تقرير اللجنه الوزارية : اراد ان يكون - متوازنا - ففقد التوازن !

عارف معروف
2019 / 10 / 23


يمكن تحديد خلاصة تقرير لجنة تقصي الحقائق الوزارية بشأن وقائع العنف المفرط والدامي الذي ووجهت به تظاهرات الاول من تشرين وسقوط ذلك العدد المفجع من الشهداء والجرحى بثلاث نقاط اساسية ركز عليها التقرير ، سواء في جانب ماقدمه من " حقائق " او انتهى اليه من " استنتاجات " او ما اختتم به من " توصيات " .
وتتحدد هذه الخلاصة بالاقرار بالاستخدام المفرط للقوة والرصاص الحي ضد المتضاهرين لكنه يرجع ذلك الى : ضعف القيادة والسيطرة لدى القادة والآمرين الذي ادى بدوره الى ارباك في ضبط النار لدى المنتسبين وحصول " فوضى " ادت الى سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا ! وواضح ان ايحاءات هذا الكلام تتضمن الاستناد الى العفوية والبراءة فيما حصل ونزع جانب القصدية والتعمد عنه ، حيث يمكن ارجاع ضعف القيادة والسيطرة لدى الامرين الى نقص التدريب مثلا او عدم تمتعهم بالشخصية القيادية او غيرها وكذلك الامر مع قلة انضباط المنتسبين ، وكلها امور تبعد الطابع الجرمي للوقائع..
ثم يسارع الى تبرير ذلك باقدام " بعض "المتظاهرين غير المنضبطين بحرق عدد من مؤسسات الدولة والممتلكات العامة ومقرات الاحزاب بل وقيام بعضهم الاخر برمي قنابل المولوتوف على القوى الامنية بل والرمي الحي ، في حالات اخرى ، باتجاه القوى الامنية مما " ادى الى اصابة عدد غير قليل منهم " مع " حرق عدد من العجلات العائدة لوزارتي الدفاع والداخلية وكذلك حرق عدد من السيطرات
اذن فقد تساوت الكفة هنا ، فأخواننا " القوات الامنية " قد اخطأوا وكذلك اخواننا " المتظاهرين " ، على طريقة النكته السبعينية ، ووجب الصلح والتراضي ومثلما برأ التقرير " اخواننا الامن " من التبعات بردها الى ضعف السيطرة والفوضى التي حصلت جراء ذلك ، لا بد له ان يبريء " اخواننا المتظاهرين " لكي يحصل التوازن فاورد في النقطة " و " هذه التسوية او صك البراءة بالقول: " ان الاعتداءات على القوات الامنيه ومؤسسات الدولة والبنى التحتيه والمقرات والممتلكات العامة والخاصة حدثت من قبل عناصر ارادت حرف الطابع السلمي للتظاهرات " (!!) لكن التقرير لم يغفل ، كما هو واضح ، عن اهمية زيادة وزن كفة الذنب الخاصة بالمتظاهرين فاورد كل هذه الواوات التي تخصهم ومنها حتى " الاعتداءات على البنية التحتية " وبعد اشعار الطرفين بالذنب والتقصير ، كما تقتضي الاصول ، وجب البحث عن الشيطان الذي تسبب بكل هذا و المجرم المجهول الذي ينبغي ان تعلق على شماعته تلك الجريمة المنكرة بهدر دم الشباب المتظاهر فوجد التقرير ضالته في " عناصر " مجهولة لم يسمها ولم يعثر لها على اثر !
ان جوهر التقرير الذي كانت كل هذه " الحقائق " و" الاستنتاجات " و " التوصيات " حواشي ومنكهات وتوابل لتمريره هو ابعاد الحكومة عن مسؤولية ما حصل وتنظيف ساحتها تماما من كل تبعاته بالتاكيد على عدم صدور اية اوامر او تعليمات من الجهات العليا باطلاق النار اتجاه المتظاهرين او باستخدام الرصاص الحي ، مطلقا ، بل على العكس فقد كانت تعليماتها مشددة بعدم استخدام القوة ضد المتظاهرين !!
فاذا كانت الحكومة او المراجع العليا قد حظرت استخدام السلاح او النار ضد المتظاهرين وشددت على ذلك فمن يجرؤ من القادة او الامرين او المنتسبين على خرق ذلك ومخالفته وماهي مصلحته في ذلك ؟ واذا حصل تقصير او فقدان للسيطره او عدم ضبط النار جراء الانفعال او سيطرة اجواء الفوضى او نقص التدريب او الانضباط في هذا المكان او المحافظة فلماذا حصل في معظم اماكن التظاهر ، سواء في بغداد او المحافظات ؟!!
واضح ان التقرير قد بذل الوسع في صياغة تسوية " متوازنة " ترضي الحكومة والنظام اولا ، ثم ترضي الجهات الدولية المهتمة ثانيا ، ثم اخيرا تطمن الشعب وذوي الضحايا والقوى والشخصيات الديمقراطية في الداخل بانها قد " عملت الواجب او اللازم "!!
ورغم ذلك فان التقرير يتضمن نواحي ضعف خطيرة ومناطق شبهة لم يستطع تلافيها ويمكن ان تستغل ضده ومنها :
1- اذا سلمنا بان " المراجع العليا " او الحكومة كانت قد شددت على منتسبي قوى الامن بعدم استخدام السلاح واذا كانت الاسباب التي يقدمها التقرير لعدم التزام هذه القوى من ضعف سيطرة او فوضى او عدم ضبط لا تصمد للنقد والتمحيص بفعل تكرر اطلاق النار على المتظاهرين في معظم الاماكن ومن قبل قوات ووحدات مختلفه فهذا يعني ان هناك قوّة اخرى لم يسمها التقرير هي التي اطلقت النار ومارست اعمال القنص وهنا يمكن الاستنتاج ان التقرير اما ان يكون قد غض النظر عن تسمية هذه القوة او انه لم يتعمق بالتحقيق للوصول اليها .
2- تضمن التقرير نفسه ان 70% من مجمل الاصابات القاتلة تركز في مناطق الرأس والصدر للضحايا وهذا يمكن ان يكون نفيا ضمنيا آخرللقول بان ما حصل كان جراء الفوضى وعدم سيطرة المنتسبين على النار اذا ان مثل هذه الاصابات تقتضي قنصا مدربا ومسترخيا ولديه اوامر بان تكون الاصابات قاتلة !
3- يشير التقرير الى التحقق من ان هناك موقع قنص واحد في هيكل لبناء متروك مقابل محطة الكيلاني وجدت فيه عند الكشف عليه عدة ظروف اطلاقات فارغة (!) ان القول " بعدة " لا يتناسب مع حجم الاصابات التي تفترض اطلاق الوف الطلقات كما ان القول بوجود موقع قنص واحد يتنافى كليا مع هذا العدد من الاصابات !
4- يشير التقرير الى التقصير في وجود كاميرات المراقبة في الساحات العامة والشوارع ، فهل هو مسعى استباقي لنفي وجود تسجيلات لتلك الوقائع ؟ لكننا نعلم جميعا ان مثل هذه الكامرات موجودة والدليل هو ان برنامج المرور يعرض باستمرار الحوادث التي تقع في شوارع بغداد وساحاتها والتي تكون تلك الكاميرات قد سجلتها !!
5- يشير التقرير الى ان اكثرالاصابات قد حصلت قرب " مول النخيل " لكنه لا يوضح لنا لماذا ولا يمكنه ان يوضح ذلك لان الامر يتعلق بعلامة استفهام كبيرة وكبيرة جدا حول مجرى تلك الوقائع !

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي