .
سبعينيات القرن الماضي كانت زمن الحصاد لكل الجهد الذى بذل خلال نصف قرن لتعود المصريات إلي سابق بهائهن . الاف من خريجات الجامعات في كل التخصصات .. طبيبات و مهندسات و جالسات علي منصة القضاء .. و سفيرات .. و وزيرات .. لقد كانت مدارس البنات توازى مدارس الصبية .. و كان عدد المتفوقات منهن أكثر من الصبية .. و كانت عدد المعتقلات السياسيات توازى أعداد الشباب .. و أصواتهن أعلي من أصوات قرنائهن..
سبعينيات القرن الماضي .. كانت المصرية ساكنة المدينة .. لا تقل جمالا و أناقة و عقلا .. و حماسا و شطارة عن مثيلاتها الأوروبيات .. كان الشباب في الجيش .. و الشابات يقمن بأعمالهم بكفاءة و إتقان .
الفنانة المصرية ( الممثلة الراقصة المغنية ) كانت توازى مثيلاتها في اوروبا .. و مصممات الأزياء ينافسن الباريسيات .. و مصر المهزومة عسكريا متفوقة حضاريا .. و كان الريف قد بدأ يرسل مندوباته .. طالبات في الجامعة .. منكمشات مخضوضات .. و لكن سرعان ما يألفن الحياة كما يعرفها شباب المعاصرين .
نهاية السبعينيات بدأ التغير .. كيف حدث و متي حدث لا أستطيع أن أحدد .. و لكن جحافل الأخوان إحتلت الجامعات .. و بدأت تفصل الشباب عن (الحريم ) .. و تقيم محاكم تفتيش لكل شاب و شابة متحابان .. و تنكمش الفتايات .. و يستترن بالمنديل الحاجب للشعر .. و تخسر المصريات كل إنجازات قرن من الكفاح و الصراع .. لقد أصبحن حريم و ولايا .. و نسوان .. عليهن الإهتمام بمنازلهن .. و بلا شغل بلا نيلة .
و مع ذلك عندما يقولون أن الأخوان و الوهابيين و السلفيين قد غيروا من نساء مصر و عمموا الحجاب .. أندهش .. فالحجاب كان موجودا قبلهم .. و بقي بعدهم .. إنه الزى الرسمي للفلاحة المصرية و لساكنات الأحياء الشعبية .. و العشوائية .. كل ما فعلوه أنهم بشكل أو أخر ضموا للصفوف بعض من بنات الطبقات الوسطي السافرات .. و هذا امر طبيعي فالبرجوازية سريعة التغير و النتقل من جانب لاخر .
و يستمر التغيير ففي التسعينيات كان الحجاب حكرا علي الريف و بعض أجزاء من العشوائيات و الأحياء الشعبية .. وهو لازال مستخدما لليوم .. الفارق أن الطبقة الوسطي التي تحجبت بدأت شرائح منها تخلعة .. و ترى أن هذا أفضل .. و لا تقابل بنفس إستهجان التسعينيات ... بل بالعكس فقد بدأ الحجاب يدل علي أن مرتديته من الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة .
يطرح هذا عدة أسئلة :-
هل غير الأخوان خلال سيطرتهم علي الشارع ملابس أغلبية ساكنات الريف قبط و مسلمات ؟؟ إذا إدعوا هذا .. فهم يضللون
هل غيروا تقليعات الطبقة الغنية .. و قفلوا الشواطيء و الكباريهات ..؟؟ أيضا لا .. فهم أضعف من مواجهه الأقوياء
لقد توجهوا للطبقة الوسطي التي تعيش في المدن .. بجاذبية الخدمات الرخيصة للشريحة الدنيا و التجريس في بعض الحالات .. و بواسطة داعيات من الفنانات للشريحة التي تعلوها .. و برشوة الطالبات الجامعيات .. و تأنيب اولياء الامر للبنات السافرات ..
و لكن ما يلفت نظرى .. هو تغير سلوك الرجل تجاه المراة ..
فالزوجة اذا نشزت تضرب بالعصا ضربا خفيفا يتزايد حتي يصل الي ربط شعرها في شعر ضرتها و ضربهما ضربا مبرحا .إنها وصايا رجال الدين من الدعاه السلفيين .. رغم أن السائد كان التفاهم و تدخل طرفين راشدين من العائلتين .
او الأخ يستولي علي ميراث أخته بنطاعة غريبة ..أما إذا حصلت علي قدر منه فهو نصف أخيها . و الحديث في عكس ذلك كفر و تجديف .
و الأب يصر علي أن تتحجب طفلتة صغيرة السن(لأنها فتنة ) فتجد كل يوم طوابير الفتايات الصغيرات المحجبات و هن في طريقهن الي المدرسة زهرات تم خنقها بملابس و سلوكيات غير عصرية
بل عندما تبذل الفتاة أو الشابة جهدا في التحصيل و الدراسة و تصبح الاولي علي صفها فتنحّي و يأخذ زميل لها اقل تحصيلا مكانها .. حتعملي إيه بالتفوق مادام مصيرك البيت .
لترتفع نسبه البطالة و تطول اغلب الخريجات .. وعندما تعمل يتحرش بها رجل ويذلها ويمنع ترقيتها ويهمشها، وتبقي المرأة تحمد ربها انهم لازالوا يقبلونها بينهم ..
لقد دارت الأيام دورة واسعة .. ظلت فيها أغلب نساء مصر علي حالها .. رغم التلفزيون .. و البوتاجاز و الغسالة الكهربائية و الحصول علي الخبز من الأفران و اللبن و الجبن من المجمعات .. إلا أنها كلها لم تزحزحها عن نموذج الأم و الجدة إلا قليلا .
و تلاعبت السلطات ببنات الطبقة الوسطي .. تحفزهن .. و تساعدهن .. ثم تحبطهن .. و تعيدهن لخدورهن
و لم يختلف سلوك الأغنياء كثيرا .. فهن علي درب تقليد ساكنات دول الضفة الأخرى من البحر المتوسط في كل الأحوال .
وهكذا مع تدهور كينونة الطبقة الوسطي .. و تحولها إلي حدود الفقر فالقادم اكثر حزنا ، فلن يسمح لك المجتمع الذكورى الرجعي يا ابنتي المتفوقه (ما لم تكوني من بنات السلطان .)ان تخرجي من منزلك.. فقري في بيتك و لا تتبرجي تبرج الجاهلية.. و لا تنظرى لما تفعله بنات الجيران

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول