لماذا أغفل العرب دور العراق في حرب تشرين 1973 - 4 -

تميم منصور
2019 / 10 / 22


في المقال السابق تركنا اللواء المدرع العراقي وقائده في حالة تشبه الضياع، لم تكن هذه الفوضى هي المشكلة ، المشكلة الأكبر كانت هل ستحمي ظلمة الليل الحالكة عناصر اللواء من القصف الاسرائيلي؟ استمر اللواء المدرع العراقي بالتقدم نحو الجبهة تحت جنح الظلام، ولكن دون تحديد الأماكن والمواقع التي سوف يستقرون بها للمواجهة ، ويعترف قائد اللواء بأنه كان في حيرة من أمره ، إلى درجة انه كان يترجل من سيارة القيادة عند وصوله الى كل مركز مروري جديد ، كي يسأل مسؤول المرور ، أو ربما يجد مقراً عسكرياً باستطاعته الاتصال به، أو الاستفسار منه عما سيؤول اليه حال القوة العراقية ، لكن دون جدوى .
في إحدى النقاط اقترح ضابط سوري على قائد اللواء العراقي ان يتوجه الى الاركان العامة في دمشق ، ربما يجد هناك كل ما يريد ويسمع اجابات على كل الاسئلة التي تخطر بباله، رفض الضابط العراقي هذا الاقتراح وسأل الضابط السوري متى سأصل ومتى سأعود ؟ ثم هل سأترك اللواء خلال رحلتي الغامضة يواصل سيره ؟ أم يقف على قارعة الطريق؟ وماذا لو كانت الاركان العامة السورية قد ارسلت لي أمراً ما ، فهل سأترك لهم أمر توجيه اللواء وزجه في معركة قد تفرضها الظروف دون علمي أو موافقتي، عندها سيكون مصيري حبل المشنقة في بغداد .
هذا يعيد إلى الذاكرة حالة الثقة التي كانت شبه معدومة بين الجيوش العربية التي ارسلتها الجامعة العربية، فالجيش الاردني رفض التعاون مع الجيش المصري ، كما ورد في مذكرات القائد المصري احمد عبد العزيز، واتهم الضابط المصري المذكور الملك عبد الله بأنه انسحب من اللد والرملة لكشف ميمنة الجيش المصري، كما انه اتهم القيادة الاردنية التي كان يرأسها الجنرال الانجليزي غلوب ، بأنها قامت بقصف القوات المصرية التي كانت منتشرة في منطقة بيت جبريل .
انعدمت الثقة أيضاً بين قيادة جيش الانقاذ الخاضعة لجامعة الدول العربية ، وكان يقوده فوزي القاوقجي ، وبين قوات الجهاد المقدس التي كان يقودها عبد القادر الحسيني، وكان خاضعاً لأوامر المفتي أمين الحسيني، تجسد عدم الثقة بانعدام التعاون والدعم العسكري في الميدان وبعد سقوط موقع القسطل المشرف على مدينة القدس ، توجه عبد القادر الحسيني الى دمشق للحصول على السلاح
لكن قيادة جيش الانقاذ رفضت طلبه ، فعاد إلى جنوده واستشهد وهو يحاول استرداد موقع القسطل الاستراتيجي .
هذه الأحداث التي سببت النكبة ، تؤكد بأن حال ووضع اللواء العراقي لم يكن افضل من حال الجيوش العربية التي جاءت الى فلسطين ،،أن قائد هذا اللواء اعترف بأن اليأس والحيرة والتعب تسلل الى النفوس والروح القتالية لضباطه وجنوده قبل ان يطلقوا طلقة واحدة ، كما يعترف هذا القائد بأن القلق والغضب سيطر على مشاعري بسبب اللا مبالاة التي ابداها السوريون .
رفض القائد العراقي ترك جنوده والذهاب الى القيادة في دمشق ، ووجه سؤالاً الى الضابط السوري صاحب الاقتراح لماذا لم تأت القيادة الى هنا ؟ أنا سأواصل مسيري، حبذا لو أحصل على جهاز لاسلكي كي أتصل بالقيادة السورية ، ولكي أوقظها اذا كانت نائمة ، أريد أن اتصل بهم كي ابلغهم أن لواءا مدرعاً عراقياً على وشك أن يضيع ، لأن الاركان العامة السورية ، لم تعرف بعد أو لا تريد ان تعرف أنه دخل الشام منذ ساعات ، فأي أمن عسكري رائع هذا الذي تنعم به سوريا وهي في حالة حرب ؟؟ وماذا لو دخل لواء مدرع عادي من اتجاه آخر وسار حتى دمشق ؟ ثم تساءل القائد العراقي ماذا سيحدث اذا بزغ الفجر ونحن دون حاد أو دليل .
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل ، ومقدمة رتل الدبابات قد وصلت الى بلدة انخل ، وقبل ان ندخلها توقفنا عند المركز المروري في محاولة أخيرة ، وكان هناك مجموعة من صغار الضباط السوريين وتكررت المحادثة والاقتراحات حول العودة الى الاركان العامة ، مما جعل الضابط العراقي ينفجر في وجه الضباط السوريين وقال لهم : لم أتصل بالاركان العامة ، لم أبحث عنهم علهم هم يبحثوا عني ـ وأضاف القائد العراقي سوف اواصل المسير الى درعا ، ومنها سأدخل الأراضي الاردنية ، لأنني لم أسمح أن يطلع النهار وأنا كالملاح التائه ، وتصبح دباباتي اهدافاً دسمة لطائرات الصهاينة ، وجه القائد العراقي حديثه لأحد الضباط السوريون لا مانع عندي أن أستشهد أو يستشهد جنودي، لكننا لا نستشهد إلا في ساحة الشرف .
يعترف قائد اللواء العراقي بأن الضباط السوريون اصيبوا بالحرج ، وقال أحدهم والله نحن نخجل منكم ، انفرد الضباط السوريون وسمعتهم يتهامسون ، ورأيت أحدهم يتكلم باللاسلكي الذي كان معه ، هنا وصل بعض الضباط السوريون الكبار ويدعى المقدم وليد حمدون ، بعد تعارف سريع معه ، افهمته موقفي والحيرة التي أوقعتني بها دائرة الاركان السورية ، اتضح لي خلال الحديث معه ، بأنه ضابط يمكن التفاهم معه والاعتماد عليه ، كما انه اظهر هدوءه واتزانه ، قال الضابط السوري بأنه ’قائد لواء مدرع ، وانه انسحب من مقدمة المعركة ، ولم يبق معه سوى ست دبابات فقط ، وطلب مني ان اتقدم لاحتلال مواقع وحدات لواءه ، وهي جاهزة كموقع دفاعي جيد .
قبل أن اودعه في طريقي الى المواقع التي حددها لي ، سألته ان يوضح لي بايجاز ما حدث ، قال الضابط السوري العميد وليد حمدون بصراحة كانت اسلحة مقاومة الدبابات لدى الاسرائيليين اقوى واكثر بكثير من توقعاتنا ، كان هجومنا المدرع ناجحاً للغاية ، وحقق اهدافه تقريباً ، ثم ابتدأ الهجوم المضاد ، صواريخ وطيران ، لم يكن نعرف أنه لدى اسرائيل صواريخ مضادة للدبابات على هذا الشكل . تنفسنا الصعداء بعد أن أصبحت الأمور واضحة أمام القوات ، قررنا بسرعة ايصال وحدات وعجلات اللواء المدرع الثاني عشر الى القواطع الجديدة التي خصصت وايصال أكبر عدد من هذه القوات الى مواقعها خلال ساعات الظلام ، حتى يطلع النهار وتكون عناصر هذه القوات في امان .
أثناء الانتشار تلقى قائد القوة العراقية اوامر من مرؤوسيه العسكريين في بغداد بأن يكون في غاية الحذر في التعامل مع السوريين ، وان لا يسمح لهم باستخدام القوات العراقية حسب ارادتهم ، وان لا يسمح لهم بزج قوات اللواء في مواقف منهكة ، هذا يدل على عدم الثقة بين القيادتين العراقية والسورية .
مع مرور الساعات وصلت غالبية الوحدات الى مواقعها ، باستثناء بعض العجلات التي وصلت متأخرة لاسباب فنية ، ما سبب القلق لقائد القوة العراقية تأخر وصول كتيبة مدفعية الميدان ، والسبب بأنه ما أصابنا من اللامبالاة التي أبداها اخواننا السوريين أصاب عناصر وآليات هذه الكتيبة ، فقد بقيت هذه الكتيبة تتنقل منفردة ، ولو أنها وجهت مدفعيتها نحو دمشق وضربتها بالقنابل لما شعر بها أحد .
بعد أن بددت أشعة الشمس ظلام الليل ، ووضح النهار بدأ النشاط الجوي الاسرائيلي المحموم ، واختلط ضجيج الطائرات المغيرة بهدير المدافع والقذائف ولهيب صواريخ سام وهي تطارد طائرات العدو كما تطارد السباع فرائسها في الفيافي ، لم تفلت من طائرات العدو من الدمار إلا القليل جداً ، أما لسرعتها الفائقة ، أو لاشغال صواريخ سام بفرائس أخرى ، أمام هذا المنظر المهيب الذي لم تشهد مثله الحروب اغرورقت عيناي بالدموع دون ان اشعر ، ووجهت حديثي الى أحد الضباط الموجودين بجانبي دون أن أشعر ، قدمت لنا روسيا كل شيء ، ولم نقدم لها سوى الدلع والعجرفة والخذلان كما فعل السادات ، وسألت كيف استغنى الجيش المصري عن السلاح السوفيتي ، رد أحد زملائي في القيادة ، سنبقى مدينون لروسيا لأننا بفضلها حافظنا على كرامتنا .


يتبع